في صباحٍ آخر من أيار…
يمرُّ الفلسطيني بجانب صورةٍ عملاقة لمرشحٍ يبتسم بثقةٍ زائدة عن حاجة الوطن.
تحت الصورة كلماتٌ كبيرة: “قائد بحجم الوطن”.
يتوقف رجلٌ عجوز قليلًا أمام العبارة.
ينظر حوله بصمت.
ثم يسأل في داخله: أيُّ وطن؟
هل هو وطنُ البحر إلى النهر؟
وطنُ القرى التي مُحيت؟
وطنُ اللاجئين الذين ما زالوا يحملون مفاتيح بيوتٍ لم يعودوا إليها منذ سبعة وسبعين عامًا؟
أم وطنُ الحاجز العسكري؟
والبطاقة الممغنطة؟
والتصريح؟
ومكتب الـVIP؟
والمدينة التي يدخلها الاحتلال متى شاء ويغادرها متى شاء؟
أيُّ وطنٍ هذا الذي صار بعضهم “بحجمه”… بينما جنود الاحتلال يقتحمون مدنه ليلًا ونهارًا، ويقررون من يتحرك ومن يُعتقل ومن يعيش ومن يموت؟
في مكانٍ آخر…
خلف صورةٍ ضخمة لمرشحٍ يبتسم بثقةٍ تكاد تُخفي خلفها وطناً كاملاً يتآكل، تتحرك سيارة فارهة ببطء بين الأزقة التي خرج منها ذات يوم فدائيون حفاة، كانوا ينامون على الإسفلت ويحلمون بفلسطين كاملة، لا بعضوية مجلسٍ ثوري، ولا بمكتبٍ يطل على شارعٍ مزدحم بالحراس والمرافقين.
وفي مكانٍ أبعد…
رجلٌ عجوز يفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا.
يُخرج صورة باهتة لرفاقه في الأغوار ولبنان.
لا أحد في الصورة يحمل لقب: “سيادة القائد”،
ولا “المفكر الاستراتيجي”،
ولا “الإعلامي الكبير”،
ولا “القائد بحجم الوطن”.
مجرد أسماء حركية: أبو فلان…
الرفيق فلان…
والبقية تعرفهم المخيمات من وجوههم المتعبة لا من بطاقاتهم.
كانوا يريدون وطنًا فقط.
في ذكرى النكبة…
لا يعود السؤال فقط: ماذا فعل الاحتلال بفلسطين؟
بل: ماذا فعل الزمن الفلسطيني الطويل بنا نحن أيضًا؟
كيف انتقلنا من شعبٍ كان يرى في كلمة “فدائي” أعلى مراتب الشرف…
إلى زمنٍ تتضخم فيه الألقاب حتى يكاد الوطن نفسه يختفي خلفها؟
كيف تحولت حركة تحرر وطني، وُلدت من الخيمة والبندقية والمنفى والحلم الكبير، إلى ساحة يتزاحم فيها الجميع على صورة، أو لقب، أو مقعد، أو وهم نفوذ قد يختفي بقرار ضابط احتلال على حاجز؟
كيف وصلنا إلى لحظةٍ يرى فيها كثيرون أنفسهم: أكبر من التنظيم،
وأكبر من القيادة،
وأحيانًا… أكبر من فلسطين نفسها؟
في زمن الثورة…
لم يكن المناضل يبحث عن “صفة”.
بل كان أحيانًا يُخفي اسمه الحقيقي كي لا يُعتقل أهله.
لم يكن أحد يسأل: كم مرافقة لديك؟
كم موظفًا تحت يدك؟
كم مرة ظهرت على الشاشة؟
السؤال الوحيد تقريبًا كان: ماذا قدّمت؟
وكانت الكلمة الأجمل: “فدائي”.
يكفي أن يُقال عن شابٍ من المخيم إنه التحق بالثورة…
فتكبر قامته في عيون الناس أكثر من أي وزير أو مسؤول.
حتى التعليم لم يكن سلّمًا اجتماعيًا بقدر ما كان فعل مقاومة.
