حين يطلب القاتل شهادة وفاة الضحية التي أبقاها حيّة لتخدمه
من النكبة إلى أوسلو…
كيف تحوّل الوطن المؤقت إلى حياةٍ مؤقتة تحت احتلال دائم
في صباحٍ يشبه كل الصباحات الفلسطينية الثقيلة…
يجلس رجلٌ عجوز قرب نافذةٍ تطلّ على شارعٍ لم يعد يشبه شيئًا من ذاكرته القديمة.
يداه المرتجفتان لا تزالان تمسكان مفتاحًا صدئًا كبيرًا،
كأنهما تخافان أن يضيع البيت للمرة الثانية إذا تركتاه.
المفتاح أقدم من معظم الذين يمشون الآن في الشارع.
أقدم من الحاجز العسكري عند مدخل المدينة.
أقدم من المستوطنة فوق الجبل.
أقدم من السلطة نفسها.
وأقدم حتى من كثير من الأسئلة التي صارت تُطرح على الفلسطيني كل يوم.
الرجل لا يتكلم كثيرًا.
كل ما يفعله أحيانًا…
أنه يدير المفتاح بين أصابعه ببطء،
كأنه يفتح بابًا لا يراه أحد سواه.
في الجهة الأخرى من المشهد…
يقف حفيده بعد سبعة وسبعين عامًا أمام حاجز إسرائيلي،
في مدينة يُفترض ـ نظريًا ـ أنها تحت “السيادة الفلسطينية”.
الجندي لا يسأل الفتى عن اسمه فقط.
يسأله عن: هويته، تصريحه، سبب مروره، إلى أين يذهب، ومتى يعود.
خلف الجندي كاميرا.
وفوق الجبل مستوطنة.
وعلى الجانب الآخر من الشارع مبنى لوزارة فلسطينية،
وعلم فلسطيني،
ودورية شرطة فلسطينية تمرّ بهدوء قرب الحاجز.
بين المفتاح والحاجز…
توجد الحكاية كلها.
هناك… بالضبط…
تعيش فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عامًا داخل مشهدٍ غريب لا يشبه التحرر… ولا يشبه الاحتلال التقليدي الكامل.
شيءٌ بين الاثنين.
في النكبة الأولى،
كان الفلسطيني يُطرَد من بيته بالقوة.
أما اليوم…
فكثير من الفلسطينيين لم يعودوا يعرفون: هل يعيشون داخل وطن مؤقت؟
أم داخل سلطة مؤقتة؟
أم داخل انتظارٍ طويل تحوّل مع الوقت إلى شكل حياة كامل؟
وهنا تبدأ حكاية أوسلو الحقيقية.
ليس بوصفها اتفاقًا سياسيًا فقط…
بل بوصفها اللحظة التي تغيّر فيها شكل القضية الفلسطينية نفسها.
كثيرون يتذكرون صورة المصافحة في البيت الأبيض سنة 1993.
العالم يومها تعامل مع المشهد كأنه نهاية فيلم طويل من الدم والحروب والمنفى.
ياسر عرفات ببدلته العسكرية،
إسحق رابين بوجهه البارد،
وبيل كلينتون يفتح ذراعيه بينهما كمن يبارك ولادة شرق أوسط جديد.
لكن الكاميرات يومها لم تكن ترى كل شيء.
لم تكن ترى المستوطنات التي كانت تكبر بهدوء خلف المشهد.
لم تكن ترى أن الاتفاق نفسه لم ينص أصلًا على دولة فلسطينية واضحة.
ولم تكن ترى أن “المرحلة الانتقالية” التي قيل إنها ستدوم خمس سنوات فقط… قد تتحول إلى عمرٍ كامل لشعب بأكمله.
أوسلو لم يكن اتفاق سلام نهائي.
كان “إعلان مبادئ”.
مجموعة ترتيبات انتقالية يفترض أن تنتهي بمفاوضات حول: القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات، والمياه.
لكن السنوات مرت…
وكأن الفلسطيني دخل ممرًا طويلًا بلا باب خروج.
ثم جاءت الخرائط.
(A) (B) (C)
حروف صغيرة بدت يومها تقنية ومعقدة،
لكنها في الحقيقة كانت تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية كلها.
المنطقة (A) قيل إنها تحت إدارة فلسطينية.
لكن الجيش الإسرائيلي كان يدخلها متى شاء.
المنطقة (B) إدارة مدنية فلسطينية… وأمن إسرائيلي.
