حين تبتسم النفس… تبتسم المناعة ويبتسم المجتمع بقلم ا.د. محمد لبيب سالم

قد يسأل سائل في دهشة: هل تفرح المناعة؟ وهل تحزن؟ وهل يمكن لخلية لا تملك عينًا ولا قلبًا ولا ذاكرة إنسانية أن تتأثر بما نحمله من خوف، أو رضا، أو قلق، أو سكينة؟

والإجابة، إذا جاز التعبير العلمي المجازي، هي: نعم.


فالخلايا المناعية لا تفرح كما نفرح، ولا تحزن كما نحزن، لكنها تشعر بلغتها الخاصة بما يحدث في داخلنا. إنها لا تسمع كلماتنا، لكنها تقرأ كيمياء أجسادنا. لا تعرف تفاصيل همومنا، لكنها تلتقط آثارها في الدم. ولا ترى ابتسامتنا، لكنها قد تستجيب للهرمونات والناقلات العصبية التي تصاحب السعادة والطمأنينة.

فجسم الإنسان ليس مجموعة أعضاء متجاورة، بل وطن حيّ تتواصل فيه الأجهزة كلها بلغة دقيقة. المخ يتكلم، والغدد تترجم، والدم يحمل الرسائل، والخلايا المناعية تستقبل وتستجيب. ولهذا فإن ما نسميه الحالة النفسية ليس شيئًا معزولًا داخل الرأس، بل موجة تمتد إلى القلب، والكبد، والأوعية الدموية، ونخاع العظم، وإلى كل خلية من خلايا المناعة.

قبل أن نتحدث عن فرح المناعة أو حزنها، علينا أن نعرف أولًا من هي المناعة. فالجهاز المناعي هو شبكة دفاعية هائلة تنتشر في الجسم كله، وليس عضوًا واحدًا في مكان واحد. تبدأ صناعة كثير من خلاياه في نخاع العظم، وتنضج بعض خلاياه في الغدة الزعترية، وتنتظم حركته داخل الطحال والغدد الليمفاوية، ثم ينتشر حراسه في الدم والليمف والجلد والرئتين والأمعاء وكل الأنسجة تقريبًا. وفي دم الإنسان وحده توجد آلاف الخلايا المناعية في كل ميكرولتر، لكن العدد الأكبر منها لا يبقى في الدم فقط، بل يقيم أو يتحرك داخل الأنسجة المختلفة.

وتشمل هذه الخلايا جنودًا متنوعين، مثل الخلايا الليمفاوية، والخلايا البلعمية، والخلايا القاتلة الطبيعية، والعدلات، والخلايا المتغصنة، وغيرها. ووظيفتها الأساسية أن تحرس الجسم، فتتعرف على الميكروبات، وتهاجم الفيروسات والبكتيريا، وتتخلص من الخلايا الميتة أو التالفة، وتساعد في ترميم الأنسجة، وتحتفظ بذاكرة لما واجهته من قبل حتى تكون الاستجابة أسرع وأقوى عند تكرار الخطر. ولهذا يمكن أن نقول إن الجهاز المناعي هو جيش داخلي ذكي، لا ينام، ولا يهدأ، ولا يعمل منفصلًا عن النفس والمخ والهرمونات

ونعود لسؤال هذا المقال: كيف تؤثر مشاعرنا في جيش الدفاع داخل أجسادنا؟
عندما نحزن، أو نخاف، أو نعيش تحت ضغط نفسي طويل، يبدأ المخ في تشغيل منظومة الإنذار. فيتحرك تحت المهاد، ذلك المركز العميق في قاع المخ، فيرسل أوامره إلى الغدة النخامية، ثم تصل الرسالة إلى الغدة الكظرية فوق الكلية، فتفرز هرمونات التوتر، وعلى رأسها الأدرينالين والكورتيزول.

وهنا لا تبقى القصة نفسية فقط. فهذه الهرمونات تسافر في الدم، وتصل إلى الخلايا المناعية، لأن هذه الخلايا تحمل على سطحها مستقبلات دقيقة قادرة على التقاط تلك الإشارات. فإذا طال الحزن، واستمر القلق، وتراكم الخوف، وقلّ النوم، قد تدخل الخلايا المناعية في حالة إنهاك. تقل حركتها، تضعف استجابتها، وتفقد شيئًا من حيويتها في مواجهة الميكروبات والخلايا التالفة. وكأن جيش الدفاع الداخلي يسمع صفارات إنذار لا تتوقف. والجيش الذي يعيش في حالة استنفار دائم ينهك، حتى لو كان شجاعًا.

ولا يقتصر الأمر على هرمونات التوتر وحدها، فالمخ يفرز كذلك مواد كيميائية رقيقة التأثير مثل الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين، وهي مواد ترتبط بالراحة والرضا والمودة والشعور بالأمان. هذه المواد لا تصنع السعادة فقط، بل تساهم في ضبط المناخ الداخلي الذي تعمل فيه الخلايا المناعية. وحين يختل هذا المناخ بسبب الهم المزمن أو القلق المستمر، تفقد المناعة جزءًا من توازنها.