ابن المخيم الذي يدرس الطب أو الهندسة أو السينما أو الصحافة…
لم يكن يحلم بصورة على بوستر انتخابي.
كان يشعر أنه يهزم اللجوء بالمعرفة.
وكان الفلسطيني، رغم فقره وقهره، يشعر أن قيمته تأتي من قربه من الفكرة، لا من قربه من المسؤول.
حتى مخاطبة القادة كانت مختلفة.
الأخ ياسر عرفات…
الرفيق جورج حبش…
الأخ خليل الوزير…
لم تكن الألقاب تصنع الهيبة.
الهيبة كانت تأتي من:
التجربة،
والتضحية،
والقدرة على جعل شعبٍ مهزوم يؤمن أن فلسطين ما زالت ممكنة.
ثم تغيّر شيءٌ ما.
ببطءٍ شديد…
لكن بعمقٍ مدمر.
دخل الفلسطيني زمن السلطة.
ولأن الاحتلال بقي جاثمًا فوق الأرض والمعابر والاقتصاد والسماء والماء،
تحولت السلطة تدريجيًا من حلم عبور نحو الدولة… إلى مساحة نجاة فردية داخل واقع مغلق.
وهنا بدأت التحولات الأخطر.
صار الموقع: راتبًا،
وصفة،
وحماية،
ووجاهة اجتماعية،
وقدرة على التوظيف،
والتدخل،
والواسطة،
والإعفاء،
والمرور،
والصعود.
وصار كثيرون يريدون “المكان”، لا “الدور”.
حتى عامل الخدمات الذي يملك خمسين دونم زيتون…
يفضل أن يقول: “أنا موظف سلطة.”
لأن الوظيفة هنا لم تعد مجرد عمل…
بل اعترافًا اجتماعيًا.
شيئًا فشيئًا…
انتقل المجتمع من سؤال: “كيف نحرر الوطن؟”
إلى سؤال: “كيف أنجو أنا؟”
ومن هنا بدأت الألقاب تتكاثر كالفطر بعد المطر.
“الإعلامي الكبير”…
وهو لم يكتب خبرًا متماسكًا في حياته.
“المخرج الكبير”…
وهو لم يقف يومًا خلف كاميرا.
“الدكتور”…
وهو بالكاد عبر المدرسة.
“القائد”…
وهو لم يقُد سوى صورته على فيسبوك.
وفي بلدٍ تحت الاحتلال،
حيث يشعر الإنسان طويلًا بالعجز وانسداد الأفق وفقدان العدالة،
تصبح “الصفة” تعويضًا نفسيًا عن شيء أعمق: الإحساس المكسور بالقيمة.
فالاحتلال لا يسرق الأرض فقط…
بل يربك معنى النجاح نفسه.
لكن المأساة الأكبر لم تكن هنا فقط.
بل حين انتقلت العدوى إلى السياسة.
حين صار بعض الناس يعتقد أن الطريق إلى القيادة يمر عبر: الصوت الأعلى،
والشتيمة الأكثر قسوة،
والولاء الأكثر ضجيجًا،
والقرب من مركز القوة.
حتى أصبح بعض “المناضلين الجدد” يقيسون حجمهم بعدد المرات التي يثني فيها مسؤول عليهم، لا بقدرتهم على قول الحقيقة.
وصار التخوين عند البعض أقصر الطرق إلى الصعود.
في زمنٍ سابق،
كانت فتح تكبر لأنها تتسع.
أما اليوم،
فيشعر كثيرون أن بعض من يتحدثون باسمها يريدون تصغيرها إلى: جماعة تصفيق،
أو جهاز علاقات عامة،
أو مزرعة ولاءات.
ولهذا لم يعد السؤال: من ينجح في المركزية أو الثوري؟
بل: أي روح ستبقى داخل الحركة؟
المؤلم أن هذا كله يحدث بينما العالم يتغير بعنف.
إسرائيل لم تعد تفكر فقط باحتلال الأرض.
