حوار أجراه - جعفر الديري:
كانت ولادته في الثاني من يوليو/ تموز من العام 1915 في قرية نهر خوز التابعة لقضاء أبي الخصيب في البصرة، وكانت وفاته في الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران من العام 1998.
وعلى امتداد 83 عاما هي عمره الشريف كان للشيخ محمد أمين زين الدين حضوره الكبير والمؤثر كمرجع ديني ومرب كبير تتلمذت على يده أجيال متعددة. وهو الذي خلف الكثير من الآثار التي كان لها ولايزال موقعها المتقدم في الثقافة الإسلامية الرائدة، إضافة إلى آثاره في الفقه والأخلاق وغيرها ومنها: "كلمة التقوى"، "المسائل المستحدثة"، "الإسلام : ينابيعه، مناهجه، غاياته"، "العفاف بين السلب والإيجاب" وكتب أخرى.
ونحن في هذا اللقاء الذي نجريه مع نجله الشيخ ضياء الدين زين الدين احتفالا بمرور الذكرى السابعة لوفاة الشيخ محمد أمين زين الدين نفتح نافذة نطل منها على شيء من السيرة الشخصية والعلمية والأدبية للشيخ محمد أمين زين الدين. نفرد هنا اللقاء...
العلاقة بالبحرين
* عن البحرين نبدأ سؤالنا الأول... لنتساءل عن العلاقة التي ربطت بين الشيخ زين الدين وأهل البحرين، وخصوصا أن المعلومات تقول إنه ينحدر من أسرة علمية عرفت بالتقوى وهي من أصل بحريني؟
- لقد كان الشيخ - يرحمه الله - يكن اعتزازا كبيرا للبحرين فهو قبل أن يصل الى البحرين في أواسط الخمسينات من القرن الماضي كانت تربطه صلة ببعض أقاربه الذين كانوا يترددون على العراق، حتى بدأ يتردد على البحرين بشكل يكاد يكون سنويا حين كان يقضي الثلاثة أو الأربعة أشهر كل عام فيها حتى بداية السبعينات. وتأكدت تلك الصلة بالكثير من أهالي البحرين حين امتدت معرفته إلى أبناء معظم نواحي هذا البلد. ولهذا فقد استمر قريبا من هذا البلد حتى الأيام التي سبقت وفاته إذ كان في سؤال دائم لمن يفد عليه عن كل جزئية أو كلية من حوادث البحرين فيتألم مع الناس فيما يألمون ويسعد فيما يسعدون. وكانت له أمانيه في هذا البلد وطموحاته التي يستعرضها مع من يرد عليه من هذا البلد ولاسيما ثقاته من وكلائه.
الدور المرجعي
* وكيف مارس الشيخ دوره المرجعي؟
- لا أعتقد أن باستطاعتي تقديم إجابة كافية عن هذا السؤال. لأن ممارسة أي مرجع لمرجعيته تعتبر نتاجا مباشرا لتفاعل الكثير من العوامل الشخصية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها المرجع أو يعيش فيها الناس الذين يرجعون إليه، وكذلك الامكانات الموضوعية التي تهيأت لتلك الممارسة.
ومع أنه كان للشيخ رؤيته الخاصة في تطوير المهارات المرجعية لتتناسب مع التقدم العلمي والحضاري الذي تعيش فيه الأمة، الا أن ظروفا معينة فرضتها السياسة على الأمة ولاسيما في العراق جعلته يتراجع عن أكثر توجهاته في هذا الإطار. وهكذا فحين استوجبت منه ظروف معينة أن يتصدى للقيام بهذه المهمة فرضت عليه تلك الظروف السياسية والاجتماعية القاسية أن يحدد توجهاته ضمن مسارات معينة برز عليها طابع مواساة المجتمع ومساعدته في اجتياز المحن التي يمر بها المؤمنون في العراق الذي توالت عليه النكبات والشدائد بشكل لا يمكن لأحد أن يتعقل مجرياتها الا من يعيش في ذلك البلد. وحاول أن يدخل التطوير في الحوزة العلمية في النجف وأن يؤسس امتحاناته في استحقاق الطالب لمساعدته الشهرية على أساس منهجي متكامل يستطيع الطالب المجد أن ينال بغيته من العلم وفق جدول زمني محدد.
