هايدي فاروق - صورة قلمية في وصف القاهرة والناس للدكتورة عزة بدر.

الكتاب الحائز على جائزة الدولة التشجيعية 2002 في طبعة جديدة تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة.



صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، طبعة جديدة من كتاب "أم الدنيا: صورة قلمية في وصف القاهرة والناس" للدكتورة عزة بدر؛ ليقدّم لوحة أدبية نابضة بالحياة، ترصد ملامح القاهرة الشعبية وأحياء وسط البلد وضواحيها.
وحصلت الكاتبة على جائزة الدولة التشجيعية عام 2002 عن هذا الكتاب الذي يكتشف القاهرة من زاوية مختلفة؛ إذ تخوض رحلة داخل الوطن كاشفة عن كنوز وتفاصيل قد لا يلتفت إليها الكثيرون. كما تتوقف بحب وفخر عند بلدتها "دمياط"، متناولة عاداتها وموروثاتها الشعبية والثقافية.
ويمزج الكتاب بين اللغة الشعرية الرقيقة التي تميز الكاتبة، وعين الصحفية التي تجوب الأزقة والحارات؛ لتكشف جماليات الحياة اليومية خلف الجدران العتيقة، وروائح البيوت القديمة، وتراب الشوارع. فتبدو القاهرة ككائن حي نابض، تتداخل فيه الحكايات الشعبية مع تفاصيل المعيشة، وتتشابك البيوت كما تتشابك القلوب، في دفء وألفة وروح فكاهية أصيلة.
وتتكئ الكاتبة على المعلومة الدقيقة والعين الباحثة عن الجمال؛ لتقدم للقارئ الشغوف بالترحال باقة ثرية من الصور والحكايات. وربما الفريد والمثير للدهشة أن هذا الكتاب يندرج ضمن فئة أدب الرحلة، لكنها رحلات لها طبيعة خاصة؛ حيث نجد رحلات إلى مستشفى العباسية، والمجزر، وموائد الرحمن، وأسواق السمك والخضراوات، فهي رحلات تتميز بالفرادة.
فصول الكتاب وإيقاع المكان
ففي الفصل الأول "أصوات في الفجرية"، ترسم الكاتبة مشاهد صباحية للحارة المصرية: بائع البليلة والفول، صوت الديك، عجلة اللبن، ورائحة الخبز الخارج من الفرن، ثم تنتقل إلى الأسواق، والمأكولات الشعبية، ومظاهر الحياة اليومية البسيطة. ومن خلال ذلك، تطرح تأملات إنسانية عميقة، مثل تساؤلها عن إمكانية "غسل القلوب" لتصبح بيضاء كجسد السمك بعد مرور المياه النظيفة عليه، معلنة عن رغبتها في عالم خالٍ من الحروب.
ويبرز في الكتاب الحس الفانتازي وخفة الظل، إلى جانب رصد واقعي دقيق، حيث تتنوع العناوين ذات الطابع الإيقاعي مثل: "على مقهى الفيشاوي حكم الهوى ماشي" و*"ليلة رأس السنة في وكالة البلح"*، بما يعكس روح المكان وثراءه الثقافي. كما تحضر مدينة دمياط كخلفية شخصية في بعض المقاطع، فيما تتسع اللوحة لتشمل القاهرة الأثرية والشعبية، والمقاهي، والمواسم، والمولد، والتراث غير المادي.
في مجمله، يقدم الكتاب توثيقًا أدبيًا رقيقًا للقاهرة القديمة، جامعًا بين الحس الشعري والرؤية الصحفية؛ ليعيد اكتشاف جمال الحياة اليومية في مصر بروح محبة وحنين دافئ. وهكذا اعتدنا من الدكتورة عزة بدر أن نخوض معها في بستان الجمال، ننعم بكل زهرة، فهي الشاعرة والأديبة والصحفية الدؤوبة.