هي تفكر: كيف ترث الدور الأميركي في المنطقة،
كيف تتحول إلى مركز أمني وتكنولوجي واقتصادي،
كيف تعيد تشكيل الشرق الأوسط كله،
وكيف تجعل الفلسطيني مجرد حالة سكانية تُدار أمنيًا واقتصاديًا.
بينما بعضنا ما زال يتصارع على كرسي قد يسحبه الاحتلال نفسه في أي لحظة.
كأن المشكلة لم تعد: كيف نحمي المشروع الوطني؟
بل: من يجلس أولًا في غرفةٍ تتآكل جدرانها أصلًا.
في ذكرى النكبة…
يجب أن يتذكر الجميع شيئًا بسيطًا وقاسيًا:
هذا الوطن ما زال محتلًا.
رام الله نفسها التي تُرفع فيها صور “القادة بحجم الوطن”…
تدخلها دوريات الاحتلال متى شاءت.
جنودٌ صغار في العمر…
يقررون مصير مدنٍ كاملة.
مستوطنٌ مسلح…
قد يغلق طريق قرية كاملة.
ضابط احتلال…
قد يسحب تصريح مسؤولٍ “كبير” فيتحول كل البروتوكول إلى ورقة بلا معنى.
فأيُّ وهمٍ هذا الذي يجعل بعضنا يظن أن الكرسي دائم؟
الأخطر من كل ذلك…
أن القيادة نفسها بدأت تصغر.
ليس لأن التاريخ صغير.
بل لأن الذين أحاطوا بها أحيانًا جعلوا الجميع يشعر أن الوصول إليها لا يحتاج مشروعًا أو تجربة أو تضحية… بل يحتاج براعة في التموضع والتسويق والولاء.
وحين يشعر كل واحد أنه “بحجم الوطن”…
يصغر الوطن فعلًا.
لأن الوطن الحقيقي لا يسكن داخل صورة شخص،
ولا داخل لقب،
ولا داخل عائلة،
ولا داخل مؤتمر.
الوطن أكبر من الجميع.
وأقسى ما يمكن أن يحدث لحركات التحرر…
أن تتحول من: “وطن ينتج قادة”
إلى: “قادة يستهلكون الوطن لتكبير صورهم”.
ليس صحيحًا أن الشعب الفلسطيني انتهى.
ولا أن الرجال الأحرار اختفوا.
الشعوب لا تموت…
لكنها قد تتعب.
قد تُرهقها الحروب الطويلة،
والحصار،
والانقسام،
والسلطة،
والخذلان،
والبطالة،
وتآكل الحلم الجماعي.
ولهذا فإن المشكلة ليست أن الفلسطيني فقد كرامته.
بل أن المشروع الوطني نفسه دخل سنوات طويلة من التيه، حتى صار كثيرون يشعرون بالغربة داخل قضيتهم نفسها.
لكن فلسطين لم تكن يومًا مكتبًا.
ولا لجنة مركزية.
ولا مجلسًا ثوريًا.
ولا بطاقة VIP.
فلسطين كانت دائمًا: فكرة حرية.
ولهذا كان أبو علي إياد، وياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وأوائل الفدائيين… أكبر من مواقعهم.
لأنهم لم يحاولوا يومًا أن يكونوا “بحجم الوطن”.
بل حاولوا أن يكونوا أبناءه.
وهذا هو الفرق كله.
القائد الحقيقي لا يكبر فوق وطنه…
بل يصغر تواضعًا أمامه.
في ذكرى النكبة…
ربما آن الأوان أن يتذكر الفلسطيني — قائدًا كان أو مواطنًا بسيطًا — حقيقةً واحدة:
الوطن الذي ما زال تحت نعال الجنود والمستوطنين…
أكبر من الجميع.
وأكبر من كل الصور.
وأكبر من كل المؤتمرات.
وأكبر من كل الألقاب.
ومن يظن نفسه “بحجم الوطن”…
فليخرج قليلًا من صورته،
ولينظر إلى فلسطين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
منصة سينمابريدج
15/5/2026
يمرُّ الفلسطيني بجانب صورةٍ عملاقة لمرشحٍ يبتسم بثقةٍ زائدة عن حاجة الوطن.
