علي سيف الرعيني _|العربية :وعاءالدين واللسان الذي نزل به القرأن!!

اسمع وتأمل كلماتهم خليط مرتبك بين ألفاظ مستعارة وروحٍ ضائعة
نحن لانخاف على الكلمات بقدرما نخاف على الذين تضيع منهم الكلمات فالذي يفقد لغته يفقد الطريق إلى نفسه
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة حديث، ولا مجرد حروفٍ تُكتب في دفاتر المدرسة ثم تُنسى على عتبات الامتحان. إنها بيتٌ كامل، إذا تصدعت جدرانه، بردت الروح في داخله. هي الوعاء الذي حمل تاريخنا، وحفظ قرآننا، وصان أسماءنا من الذوبان في زحام الأمم
ليست العربية لغةً فقط، بل ذاكرة تمشي على قدمين
حين نقرأ بها، لا نقرأ كلمات، بل نسمع أصوات الأجداد وهم يروون الحكاية الأولى؛ نسمع خطب الفاتحين، ورسائل العشاق، ودموع الأمهات، وصلوات المنكسرين. كل حرف فيها يشبه مفتاحًا صغيرًا لبابٍ كبير اسمه الانتماء
لكن المأساة لا تبدأ حين تُهاجم اللغة من الخارج، بل حين تُهمَل من الداخل
حين يصبح التحدث بالفصحى مدعاة للسخرية، وحين يُنظر إلى الاعتزاز بالعربية وكأنه دلع ثقافي لا ضرورة له، يبدأ التآكل الصامت. كأننا نهدم البيت بأيدينا ثم نستغرب من دخول الريح
لقد صار بعض الناس يفاخرون بإتقان لغاتٍ أخرى، وهذا جميل، فالعلم لا وطن له، لكن الكارثة أن يحدث ذلك على حساب اللغة الأم، لا إلى جانبها. أن يصبح الابن قادرًا على التعبير بلغة الغريب، عاجزًا عن كتابة رسالة سليمة لأمه، هنا لا يكون التطور انتصارًا، بل خسارة مؤجلة.
اللغة ليست زينة بل موقف ووعي وهوية
ومن يستهين بلغته، يشبه شجرةً تقطع جذورها ثم تسأل لماذا لا تثمر
العربية أيضا وعاء الدين، فهي اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، والنافذة التي نطل منها على فهم النص، لا مجرد تلاوته. وكلما ضعفت الصلة باللغة، ضعفت القدرة على التذوق الحقيقي للمعنى، وصار الدين محفوظًا في الصوت أكثر منه حاضرًا في الفهم
كم من كلمة قرآنية عظيمة تمر على الألسنة دون أن تهز القلب، فقط لأن الجسر اللغوي مكسور
وحين يضعف اللسان، يضعف الوعي
فاللغة لا تنقل الفكر فقط، بل تصنعه أيضًا. الإنسان يفكر بالكلمات، وإذا ضاقت مفرداته، ضاق إدراكه للعالم. ولهذا فإن إضعاف الفصحى ليس مسألة نحوية، بل قضية وعيٍ كامل. أمةٌ لا تُحسن التعبير عن نفسها، يسهل أن يُكتب تاريخها بأقلام الآخرين
الهوية لا تُسرق دائمًا بالسلاح أحيانًا تُسرق بالمحو البطيء بحذف كلمة، وتشويه معنى واستبدال لسانٍ بآخر حتى يستيقظ الإنسان ذات يوم، فلا يعرف من يكون
فاليوم لا نبكي على قواعد النحو، بل نبكي على وطنٍ يتسرب من أفواه أبنائه دون أن يشعروا
فاللغة آخر الحراس
إذا نام الحارس، دخل النسيان
وإذا مات اللسان، لا تموت الكلمات فقط، بل تموت معها ملامحنا، وتبهت صورتنا في المرآة، ونصبح غرباء حتى ونحن في بيوتنا
لذلك، فإن حماية العربية ليست مهمة معلم اللغة وحده، بل مسؤولية أمة كاملة؛ تبدأ من الأم التي تغرس الكلمة الجميلة في طفلها، ومن الأب الذي لا يسخر من الفصحى، ومن المدرسة التي تجعل اللغة حياة لا عقوبة، ومن الإعلام الذي يحترم عقل الناس قبل آذانهم.
أن نحفظ العربية، ليس دفاعًا عن الماضي فقط، بل حماية للمستقبل
فالذين يملكون لغتهم… يملكون أنفسهم.
أما الذين يفرطون بها، فغالبًا ما يستيقظون متأخرين، ليكتشفوا أن الخراب لم يبدأ من سقوط الجدران، بل من أول كلمة ضاعت دون أن يهتم أحد!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...