أما المنطقة (C)…
فقد بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة: الأرض، المياه، المعابر، الجبال، والمستقبل نفسه.
وهكذا…
بينما كان الفلسطيني يظن أنه يقترب من الدولة،
كانت إسرائيل تعيد هندسة الاحتلال بطريقة أكثر ذكاءً وأقل كلفة.
الاحتلال القديم كان يحتاج جنديًا في كل شارع.
أما الاحتلال الجديد…
فصار يحتاج: حاجزًا، وكاميرا، وتنسيقًا أمنيًا، وسلطة تدير السكان بدلًا عنه.
وهنا تغيّر كل شيء.
ظهرت الوزارات،
والبطاقات الرسمية،
والرتب،
والسيارات الحكومية،
والبنوك،
والقروض،
وآلاف الموظفين الذين أصبح راتب آخر الشهر بالنسبة لهم مسألة حياة كاملة.
بدا المشهد كأن الدولة تقترب.
لكن الدولة لم تأتِ.
الذي جاء فعلًا…
كان “بروتوكول باريس الاقتصادي”.
الاسم يبدو بعيدًا وباردًا،
لكن أثره دخل كل بيت فلسطيني تقريبًا.
هذا الاتفاق ربط الاقتصاد الفلسطيني كله بإسرائيل: الاستيراد، التصدير، الضرائب، الجمارك، العملة، وحتى حركة الغذاء والدواء.
الفلسطيني صار يعمل…
لكن السوق ليس سوقه.
يدفع الضرائب…
لكن إسرائيل هي التي تجمعها.
ينتظر راتبه…
لكن الاحتلال يستطيع إيقاف المال متى شاء.
وهكذا تحولت “المقاصة” إلى شريان حياة يمكن خنقه سياسيًا في أي لحظة.
ومع الوقت…
لم يعد الاحتلال يحتل الأرض فقط.
بل بدأ يحتل الزمن اليومي للفلسطيني: راتبه، قرضه البنكي، تصريحه، وحركته بين مدينة وأخرى.
ثم بقي شيء واحد يعمل بدقة وسط كل هذا الخراب: التنسيق الأمني.
كل شيء تقريبًا تعطل: المفاوضات، الحل النهائي، الدولة، والثقة نفسها.
لكن التنسيق الأمني بقي حيًا.
كأنه آخر جندي واقف فوق أنقاض أوسلو.
الفلسطيني يسمع المصطلح يوميًا،
لكن قليلين يرون معناه الحقيقي.
هو ببساطة النظام الذي يجعل الاحتلال أقل احتكاكًا وأقل كلفة.
النظام الذي يسمح لإسرائيل بأن تحصل على الأمن…
دون أن تتحمل كامل عبء الاحتلال المباشر.
أما السلطة…
فكانت ترى فيه وسيلة لمنع الانهيار والفوضى والحرب الداخلية.
وهكذا عاش الفلسطيني واحدة من أكثر لحظاته النفسية تعقيدًا:
هو يعرف أن الاتفاق مات.
لكنه يعيش كل يوم داخل مؤسساته،
ورواتبه،
وبنوكه،
وحواجزه،
وأزماته.
حتى المجلس المركزي الفلسطيني نفسه أعلن أكثر من مرة وقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل.
لكن شيئًا لم يتغير فعليًا.
لأن الذي مات سياسيًا…
ظل حيًا اقتصاديًا وأمنيًا وإداريًا.
إسرائيل كانت تعرف ذلك جيدًا.
ولهذا لم تستعجل دفن أوسلو.
فأوسلو منحها ما لم تحلم به: أرضًا أكثر، واحتلالًا أقل كلفة، وسلطة تدير السكان، ومجتمعًا مشغولًا بالبقاء اليومي أكثر من انشغاله بالتحرر.
لكن شيئًا تغيّر الآن داخل إسرائيل نفسها.
اليمين الإسرائيلي الجديد لم يعد يريد حتى القناع.
في التسعينيات،
كانت إسرائيل تحتاج أن تبدو أمام العالم كأنها “تبحث عن السلام”.
أما اليوم…
فهي تتحدث بصراحة أكبر: لا دولة فلسطينية، لا شريك، لا حتى وهم التسوية.
ولهذا يريد اليمين الإسرائيلي إلغاء أوسلو رسميًا الآن.
ليس لأنه فشل.
بل لأنه نجح أكثر مما ينبغي.