الأسلوب الأدبي
* المتتبع لكتابات الشيخ يجد أسلوبا أدبيا شامخا، فهل نستطيع التعرف على مميزات أسلوبه؟
- ان من يتتبع كتب الشيخ يرى أنه يختلف في أساليبه الأدبية من كتاب إلى آخر، فلكل كتاب أسلوب، ولكل كتاب طابعه، ولكني استطيع القول - كقارئ تابع كتابات الشيخ - أنه يمتاز في أساليبه جميعا بقدرته على تقديم المفهوم الذي يروم تقديمه للقارئ بأعذب لفظ منتقى، وان كان من المفاهيم الفلسفية العميقة أو من الأحكام الشرعية ذات الطابع الجدي، ولعل في كتابيه "الإسلام" و"كلمة التقوى" خير شاهد على هذا، وكان كثيرا ما يؤكد للكتاب الشباب على الاستظلال بالبيان القرآني فيما يكتبون، إذ يرى أنه المثل الأعلى للبيان العربي فيستطيع الكاتب من خلال هذا الاستظلال أن يوصل المعنى المطلوب إلى القارئ بأعذب صيغة تمتلك مشاعره من دون أدنى تكلف. وكان يحث الشباب على قراءة ولو آيات من القرآن الكريم والتأمل في كيفية أداء كل جملة لمفهومها ومحاولة تقليدها في الكتابة. وأتذكر أني قلت له يوما من الأيام: لو أنكم كتبتم كتاب "الاسلام: ينابيعه، مفاهيمه، غاياته" بصيغة علمية لاتخذ هذا الكتاب دوره المهم في كتب العقائد الاسلامية، اذ انه يقدمها بشكل متفرد قلما وجد في غيره من الكتب. فأجابني بلهجة لا تخلو من حدة: لو قدر لي أن أكتب كتاب "الإسلام" لما كتبته بغير هذه الصيغة. وكان يؤكد عدة مرات أنه يتبع فيه الجملة القرآنية حتى في انتقاء الكلمات.
"أماني الحياة"
* وماذا عن الشعر؟
- كان له اهتمام كبير بنظم الشعر، وكان له دور بارز في ندواته التي كانت تملأ الساحة النجفية حينها، إذ تتلمذ عليه في تلك الندوات شعراء بارزون، كالمرحوم السيدمصطفى جمال الدين. ولكنه لم يحتفظ بما كان ينظمه من الشعر الا النزر اليسير منه ومنه ما يمكن تسميته بمشروع ديوان "أماني الحياة" والذي حاول من خلاله أن ينظم بعض تجاربه في الحياة، الا أنه لم يسر فيه شوطا كبيرا، وما فتأ هذا الاهتمام أن تضاءل مع الزمن ولاسيما بعد بروز شهرته الفقهية اذ ترك نظم الشعر تماما.
حصّة الشباب
* وماذا عن الشباب، هل كان للشيخ تركيز في خطابه على الشباب؟
- لا أعتقد أن هناك مرجعا من المراجع كان يعطي للشباب من وقته وعنايته ما أعطاه الشيخ للشباب ويبدو ذلك واضحا في كتابه "من أشعة القرآن" في أجزائه الثلاثة. وفي كتابه "إلى الطليعة المؤمنة" وهو مجموعة من الرسائل المخصصة للشباب ومعالجة مشكلاتهم ومحاولة تربيتهم الذاتية والأخذ بأيديهم من خلال رهافة العاطفة واستلهام المشاعر الى أفق المعرفة الإسلامية والاستمساك بهدف القرآن والرسالة كما كان يبدو ذلك واضحا في رواد مجلسه في أيام مرجعيته على رغم قسوة الظروف التي مني بها المراجع ومني بها الشباب الذين يتصلون برجال الدين. ومن هنا استحق لقب "أستاذ الجيل" أو "مربي الجيل" كما حلى لبعضهم أن يطلق عليه
صحيفة الوسط البحرينية: العدد 973 - الخميس 05 مايو 2005
ضياء الدين: الشيخ زين الدين كان أستاذ الجيل وموجهه
كانت ولادته في الثاني من يوليو/ تموز من العام 1915 في قرية نهر خوز التابعة لقضاء أبي الخصيب في البصرة، وكانت وفاته في الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران من العام 1998.