تحت الصورة كلماتٌ كبيرة: “قائد بحجم الوطن”.
يتوقف رجلٌ عجوز قليلًا أمام العبارة.
ينظر حوله بصمت.
ثم يسأل في داخله: أيُّ وطن؟
هل هو وطنُ البحر إلى النهر؟
وطنُ القرى التي مُحيت؟
وطنُ اللاجئين الذين ما زالوا يحملون مفاتيح بيوتٍ لم يعودوا إليها منذ سبعة وسبعين عامًا؟
أم وطنُ الحاجز العسكري؟
والبطاقة الممغنطة؟
والتصريح؟
ومكتب الـVIP؟
والمدينة التي يدخلها الاحتلال متى شاء ويغادرها متى شاء؟
أيُّ وطنٍ هذا الذي صار بعضهم “بحجمه”… بينما جنود الاحتلال يقتحمون مدنه ليلًا ونهارًا، ويقررون من يتحرك ومن يُعتقل ومن يعيش ومن يموت؟
في مكانٍ آخر…
خلف صورةٍ ضخمة لمرشحٍ يبتسم بثقةٍ تكاد تُخفي خلفها وطناً كاملاً يتآكل، تتحرك سيارة فارهة ببطء بين الأزقة التي خرج منها ذات يوم فدائيون حفاة، كانوا ينامون على الإسفلت ويحلمون بفلسطين كاملة، لا بعضوية مجلسٍ ثوري، ولا بمكتبٍ يطل على شارعٍ مزدحم بالحراس والمرافقين.
وفي مكانٍ أبعد…
رجلٌ عجوز يفتح صندوقًا خشبيًا قديمًا.
يُخرج صورة باهتة لرفاقه في الأغوار ولبنان.
لا أحد في الصورة يحمل لقب: “سيادة القائد”،
ولا “المفكر الاستراتيجي”،
ولا “الإعلامي الكبير”،
ولا “القائد بحجم الوطن”.
مجرد أسماء حركية: أبو فلان…
الرفيق فلان…
والبقية تعرفهم المخيمات من وجوههم المتعبة لا من بطاقاتهم.
كانوا يريدون وطنًا فقط.
في ذكرى النكبة…
لا يعود السؤال فقط: ماذا فعل الاحتلال بفلسطين؟
بل: ماذا فعل الزمن الفلسطيني الطويل بنا نحن أيضًا؟
كيف انتقلنا من شعبٍ كان يرى في كلمة “فدائي” أعلى مراتب الشرف…
إلى زمنٍ تتضخم فيه الألقاب حتى يكاد الوطن نفسه يختفي خلفها؟
كيف تحولت حركة تحرر وطني، وُلدت من الخيمة والبندقية والمنفى والحلم الكبير، إلى ساحة يتزاحم فيها الجميع على صورة، أو لقب، أو مقعد، أو وهم نفوذ قد يختفي بقرار ضابط احتلال على حاجز؟
كيف وصلنا إلى لحظةٍ يرى فيها كثيرون أنفسهم: أكبر من التنظيم،
وأكبر من القيادة،
وأحيانًا… أكبر من فلسطين نفسها؟
في زمن الثورة…
لم يكن المناضل يبحث عن “صفة”.
بل كان أحيانًا يُخفي اسمه الحقيقي كي لا يُعتقل أهله.
لم يكن أحد يسأل: كم مرافقة لديك؟
كم موظفًا تحت يدك؟
كم مرة ظهرت على الشاشة؟
السؤال الوحيد تقريبًا كان: ماذا قدّمت؟
وكانت الكلمة الأجمل: “فدائي”.
يكفي أن يُقال عن شابٍ من المخيم إنه التحق بالثورة…
فتكبر قامته في عيون الناس أكثر من أي وزير أو مسؤول.
حتى التعليم لم يكن سلّمًا اجتماعيًا بقدر ما كان فعل مقاومة.