نجح في شراء الوقت،
وتوسيع الاستيطان،
وتفتيت الضفة،
وإضعاف الفكرة الوطنية،
وتحويل السلطة إلى بنية تخاف الانهيار أكثر مما تخاف الاحتلال.
وفي غزة…
ظهرت الصورة الأكثر وحشية للمشروع كله.
هناك لم تعد إسرائيل تخفي شيئًا: لا اللغة، ولا النوايا، ولا طبيعة القوة التي تحكم بها الفلسطينيين.
الإبادة لم تعد مجرد توصيف سياسي يتجادل حوله المحللون.
لقد أصبحت مشهدًا يوميًا: مدن تُمحى، عائلات تُباد، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام كما لو أن العالم كله فقد قدرته على الشعور.
وفي الضفة…
كان الاستيطان يلتهم ما تبقى من الجغرافيا،
بينما الحواجز تكبر،
والمدن تضيق،
وفكرة الدولة نفسها تتحول إلى ظل بعيد فوق خرائط قديمة.
لكن المفارقة الكبرى…
أن هذا العنف الهائل بدأ يكشف إسرائيل نفسها أمام العالم بطريقة لم تحدث من قبل.
في الجامعات الأميركية،
وفي شوارع أوروبا،
وفي النقابات،
والصحافة،
والفضاء الثقافي والفني…
بدأت صورة “الديمقراطية المحاصرة” تتصدع.
وبات كثيرون يرون إسرائيل كما هي: مشروعًا استعماريًا توسعيًا مفتوحًا،
يرى في القوة قانونًا،
وفي الإبادة أداة سياسية،
وفي التهجير حلًا ديمغرافيًا.
حتى قطاعات واسعة من اليهود في العالم بدأت تجد نفسها أمام سؤال أخلاقي لم يعد من السهل تجاهله: هل يمكن الدفاع عن ذاكرة الضحايا… عبر صناعة ضحايا جدد؟
وحتى الدول الكبرى التي منحت إسرائيل غطاءً طويلًا بدأت تدرك أن الكيان الذي قُدّم لعقود بوصفه قاعدة استقرار في الشرق الأوسط… يتحول تدريجيًا إلى مصدر اختلال دائم: في فلسطين، وفي لبنان، وفي سوريا، وعلى مستوى التوازن الإقليمي كله.
ولهذا تعيد دول كثيرة حساباتها وتحالفاتها،
ليس حبًا بالفلسطينيين دائمًا…
بل لأن المنطقة نفسها تدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها إسرائيل قادرة على تقديم نفسها بوصفها “الحليف المستقر” كما في السابق.
لكن…
التاريخ لا يغيّر نفسه وحده.
والشعوب لا تتحرر فقط لأن العالم بدأ يراها.
فربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل سقط أوسلو؟
بل: هل انتهت المرحلة التاريخية التي جعلت الفلسطيني يعيش داخل إدارة مؤقتة لوطنٍ مؤقت تحت احتلال دائم؟
لأن النكبة، في معناها العميق، لم تكن حدثًا وقع سنة 1948 وانتهى.
النكبة كانت مشروعًا مستمرًا لإعادة تشكيل الجغرافيا والوعي والإنسان الفلسطيني نفسه.
مرة بالطرد المباشر،
ومرة بالحروب،
ومرة بالمخيمات،
ومرة بالمفاوضات الطويلة،
ومرة بتحويل القضية من قضية تحرر إلى قضية “إدارة سكان”.
ولهذا يبدو الفلسطيني اليوم واقفًا أمام لحظة تاريخية ثقيلة: إما أن تتحول الهزيمة الطويلة إلى شكل دائم من التعايش مع الواقع…
وإما أن تنتج التجربة الفلسطينية، بكل آلامها وانكساراتها وتناقضاتها، وعيًا جديدًا يولد من تحت الركام.
فالشعوب لا تبقى معلقة إلى الأبد بين الحياة والموت.
إما أن تتكيف مع القفص…
أو تكتشف، ببطءٍ مؤلم، أن القفص نفسه لم يعد قادرًا على احتوائها.
