تفكيك البنية الشخصية في سرد الأديب شريف محيي الدين إبراهيم دراسة نقدية: جابر بسيوني

تمهيد

لا تقوم عوالم شريف محيي الدين السردية على مفهوم «الشخصية» بوصفها فردًا مكتمل الملامح فحسب، بل على الشخصية بوصفها قوة فاعلة داخل بنية النص، تقدّم وعيًا، ذاكرة، خوفًا، سلطة، أو غيابًا،ومن ثم، فإن تفكيك شخصياته يستلزم النظر إليها كأنساق متداخلة تتكرر بأقنعة مختلفة، لا أسماء تؤدي أدوارًا محدودة. ومع ذلك، لا يكتمل هذا التفكيك إلا بالوقوف عند الشخصيات الاستثنائية التي تخرق النسق، فتتحول من نموذج إلى موقف أخلاقي أو جمالي ، وتشكل لحظات مركزة في البناء السردي.

أولًا: الأب – المركز الرمزي

يمثل الأب حجر الزاوية في معظم نصوص شريف محيي الدين إبراهيم، ويتجلى في صور متعددة: الأب الحكيم العارف (يوسف) في قصة( حانوت يوسف) ، الأب بوصفه سلطة صامتة في قصة( القلم) (من مجموعة أحذية وكلمات) ، والأب الغائب الذي يصنع حضوره عبر الفراغ في قصتي( عدو أبي) و(ظل الجبل لا يموت.)
الأب ليس شخصية درامية تقليدية، بل مبدأ بنائي يولّد الصراع ويمنح النص كثافته الوجودية، وموته ليس نهاية سردية، بل انتقالًا من الجسد إلى الرمز.

ثانيًا: الابن / الراوي – الوعي المأزوم

يتكرر نموذج الابن بوصفه شاهدًا أكثر منه فاعلًا، حاملًا لإرث لم يختره، وراويًا غير موثوق أحيانًا.
الابن هنا بؤرة الإدراك، ومن خلال وعيه تتكشف هشاشة العالم، فهو لا يبحث عن خلاص مباشر، بل عن فهم، مما يمنح السرد طابعه التأملي العميق.
في قصة (عين صغيرة ولكنها ترى) يتحول الطفل إلى محور إدراك مختلف: عين صغيرة تلتقط الجوهر وتكشف الخفاء في الشخصيات والكائنات، فتجعل الطفل شاهدًا وناقدًا غير واعٍ في الوقت نفسه.

ثالثًا: عبد الله – الإنسان الطيب بوصفه استثناءً أخلاقيًا

تمثل شخصية عبد الله خرقًا واضحًا للنسق المعتاد فهو إنسان طيب وواعٍ بشرور العالم، يواجه عزيز الجبار ليس كفرد، بل كتمثيل للجبروت الاجتماعي والبلطجة الذكية وهيبة القوة.

ظهرت هذه الشخصية المحورية أولا في قصة قصيرة بنفس العنوان( عبدالله) ،من (المجموعة القصصية طريق النخيل) وهي القصة الفائزة بجائزة نادي القصة...
ثم عادت ثانية في الظهور في مسرحية( رجل الخوف)
التي قدمتها (فرقة فنون المسرحية)
عبد الله لا يتشوّه، ولا يُهزم أخلاقيًا، ولا يتحول إلى نسخة من جلاده، وهو الضمير الذي يرفض التكيف مع العنف.

رابعًا: المرأة – من الجسد إلى الاتهام… ومن السلطة إلى الكشف

المرأة في سرد شريف متعددة الأشكال:

سعدية: المرأة المحاصَرة اجتماعيًا (قصة سعدية والولد)

المجنونة: الضحية المؤسسية (قصة المجنونة)

المرأة المتهمة بالسحر: كبش الفداء الاجتماعي (قصة شرف حكيم الجبل)

المرأة العارية: الانكشاف الوجودي (قصة امرأة عارية)
من مجموعة( امرأة عارية)

المرأة هنا تُحاكم قبل أن تتكلم، ويُطلب منها دفع ثمن لم تشارك في صناعته.

خامسًا: مريم – الجمال المقاوم

مريم، البطلة الفلسطينية في روايتها المسماة باسمها، رسامة وفنانة مقاومة.
الفن عندها فعل كشف لا زينة، ولغة بديلة حين تخون اللغة الخطابية أصحابها. هي ليست جسدًا تحت المراقبة، بل ذاتًا خلاقة تعيد تشكيل العالم عبر الرسم، وتمثل المرأة/الوطن/الفن، وتقاوم بالعاطفة الجمالية لا بالشعارات.

