يحيى بركات - الفتحاوي القديم… الجديد… المتجدد تأملات فلسطينية على هامش المؤتمر الثامن لحركة فتح

في الخارج…
كان طفلٌ فلسطيني يسقط برصاص مستوطنٍ قرب اللبن الشرقية.
وفي مكانٍ آخر…
كان راعٍ يركض خلف سبعمائة رأس غنم سرقها المستوطنون من تلال رام الله.
وفي غزة…
كانت الطائرات لا تزال تفتش في الركام عن ما تبقى من حياة.
وفي القدس…
كان مقام يوسف يُقتحم، والأقصى ينتظر مسيرة أعلام جديدة، بينما المخيمات القديمة تواصل عدّ شهدائها بصمتٍ يشبه التعب الطويل.
وفي الداخل…
كانت فتح تعقد مؤتمرها الثامن.
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لا كخبرٍ تنظيمي…
ولا كمعركة انتخابات داخلية…
بل كمرآةٍ للحظة الفلسطينية كلها.
لحظةٍ يقف فيها الفلسطيني بين خوفين: الخوف على الوطن…
والخوف على آخر حاملٍ وطنيٍّ ما زال واقفًا وسط هذا الركام.
لم يكن أكثر ما لفتني في المؤتمر: من ترشح…
ومن فاز…
ومن غضب…
ومن انسحب…
بل تلك الكمية الهائلة من الألم الفتحاوي المكتوب على وجوه الناس ونصوصهم وتعليقاتهم وعتبهم وخوفهم.
فجأةً بدا المشهد كله وكأن فتح تُحاكم نفسها أمام مرآتها.
هناك من كتب بغضبٍ عن الإقصاء والتهميش.
وهناك من تحدث عن هندسة المؤتمر والنتائج المسبقة.
وهناك من رأى أن الحركة ابتعدت عن روحها الأولى.
وهناك من دافع عنها كمن يدافع عن بيتٍ تتشقق جدرانه لكنه ما زال يخاف عليه من الانهيار.
لكن المدهش…
أن أحدًا تقريبًا لم يكن يكتب من خارج الحكاية.
حتى أشد الغاضبين…
كانوا يكتبون بلغة: “فتح التي نعرفها”
لا بلغة: “فتح التي لا تعنينا.”
وهنا يكمن السر.
فتح ليست حزبًا عاديًا في الوعي الفلسطيني.
إنها ذاكرة كاملة.
المخيم.
المنفى.
السجن.
البدايات الأولى.
صورة الشهيد على الجدار.
الأغنية الخارجة من مذياع قديم في ليل بيروت.
الطفل الذي كبر وهو يسمع اسم ياسر عرفات قبل أن يعرف الجغرافيا.
ولهذا… حين تغضب القاعدة الفتحاوية، فهي لا تغضب فقط على تنظيم…
بل على صورةٍ قديمةٍ تسكنها منذ زمن طويل.
المؤتمر الثامن كشف شيئًا أخطر من الخلاف التنظيمي.
كشف أن السؤال الحقيقي داخل فتح اليوم لم يعد: من يفوز بالمركزية؟
ومن يدخل الثوري؟
بل: أي فتح نريد؟
فتح التنظيم؟
أم فتح السلطة؟
فتح المخيم؟
أم فتح التكنوقراط؟
فتح العرفاتية القديمة؟
أم فتح الدولة والمؤسسات؟
فتح التي تفاوض؟
أم فتح التي تقاوم؟
فتح غزة الجريحة؟
أم فتح رام الله المثقلة بالسلطة؟
فتح الذاكرة؟
أم فتح الضرورات السياسية؟
وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة… ظهر هذا السؤال بهذا الوضوح المؤلم.
ومع ذلك…
رغم كل ما قيل، لم أشعر أن فتح تقف على أبواب الموت.
بل على أبواب مواجهة مؤجلة مع نفسها.
فالذين كتبوا بمرارة…
لم يكونوا شامتين.
والذين قاطعوا…
لم يكونوا غرباء.
والذين انتقدوا…
لم يكونوا أعداء.
كانوا فقط يحاولون إنقاذ شيءٍ يخافون عليه من التآكل البطيء.
حتى النصوص الأكثر قسوة… كانت تحمل خوفًا دفينًا من سقوط الحركة، لأن كثيرين يدركون أن سقوط فتح الآن، في هذا التوقيت الفلسطيني تحديدًا، لن يكون سقوط تنظيم فقط…
بل سقوط جزء من التوازن النفسي والوطني للفلسطينيين.
لهذا لم أستطع أن أكون مع الذين يصفقون بلا أسئلة.
ولا مع الذين يكتبون نعيًا نهائيًا للحركة.
أنا أنتمي إلى شيءٍ آخر…
إلى ذلك الفتحاوي القديم… الجديد… المتجدد.
الفتحاوي الذي لا يعيش أسير الحنين،
لكنه لا يقطع جذوره أيضًا.
الفتحاوي الذي يعرف أخطاء الحركة،
ويرى التكلس،
ويفهم حجم التراجع،
ويشاهد كيف تحولت أحيانًا من حركة تحرر إلى إدارة واقعٍ ثقيل…
لكنه، رغم ذلك، ما زال يؤمن أن الحركات الكبيرة لا تُقاس فقط بلحظات ضعفها،
بل بقدرتها على مراجعة نفسها والعودة من جديد.
الفتحاوي القديم الجديد المتجدد… لا يريد فتح المصفقين.
ولا فتح الشتائم والتخوين.
ولا فتح المصالح الصغيرة.
ولا فتح التي تخاف النقد أكثر مما تخاف الاحتلال.
بل يريد فتح التي تشبه الناس حين كانوا يحلمون بفلسطين دون خوف.
فتح التي كان فيها المناضل أكبر من الموقع،
والفكرة أكبر من الكرسي،
والوطن أكبر من الجميع.
ربما لهذا لم أفقد الأمل بعد.
لأن كل هذا الغضب…
وكل هذا الاشتباك…
وكل هذه النصوص…
تعني أن الروح لم تمت بالكامل.
فالبيت الذي يتوقف الناس عن الحزن عليه…
يكون قد مات فعلًا.
أما البيت الذي ما زال يثير هذا القدر من الألم والخوف والعتب والاشتباك…
فهذا يعني أن داخله شيئًا ما…
لا يزال يقاوم الانطفاء.
وفي النهاية…
ليست المشكلة أن تتغير الوجوه.
المشكلة أن تفقد الحركات قدرتها على تذكّر لماذا بدأت أصلًا.
وليست الكارثة أن يشيخ التنظيم…
بل أن يشيخ الحلم داخله.
أما فلسطين…
فستبقى أكبر من المؤتمرات كلها،
وأكبر من الأسماء كلها،
وأكبر من كل الذين يختلفون اليوم على إدارة البيت…
بينما البيت نفسه ما زال تحت القصف.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي







تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...