وربما…
بعد كل هذا الخراب الطويل،
وبعد أن سقطت الأقنعة كلها تقريبًا،
وبعد أن انكشف وجه المشروع الإسرائيلي أمام العالم بهذا الوضوح الدموي…
يكون السؤال الحقيقي الذي يقترب الآن ببطء من أبواب الفلسطينيين والعالم معًا:
ليس كيف نُحيي أوسلو…
بل: ما الذي يمكن أن يولد بعد موته؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/5/2026
من النكبة إلى أوسلو…
كيف تحوّل الوطن المؤقت إلى حياةٍ مؤقتة تحت احتلال دائم
في صباحٍ يشبه كل الصباحات الفلسطينية الثقيلة…
يجلس رجلٌ عجوز قرب نافذةٍ تطلّ على شارعٍ لم يعد يشبه شيئًا من ذاكرته القديمة.
يداه المرتجفتان لا تزالان تمسكان مفتاحًا صدئًا كبيرًا،
كأنهما تخافان أن يضيع البيت للمرة الثانية إذا تركتاه.
المفتاح أقدم من معظم الذين يمشون الآن في الشارع.
أقدم من الحاجز العسكري عند مدخل المدينة.
أقدم من المستوطنة فوق الجبل.
أقدم من السلطة نفسها.
وأقدم حتى من كثير من الأسئلة التي صارت تُطرح على الفلسطيني كل يوم.
الرجل لا يتكلم كثيرًا.
كل ما يفعله أحيانًا…
أنه يدير المفتاح بين أصابعه ببطء،
كأنه يفتح بابًا لا يراه أحد سواه.
في الجهة الأخرى من المشهد…
يقف حفيده بعد سبعة وسبعين عامًا أمام حاجز إسرائيلي،
في مدينة يُفترض ـ نظريًا ـ أنها تحت “السيادة الفلسطينية”.
الجندي لا يسأل الفتى عن اسمه فقط.
يسأله عن: هويته، تصريحه، سبب مروره، إلى أين يذهب، ومتى يعود.
خلف الجندي كاميرا.
وفوق الجبل مستوطنة.
وعلى الجانب الآخر من الشارع مبنى لوزارة فلسطينية،
وعلم فلسطيني،
ودورية شرطة فلسطينية تمرّ بهدوء قرب الحاجز.
بين المفتاح والحاجز…
توجد الحكاية كلها.
هناك… بالضبط…
تعيش فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عامًا داخل مشهدٍ غريب لا يشبه التحرر… ولا يشبه الاحتلال التقليدي الكامل.
شيءٌ بين الاثنين.
في النكبة الأولى،
كان الفلسطيني يُطرَد من بيته بالقوة.
أما اليوم…
فكثير من الفلسطينيين لم يعودوا يعرفون: هل يعيشون داخل وطن مؤقت؟
أم داخل سلطة مؤقتة؟
أم داخل انتظارٍ طويل تحوّل مع الوقت إلى شكل حياة كامل؟
وهنا تبدأ حكاية أوسلو الحقيقية.
ليس بوصفها اتفاقًا سياسيًا فقط…
بل بوصفها اللحظة التي تغيّر فيها شكل القضية الفلسطينية نفسها.
كثيرون يتذكرون صورة المصافحة في البيت الأبيض سنة 1993.
العالم يومها تعامل مع المشهد كأنه نهاية فيلم طويل من الدم والحروب والمنفى.
ياسر عرفات ببدلته العسكرية،
إسحق رابين بوجهه البارد،
وبيل كلينتون يفتح ذراعيه بينهما كمن يبارك ولادة شرق أوسط جديد.
لكن الكاميرات يومها لم تكن ترى كل شيء.
لم تكن ترى المستوطنات التي كانت تكبر بهدوء خلف المشهد.
لم تكن ترى أن الاتفاق نفسه لم ينص أصلًا على دولة فلسطينية واضحة.
ولم تكن ترى أن “المرحلة الانتقالية” التي قيل إنها ستدوم خمس سنوات فقط… قد تتحول إلى عمرٍ كامل لشعب بأكمله.
أوسلو لم يكن اتفاق سلام نهائي.
كان “إعلان مبادئ”.
مجموعة ترتيبات انتقالية يفترض أن تنتهي بمفاوضات حول: القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات، والمياه.
لكن السنوات مرت…
وكأن الفلسطيني دخل ممرًا طويلًا بلا باب خروج.
ثم جاءت الخرائط.
(A) (B) (C)
حروف صغيرة بدت يومها تقنية ومعقدة،
لكنها في الحقيقة كانت تعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية كلها.
المنطقة (A) قيل إنها تحت إدارة فلسطينية.
لكن الجيش الإسرائيلي كان يدخلها متى شاء.
المنطقة (B) إدارة مدنية فلسطينية… وأمن إسرائيلي.