سادسًا: شيرين شوكت – الجمال بوصفه سلطة

شيرين شوكت بطلة محورية ،ظهرت في( قصة الأستاذ) من مجموعة (أحذية وكلمات) ، ثم امتدت كرأس سردي في رواية( طائر على صدر امرأة.)
أنثى شديدة الجمال وذكية، استخدمت جمالها كرأس مال واعٍ، تلاعبت بزملائها وأستاذها وعميد الجامعة، وخرجت منتصرة بوصفها الأولى على دفعتها.
تكشف هشاشة النظام الأخلاقي واستعداده للتواطؤ، والبطل الذي أحبها فرّ ليس خوفًا منها، بل هربًا من الاحتراق؛ فهو أحب النار لكنه اختار البقاء حيًا.

سابعًا: السلطة – وجوه متعددة للعنف

السلطة عند شريف تتخذ أشكالًا متباينة: المعلم عمران: سلطة شعبية قائمة على الهيبة.
الأب المنضبط الصامت: سلطة أخلاقية قمعية.
الطبيبة النفسية: سلطة علمية باردة.
الجلاد الصغير: سلطة تنفيذية بلا قرار.
عزيز الجبار: تمثيل للجبروت الاجتماعي المتسلط والذكي.

ثامنًا: عارف – الدجال بوصفه مرآة المجتمع
قصة (الشيخ عارف)
هو ليس حكيمًا، بل نصّاب ودجّال، يهتم بالجنس أداة نفوذ لا شهوة عابرة، يبيع الوهم الروحي ويوظف المقدس لإخضاع الجسد.
خطورته تكمن في قابلية المجتمع لتصديقه، فهو نتيجة لطلب اجتماعي على الدجل، وليس سببه.

تاسعًا: الجماعة – الخوف الجمعي

الجيران، العائلة، الحارة، المدينة كلها تجسد شخصية كبرى: تراقب، تحاكم، تبرر العنف. الخوف الجمعي محرّك خفي للأحداث، مما يجعل المأساة طبيعية ومبرَّرة داخل العالم السردي.

عاشرًا: الشخصيات غير البشرية

عناصر مجردة تتحول إلى شخصيات فاعلة: الذاكرة تعيد تشكيل الماضي بعنف، المرض كاشف لا عارض، الصمت لغة مضادة للكلام، المدينة (الإسكندرية) كائن حي ضاغط. هذه القوى تغيّر مسار السرد وتوجّه مصائر الشخصيات.

حادي عشر: الشخصيات الحدّية (بين العقل والجنون)

الحد الفاصل بين العقل والاختلال مركزي؛ شخصيات لا يمكن الجزم بسلامتها أو جنونها، تُصنَّف اجتماعيًا قبل أن تُفهم إنسانيًا.

ثاني عشر: الزمن بوصفه شخصية

الزمن لا يتحرك خطيًا فقط، بل يعود، يتشظّى، ويهاجم الحاضر، ليصبح شخصية ضاغطة تُربك السرد وتؤكد أن الماضي لم ينته بعد، وهي إحدى سمات كتابات شريف محيي الدين.

ثالث عشر: اللغة كشخصية خفية

اللغة فاعلة: جمل قصيرة مكثفة، إيقاع متوتر، فراغات وصمت بين الجمل، تعيد تشكيل الحدث وتفرض مزاجًا نفسيًا يسبق الفعل ويعلو عليه.

رابع عشر: التكرار بوصفه اختيارًا جماليًا

تكرار نماذج الأب، الابن، المرأة، السلطة ليس فقرًا في الخيال، بل إصرار فني واعٍ يكشف التحول ويبرز الاختلاف داخل التشابه، ويجعل كل عودة للشخصية مراجعة أخلاقية جديدة للسؤال نفسه.

خاتمة

يشكل شريف محيي الدين حالة متميزة في الأدب العربي، كاتب بدأ موهبته باندفاع وإلهام جامح، ثم انتقل إلى التحكم الإبداعي ،صاحب مشروع سردي يمزج بين التسجيلي ،والسحري ،والنفسي والفلسفي، ويقدم شخصيات محملة بالرموز العميقة في إطار لغوي يجمع بين الواقعية ،والرمزية، ويجنح إلى الشاعرية.
عالمه السردي شبكة معقدة من الشخصيات الظاهرة والخفية، البشرية والمجردة، حيث لا وجود لشخصية بريئة تمامًا أو مكتملة، والجميع واقع تحت ضغط قوى أكبر منه.
، فهو يكتب لا للحكاية بوصفها غاية، بل للإنسان بوصفه سؤالًا مفتوحًا، في سرد يمنح القصة القصيرة طاقتها القصوى ويستوعب المسرح ،والرواية دون أن يفقد توتره أو كثافته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...