وعلى امتداد 83 عاما هي عمره الشريف كان للشيخ محمد أمين زين الدين حضوره الكبير والمؤثر كمرجع ديني ومرب كبير تتلمذت على يده أجيال متعددة. وهو الذي خلف الكثير من الآثار التي كان لها ولايزال موقعها المتقدم في الثقافة الإسلامية الرائدة، إضافة إلى آثاره في الفقه والأخلاق وغيرها ومنها: "كلمة التقوى"، "المسائل المستحدثة"، "الإسلام : ينابيعه، مناهجه، غاياته"، "العفاف بين السلب والإيجاب" وكتب أخرى.
ونحن في هذا اللقاء الذي نجريه مع نجله الشيخ ضياء الدين زين الدين احتفالا بمرور الذكرى السابعة لوفاة الشيخ محمد أمين زين الدين نفتح نافذة نطل منها على شيء من السيرة الشخصية والعلمية والأدبية للشيخ محمد أمين زين الدين. نفرد هنا اللقاء...
العلاقة بالبحرين
* عن البحرين نبدأ سؤالنا الأول... لنتساءل عن العلاقة التي ربطت بين الشيخ زين الدين وأهل البحرين، وخصوصا أن المعلومات تقول إنه ينحدر من أسرة علمية عرفت بالتقوى وهي من أصل بحريني؟
- لقد كان الشيخ - يرحمه الله - يكن اعتزازا كبيرا للبحرين فهو قبل أن يصل الى البحرين في أواسط الخمسينات من القرن الماضي كانت تربطه صلة ببعض أقاربه الذين كانوا يترددون على العراق، حتى بدأ يتردد على البحرين بشكل يكاد يكون سنويا حين كان يقضي الثلاثة أو الأربعة أشهر كل عام فيها حتى بداية السبعينات. وتأكدت تلك الصلة بالكثير من أهالي البحرين حين امتدت معرفته إلى أبناء معظم نواحي هذا البلد. ولهذا فقد استمر قريبا من هذا البلد حتى الأيام التي سبقت وفاته إذ كان في سؤال دائم لمن يفد عليه عن كل جزئية أو كلية من حوادث البحرين فيتألم مع الناس فيما يألمون ويسعد فيما يسعدون. وكانت له أمانيه في هذا البلد وطموحاته التي يستعرضها مع من يرد عليه من هذا البلد ولاسيما ثقاته من وكلائه.
الدور المرجعي
* وكيف مارس الشيخ دوره المرجعي؟
- لا أعتقد أن باستطاعتي تقديم إجابة كافية عن هذا السؤال. لأن ممارسة أي مرجع لمرجعيته تعتبر نتاجا مباشرا لتفاعل الكثير من العوامل الشخصية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها المرجع أو يعيش فيها الناس الذين يرجعون إليه، وكذلك الامكانات الموضوعية التي تهيأت لتلك الممارسة.
ومع أنه كان للشيخ رؤيته الخاصة في تطوير المهارات المرجعية لتتناسب مع التقدم العلمي والحضاري الذي تعيش فيه الأمة، الا أن ظروفا معينة فرضتها السياسة على الأمة ولاسيما في العراق جعلته يتراجع عن أكثر توجهاته في هذا الإطار. وهكذا فحين استوجبت منه ظروف معينة أن يتصدى للقيام بهذه المهمة فرضت عليه تلك الظروف السياسية والاجتماعية القاسية أن يحدد توجهاته ضمن مسارات معينة برز عليها طابع مواساة المجتمع ومساعدته في اجتياز المحن التي يمر بها المؤمنون في العراق الذي توالت عليه النكبات والشدائد بشكل لا يمكن لأحد أن يتعقل مجرياتها الا من يعيش في ذلك البلد. وحاول أن يدخل التطوير في الحوزة العلمية في النجف وأن يؤسس امتحاناته في استحقاق الطالب لمساعدته الشهرية على أساس منهجي متكامل يستطيع الطالب المجد أن ينال بغيته من العلم وفق جدول زمني محدد.