ابن المخيم الذي يدرس الطب أو الهندسة أو السينما أو الصحافة…
لم يكن يحلم بصورة على بوستر انتخابي.
كان يشعر أنه يهزم اللجوء بالمعرفة.
وكان الفلسطيني، رغم فقره وقهره، يشعر أن قيمته تأتي من قربه من الفكرة، لا من قربه من المسؤول.
حتى مخاطبة القادة كانت مختلفة.
الأخ ياسر عرفات…
الرفيق جورج حبش…
الأخ خليل الوزير…
لم تكن الألقاب تصنع الهيبة.
الهيبة كانت تأتي من:
التجربة،
والتضحية،
والقدرة على جعل شعبٍ مهزوم يؤمن أن فلسطين ما زالت ممكنة.
ثم تغيّر شيءٌ ما.
ببطءٍ شديد…
لكن بعمقٍ مدمر.
دخل الفلسطيني زمن السلطة.
ولأن الاحتلال بقي جاثمًا فوق الأرض والمعابر والاقتصاد والسماء والماء،
تحولت السلطة تدريجيًا من حلم عبور نحو الدولة… إلى مساحة نجاة فردية داخل واقع مغلق.
وهنا بدأت التحولات الأخطر.
صار الموقع: راتبًا،
وصفة،
وحماية،
ووجاهة اجتماعية،
وقدرة على التوظيف،
والتدخل،
والواسطة،
والإعفاء،
والمرور،
والصعود.
وصار كثيرون يريدون “المكان”، لا “الدور”.
حتى عامل الخدمات الذي يملك خمسين دونم زيتون…
يفضل أن يقول: “أنا موظف سلطة.”
لأن الوظيفة هنا لم تعد مجرد عمل…
بل اعترافًا اجتماعيًا.
شيئًا فشيئًا…
انتقل المجتمع من سؤال: “كيف نحرر الوطن؟”
إلى سؤال: “كيف أنجو أنا؟”
ومن هنا بدأت الألقاب تتكاثر كالفطر بعد المطر.
“الإعلامي الكبير”…
وهو لم يكتب خبرًا متماسكًا في حياته.
“المخرج الكبير”…
وهو لم يقف يومًا خلف كاميرا.
“الدكتور”…
وهو بالكاد عبر المدرسة.
“القائد”…
وهو لم يقُد سوى صورته على فيسبوك.
وفي بلدٍ تحت الاحتلال،
حيث يشعر الإنسان طويلًا بالعجز وانسداد الأفق وفقدان العدالة،
تصبح “الصفة” تعويضًا نفسيًا عن شيء أعمق: الإحساس المكسور بالقيمة.
فالاحتلال لا يسرق الأرض فقط…
بل يربك معنى النجاح نفسه.
لكن المأساة الأكبر لم تكن هنا فقط.
بل حين انتقلت العدوى إلى السياسة.
حين صار بعض الناس يعتقد أن الطريق إلى القيادة يمر عبر: الصوت الأعلى،
والشتيمة الأكثر قسوة،
والولاء الأكثر ضجيجًا،
والقرب من مركز القوة.
حتى أصبح بعض “المناضلين الجدد” يقيسون حجمهم بعدد المرات التي يثني فيها مسؤول عليهم، لا بقدرتهم على قول الحقيقة.
وصار التخوين عند البعض أقصر الطرق إلى الصعود.
في زمنٍ سابق،
كانت فتح تكبر لأنها تتسع.
أما اليوم،
فيشعر كثيرون أن بعض من يتحدثون باسمها يريدون تصغيرها إلى: جماعة تصفيق،
أو جهاز علاقات عامة،
أو مزرعة ولاءات.
ولهذا لم يعد السؤال: من ينجح في المركزية أو الثوري؟
بل: أي روح ستبقى داخل الحركة؟
المؤلم أن هذا كله يحدث بينما العالم يتغير بعنف.
إسرائيل لم تعد تفكر فقط باحتلال الأرض.