وعلى العكس تمامًا، حين يشعر الإنسان بالرضا، والطمأنينة، والحب، والأمان، وحين ينام نومًا جيدًا، ويعيش في علاقة أهدأ مع نفسه ومع من حوله، ينخفض منسوب التوتر في الجسم. عندها تجد الخلايا المناعية بيئة أفضل للحركة، والعمل، والانقسام، والاستجابة. تصبح أكثر استعدادًا للقيام بدورها في الدفاع، والتنظيف، والإصلاح، وحراسة الجسد من الداخل.

ولعل أجمل ما في الخلايا المناعية أنها ليست خلايا ساكنة. إنها لا تقيم في مكان واحد مثل بعض خلايا الجسم، بل تتحرك ليل نهار، تدور في الدم، وتدخل الأنسجة، وتفتش في الزوايا الخفية، من أخمص القدم إلى منبت الشعر. إنها دوريات حراسة لا تنام، وجنود يقظون يحفظون حدود الوطن الداخلي.

هذه الخلايا لا تدافع فقط ضد الميكروبات، بل تساعد الجسم أيضًا على التخلص من الخلايا الهرمة، والميتة، والمتهالكة، وتشارك في ترميم ما يتلف، وفي إعادة التوازن بعد العواصف الالتهابية. ولذلك فإن إضعافها بالضغط النفسي المزمن لا يعني مجرد قابلية أكبر للعدوى، بل قد يعني اضطرابًا أوسع في قدرة الجسم على الصيانة الداخلية.

ومن هنا تصبح السعادة ليست ترفًا، والرضا ليس رفاهية، والنوم ليس كسلًا، والهدوء النفسي ليس أمرًا ثانويًا. إنها جميعًا جزء من طبّ المناعة اليومي. جزء من العناية بهذا الجيش الصامت الذي يعمل فينا دون أن نراه. وليس معنى ذلك أن الإنسان يستطيع أن يمنع الحزن تمامًا؛ فالحزن جزء من الحياة، والخوف أحيانًا ضرورة، والقلق قد يكون إنذارًا. لكن الخطر الحقيقي أن يتحول الحزن إلى إقامة طويلة، وأن يصبح الضغط النفسي وطنًا بديلًا نعيش فيه، وأن نترك أجسادنا تحت مطر دائم من هرمونات التوتر.

لذلك، فإن النصيحة المناعية البسيطة هي أن نمنح أجسادنا أسباب النجاة: نومًا كافيًا، حركة منتظمة، غذاءً طيبًا، علاقات إنسانية رحيمة، لحظات رضا، ومناطق آمنة داخل النفس. وأن ندرك أن الكلمة الطيبة، والضحكة الصادقة، والصلاة الخاشعة، والتأمل الهادئ، والمشي في الهواء، والجلوس مع من نحب، ليست فقط أفعالًا معنوية؛ بل رسائل كيميائية رحيمة تصل إلى خلايانا.

ولعلني، من واقع رحلتي البحثية في علم المناعة بكلية العلوم – جامعة طنطا، أرى أن الجهاز المناعي ليس مجرد جيش يدافع عن الجسد ضد الميكروبات، بل هو منظومة حية ذكية تحفظ توازن الإنسان من الداخل، وتراقب ما يفسد في الخلايا، وتشارك في مقاومة السرطان، وضبط الالتهاب، وترميم ما يتلف. ومن هنا جاءت رسالة أبحاثنا في الكلية لمحاولةً فهم هذه المنظومة الدقيقة، من مستوى الخلية والجزيء إلى مستوى التطبيق في مناعة الأورام والعلاج المناعي واللقاحات. وما زلت أؤمن أن فهم المناعة هو أحد أهم المفاتيح لفهم الحياة ذاتها؛ لأنها تكشف لنا كيف يحمي الجسد حدوده، وكيف يتذكر، وكيف يميز، وكيف يقاوم، وكيف يسعى دائمًا إلى استعادة توازنه.

وفي الختام أقول إن خلايانا المناعية تسعد بشيء من سعادتنا، وتتعب بشيء من تعبنا. فإذا عشنا في سكينة أعطيناها فرصة أن تبقى شابة يقظة، وإذا عشنا في قلق دائم دفعناها إلى الشيخوخة قبل الأوان. فلنحافظ على مناعتنا كما نحافظ على جيش الوطن. فإذا قويت حراسة الداخل، اطمأن الجسد كله.

مع تمنياتي لكم بصحة طيبة وجهاز مناعي قوي.

ا.د. محمد لبيب سالم

أستاذ علم المناعة – كلية العلوم – جامعة طنطا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...