أما المنطقة (C)…
فقد بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة: الأرض، المياه، المعابر، الجبال، والمستقبل نفسه.
وهكذا…
بينما كان الفلسطيني يظن أنه يقترب من الدولة،
كانت إسرائيل تعيد هندسة الاحتلال بطريقة أكثر ذكاءً وأقل كلفة.
الاحتلال القديم كان يحتاج جنديًا في كل شارع.
أما الاحتلال الجديد…
فصار يحتاج: حاجزًا، وكاميرا، وتنسيقًا أمنيًا، وسلطة تدير السكان بدلًا عنه.
وهنا تغيّر كل شيء.
ظهرت الوزارات،
والبطاقات الرسمية،
والرتب،
والسيارات الحكومية،
والبنوك،
والقروض،
وآلاف الموظفين الذين أصبح راتب آخر الشهر بالنسبة لهم مسألة حياة كاملة.
بدا المشهد كأن الدولة تقترب.
لكن الدولة لم تأتِ.
الذي جاء فعلًا…
كان “بروتوكول باريس الاقتصادي”.
الاسم يبدو بعيدًا وباردًا،
لكن أثره دخل كل بيت فلسطيني تقريبًا.
هذا الاتفاق ربط الاقتصاد الفلسطيني كله بإسرائيل: الاستيراد، التصدير، الضرائب، الجمارك، العملة، وحتى حركة الغذاء والدواء.
الفلسطيني صار يعمل…
لكن السوق ليس سوقه.
يدفع الضرائب…
لكن إسرائيل هي التي تجمعها.
ينتظر راتبه…
لكن الاحتلال يستطيع إيقاف المال متى شاء.
وهكذا تحولت “المقاصة” إلى شريان حياة يمكن خنقه سياسيًا في أي لحظة.
ومع الوقت…
لم يعد الاحتلال يحتل الأرض فقط.
بل بدأ يحتل الزمن اليومي للفلسطيني: راتبه، قرضه البنكي، تصريحه، وحركته بين مدينة وأخرى.
ثم بقي شيء واحد يعمل بدقة وسط كل هذا الخراب: التنسيق الأمني.
كل شيء تقريبًا تعطل: المفاوضات، الحل النهائي، الدولة، والثقة نفسها.
لكن التنسيق الأمني بقي حيًا.
كأنه آخر جندي واقف فوق أنقاض أوسلو.
الفلسطيني يسمع المصطلح يوميًا،
لكن قليلين يرون معناه الحقيقي.
هو ببساطة النظام الذي يجعل الاحتلال أقل احتكاكًا وأقل كلفة.
النظام الذي يسمح لإسرائيل بأن تحصل على الأمن…
دون أن تتحمل كامل عبء الاحتلال المباشر.
أما السلطة…
فكانت ترى فيه وسيلة لمنع الانهيار والفوضى والحرب الداخلية.
وهكذا عاش الفلسطيني واحدة من أكثر لحظاته النفسية تعقيدًا:
هو يعرف أن الاتفاق مات.
لكنه يعيش كل يوم داخل مؤسساته،
ورواتبه،
وبنوكه،
وحواجزه،
وأزماته.
حتى المجلس المركزي الفلسطيني نفسه أعلن أكثر من مرة وقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل.
لكن شيئًا لم يتغير فعليًا.
لأن الذي مات سياسيًا…
ظل حيًا اقتصاديًا وأمنيًا وإداريًا.
إسرائيل كانت تعرف ذلك جيدًا.
ولهذا لم تستعجل دفن أوسلو.
فأوسلو منحها ما لم تحلم به: أرضًا أكثر، واحتلالًا أقل كلفة، وسلطة تدير السكان، ومجتمعًا مشغولًا بالبقاء اليومي أكثر من انشغاله بالتحرر.
لكن شيئًا تغيّر الآن داخل إسرائيل نفسها.
اليمين الإسرائيلي الجديد لم يعد يريد حتى القناع.
في التسعينيات،
كانت إسرائيل تحتاج أن تبدو أمام العالم كأنها “تبحث عن السلام”.
أما اليوم…
فهي تتحدث بصراحة أكبر: لا دولة فلسطينية، لا شريك، لا حتى وهم التسوية.
ولهذا يريد اليمين الإسرائيلي إلغاء أوسلو رسميًا الآن.
ليس لأنه فشل.
بل لأنه نجح أكثر مما ينبغي.