هي تفكر: كيف ترث الدور الأميركي في المنطقة،
كيف تتحول إلى مركز أمني وتكنولوجي واقتصادي،
كيف تعيد تشكيل الشرق الأوسط كله،
وكيف تجعل الفلسطيني مجرد حالة سكانية تُدار أمنيًا واقتصاديًا.
بينما بعضنا ما زال يتصارع على كرسي قد يسحبه الاحتلال نفسه في أي لحظة.
كأن المشكلة لم تعد: كيف نحمي المشروع الوطني؟
بل: من يجلس أولًا في غرفةٍ تتآكل جدرانها أصلًا.
في ذكرى النكبة…
يجب أن يتذكر الجميع شيئًا بسيطًا وقاسيًا:
هذا الوطن ما زال محتلًا.
رام الله نفسها التي تُرفع فيها صور “القادة بحجم الوطن”…
تدخلها دوريات الاحتلال متى شاءت.
جنودٌ صغار في العمر…
يقررون مصير مدنٍ كاملة.
مستوطنٌ مسلح…
قد يغلق طريق قرية كاملة.
ضابط احتلال…
قد يسحب تصريح مسؤولٍ “كبير” فيتحول كل البروتوكول إلى ورقة بلا معنى.
فأيُّ وهمٍ هذا الذي يجعل بعضنا يظن أن الكرسي دائم؟
الأخطر من كل ذلك…
أن القيادة نفسها بدأت تصغر.
ليس لأن التاريخ صغير.
بل لأن الذين أحاطوا بها أحيانًا جعلوا الجميع يشعر أن الوصول إليها لا يحتاج مشروعًا أو تجربة أو تضحية… بل يحتاج براعة في التموضع والتسويق والولاء.
وحين يشعر كل واحد أنه “بحجم الوطن”…
يصغر الوطن فعلًا.
لأن الوطن الحقيقي لا يسكن داخل صورة شخص،
ولا داخل لقب،
ولا داخل عائلة،
ولا داخل مؤتمر.
الوطن أكبر من الجميع.
وأقسى ما يمكن أن يحدث لحركات التحرر…
أن تتحول من: “وطن ينتج قادة”
إلى: “قادة يستهلكون الوطن لتكبير صورهم”.
ليس صحيحًا أن الشعب الفلسطيني انتهى.
ولا أن الرجال الأحرار اختفوا.
الشعوب لا تموت…
لكنها قد تتعب.
قد تُرهقها الحروب الطويلة،
والحصار،
والانقسام،
والسلطة،
والخذلان،
والبطالة،
وتآكل الحلم الجماعي.
ولهذا فإن المشكلة ليست أن الفلسطيني فقد كرامته.
بل أن المشروع الوطني نفسه دخل سنوات طويلة من التيه، حتى صار كثيرون يشعرون بالغربة داخل قضيتهم نفسها.
لكن فلسطين لم تكن يومًا مكتبًا.
ولا لجنة مركزية.
ولا مجلسًا ثوريًا.
ولا بطاقة VIP.
فلسطين كانت دائمًا: فكرة حرية.
ولهذا كان أبو علي إياد، وياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وأوائل الفدائيين… أكبر من مواقعهم.
لأنهم لم يحاولوا يومًا أن يكونوا “بحجم الوطن”.
بل حاولوا أن يكونوا أبناءه.
وهذا هو الفرق كله.
القائد الحقيقي لا يكبر فوق وطنه…
بل يصغر تواضعًا أمامه.
في ذكرى النكبة…
ربما آن الأوان أن يتذكر الفلسطيني — قائدًا كان أو مواطنًا بسيطًا — حقيقةً واحدة:
الوطن الذي ما زال تحت نعال الجنود والمستوطنين…
أكبر من الجميع.
وأكبر من كل الصور.
وأكبر من كل المؤتمرات.
وأكبر من كل الألقاب.
ومن يظن نفسه “بحجم الوطن”…
فليخرج قليلًا من صورته،
ولينظر إلى فلسطين.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
منصة سينمابريدج
15/5/2026