الأسلوب الأدبي
* المتتبع لكتابات الشيخ يجد أسلوبا أدبيا شامخا، فهل نستطيع التعرف على مميزات أسلوبه؟
- ان من يتتبع كتب الشيخ يرى أنه يختلف في أساليبه الأدبية من كتاب إلى آخر، فلكل كتاب أسلوب، ولكل كتاب طابعه، ولكني استطيع القول - كقارئ تابع كتابات الشيخ - أنه يمتاز في أساليبه جميعا بقدرته على تقديم المفهوم الذي يروم تقديمه للقارئ بأعذب لفظ منتقى، وان كان من المفاهيم الفلسفية العميقة أو من الأحكام الشرعية ذات الطابع الجدي، ولعل في كتابيه "الإسلام" و"كلمة التقوى" خير شاهد على هذا، وكان كثيرا ما يؤكد للكتاب الشباب على الاستظلال بالبيان القرآني فيما يكتبون، إذ يرى أنه المثل الأعلى للبيان العربي فيستطيع الكاتب من خلال هذا الاستظلال أن يوصل المعنى المطلوب إلى القارئ بأعذب صيغة تمتلك مشاعره من دون أدنى تكلف. وكان يحث الشباب على قراءة ولو آيات من القرآن الكريم والتأمل في كيفية أداء كل جملة لمفهومها ومحاولة تقليدها في الكتابة. وأتذكر أني قلت له يوما من الأيام: لو أنكم كتبتم كتاب "الاسلام: ينابيعه، مفاهيمه، غاياته" بصيغة علمية لاتخذ هذا الكتاب دوره المهم في كتب العقائد الاسلامية، اذ انه يقدمها بشكل متفرد قلما وجد في غيره من الكتب. فأجابني بلهجة لا تخلو من حدة: لو قدر لي أن أكتب كتاب "الإسلام" لما كتبته بغير هذه الصيغة. وكان يؤكد عدة مرات أنه يتبع فيه الجملة القرآنية حتى في انتقاء الكلمات.
"أماني الحياة"
* وماذا عن الشعر؟
- كان له اهتمام كبير بنظم الشعر، وكان له دور بارز في ندواته التي كانت تملأ الساحة النجفية حينها، إذ تتلمذ عليه في تلك الندوات شعراء بارزون، كالمرحوم السيدمصطفى جمال الدين. ولكنه لم يحتفظ بما كان ينظمه من الشعر الا النزر اليسير منه ومنه ما يمكن تسميته بمشروع ديوان "أماني الحياة" والذي حاول من خلاله أن ينظم بعض تجاربه في الحياة، الا أنه لم يسر فيه شوطا كبيرا، وما فتأ هذا الاهتمام أن تضاءل مع الزمن ولاسيما بعد بروز شهرته الفقهية اذ ترك نظم الشعر تماما.
حصّة الشباب
* وماذا عن الشباب، هل كان للشيخ تركيز في خطابه على الشباب؟
- لا أعتقد أن هناك مرجعا من المراجع كان يعطي للشباب من وقته وعنايته ما أعطاه الشيخ للشباب ويبدو ذلك واضحا في كتابه "من أشعة القرآن" في أجزائه الثلاثة. وفي كتابه "إلى الطليعة المؤمنة" وهو مجموعة من الرسائل المخصصة للشباب ومعالجة مشكلاتهم ومحاولة تربيتهم الذاتية والأخذ بأيديهم من خلال رهافة العاطفة واستلهام المشاعر الى أفق المعرفة الإسلامية والاستمساك بهدف القرآن والرسالة كما كان يبدو ذلك واضحا في رواد مجلسه في أيام مرجعيته على رغم قسوة الظروف التي مني بها المراجع ومني بها الشباب الذين يتصلون برجال الدين. ومن هنا استحق لقب "أستاذ الجيل" أو "مربي الجيل" كما حلى لبعضهم أن يطلق عليه
صحيفة الوسط البحرينية: العدد 973 - الخميس 05 مايو 2005
ضياء الدين: الشيخ زين الدين كان أستاذ الجيل وموجهه