نجح في شراء الوقت،
وتوسيع الاستيطان،
وتفتيت الضفة،
وإضعاف الفكرة الوطنية،
وتحويل السلطة إلى بنية تخاف الانهيار أكثر مما تخاف الاحتلال.
وفي غزة…
ظهرت الصورة الأكثر وحشية للمشروع كله.
هناك لم تعد إسرائيل تخفي شيئًا: لا اللغة، ولا النوايا، ولا طبيعة القوة التي تحكم بها الفلسطينيين.
الإبادة لم تعد مجرد توصيف سياسي يتجادل حوله المحللون.
لقد أصبحت مشهدًا يوميًا: مدن تُمحى، عائلات تُباد، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام كما لو أن العالم كله فقد قدرته على الشعور.
وفي الضفة…
كان الاستيطان يلتهم ما تبقى من الجغرافيا،
بينما الحواجز تكبر،
والمدن تضيق،
وفكرة الدولة نفسها تتحول إلى ظل بعيد فوق خرائط قديمة.
لكن المفارقة الكبرى…
أن هذا العنف الهائل بدأ يكشف إسرائيل نفسها أمام العالم بطريقة لم تحدث من قبل.
في الجامعات الأميركية،
وفي شوارع أوروبا،
وفي النقابات،
والصحافة،
والفضاء الثقافي والفني…
بدأت صورة “الديمقراطية المحاصرة” تتصدع.
وبات كثيرون يرون إسرائيل كما هي: مشروعًا استعماريًا توسعيًا مفتوحًا،
يرى في القوة قانونًا،
وفي الإبادة أداة سياسية،
وفي التهجير حلًا ديمغرافيًا.
حتى قطاعات واسعة من اليهود في العالم بدأت تجد نفسها أمام سؤال أخلاقي لم يعد من السهل تجاهله: هل يمكن الدفاع عن ذاكرة الضحايا… عبر صناعة ضحايا جدد؟
وحتى الدول الكبرى التي منحت إسرائيل غطاءً طويلًا بدأت تدرك أن الكيان الذي قُدّم لعقود بوصفه قاعدة استقرار في الشرق الأوسط… يتحول تدريجيًا إلى مصدر اختلال دائم: في فلسطين، وفي لبنان، وفي سوريا، وعلى مستوى التوازن الإقليمي كله.
ولهذا تعيد دول كثيرة حساباتها وتحالفاتها،
ليس حبًا بالفلسطينيين دائمًا…
بل لأن المنطقة نفسها تدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها إسرائيل قادرة على تقديم نفسها بوصفها “الحليف المستقر” كما في السابق.
لكن…
التاريخ لا يغيّر نفسه وحده.
والشعوب لا تتحرر فقط لأن العالم بدأ يراها.
فربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل سقط أوسلو؟
بل: هل انتهت المرحلة التاريخية التي جعلت الفلسطيني يعيش داخل إدارة مؤقتة لوطنٍ مؤقت تحت احتلال دائم؟
لأن النكبة، في معناها العميق، لم تكن حدثًا وقع سنة 1948 وانتهى.
النكبة كانت مشروعًا مستمرًا لإعادة تشكيل الجغرافيا والوعي والإنسان الفلسطيني نفسه.
مرة بالطرد المباشر،
ومرة بالحروب،
ومرة بالمخيمات،
ومرة بالمفاوضات الطويلة،
ومرة بتحويل القضية من قضية تحرر إلى قضية “إدارة سكان”.
ولهذا يبدو الفلسطيني اليوم واقفًا أمام لحظة تاريخية ثقيلة: إما أن تتحول الهزيمة الطويلة إلى شكل دائم من التعايش مع الواقع…
وإما أن تنتج التجربة الفلسطينية، بكل آلامها وانكساراتها وتناقضاتها، وعيًا جديدًا يولد من تحت الركام.
فالشعوب لا تبقى معلقة إلى الأبد بين الحياة والموت.
إما أن تتكيف مع القفص…
أو تكتشف، ببطءٍ مؤلم، أن القفص نفسه لم يعد قادرًا على احتوائها.
وربما…
بعد كل هذا الخراب الطويل،
وبعد أن سقطت الأقنعة كلها تقريبًا،
وبعد أن انكشف وجه المشروع الإسرائيلي أمام العالم بهذا الوضوح الدموي…
يكون السؤال الحقيقي الذي يقترب الآن ببطء من أبواب الفلسطينيين والعالم معًا:
ليس كيف نُحيي أوسلو…
بل: ما الذي يمكن أن يولد بعد موته؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
12/5/2026