مدد يا أم هاشم.. من المولد إلى الكراكون
وفي فصل بديع حمل عنوان "جيالك يا طاهرة مدد يا أم هاشم مدد"، تصف الكاتبة مولد السيدة أم العواجز (رئيسة الديوان)، راصدة تجربتها في المولد، وتقول:
"الكل في الزحام، فتيات.. سيدات.. محجبات.. باعة متجولون.. 'طراطير يا واد طراطير'، 'زمارة شخليلة.. عصفورة يا حليلة'، صاجات.. رق.. طبلة.. لمبات جاز.. حبال غسيل.. مشابك.. سلاسل.. خواتم.. إيشاربات.. حلويات.. حب العزيز.. حمص.. فول سوداني.. 'نادي الرماية' - لعبة النيشان.. السلاح والبمب.. وبدأ استخدام الهراوات في تنظيم هذا الصخب.. انسحبتُ بعيدًا.. أبحث عن منفذ فأقع في الزحام.. حيث كل شيء يحدث.. في الزحام.. بيني وبين مسجد السيدة بلاد من البشر.. من أقاليم مصر كلها.. أسايطة وطنطاوية.. وصعايدة وبحراوية.. بيني وبين المقام جبال من البشر.. أحاول اقتناص سنتيمترات لعبوري.. أمر بأعجوبة كما يمر الجمل من ثقب إبرة.. ولا أدري كيف مررت بكل معافاة حتى وجدت نفسي في حلقة ذكر 'باب القبول اتفتح.. يا بخت اللي عدّى سليم'، فقلت: يا سلام.. أغنية علشاني! 'سعد الحياة في الرضا والسعد في التسليم.. سلّم أوامرك لربك.. من أوامرك لمن رفع السما ترتاح'. فقلت: ونعم بالله..."
وكما تفاجأنا برحلة للمولد، يقابلها في الفصل التالي رحلة إلى الكراكون (قرة قول)؛ فتسرد الكاتبة سبب تسميته بهذا الاسم، وباسم "الثمن" أيضًا. كما تكتب من داخل مستشفى العباسية للأمراض النفسية (عنبر 1). ومن بعد رحلة البرج والنيل، نجد فصلًا معنونًا بـ "على عتبات الجنون"، يتميز بطابع فلسفي تأملي: كيف للإنسان المتجبر المزهو بنفسه أن يكون هو نفسه حبيس الأسوار؟ لكن سرعان ما تستعيد الكاتبة روحها المرحة.
سينمائية المشهد ونوستالجيا الماضي
في فصل بعنوان: "عقبال عندكم.. أكتب لكم من بلكونة خالتي"، تصف حال المغني وهيئته في فرح شعبي، فترسم صورة سينمائية بجدارة:
"ثم قفز رجل على أكتاف المغني، جلس وأنزل ساقيه، ثم قفز طفل صغير وأمسك بالمايك.. صاروا رجلًا بثلاثة أدوار! قمته تنتهي بطفل نحيف، وقاعدته برجل سمينة، والمطرب ذو الصحة التمام."



وفي مقتطف يحمل الكثير من النوستالجيا، تحكي الكاتبة قصة دخول التليفون الأرضي منزلهم، والفرحة بهذا "الطائر الصداح" كما وصفته، وفترات انتظارها لأن تدب فيه الروح (الحرارة)، حيث كانت العُدّة تُركّب ثم بعد أيام تلحقها الروح. ثم تصف الطوابير الممتدة داخل شقتها للتهاني والتبارك بقدوم الضيف الجديد. وتشير لنا الكاتبة إلى سنوات كتابة هذه الذكرى بطريقة غير مباشرة، حيث تربطها بأغنية أنغام الجديدة وقتها "لالي لالي"؛ لنعرف أن هذا المقتطف البديع كُتب عام 1989.
"لستُ بخيلة ولكني دمياطية".. تشريح الشخصية الدمياطية
"لست بخيلة ولكني دمياطية"، فصل مثير يفند السيكولوجية النفسية للدمياطي، حيث تقف الكاتبة في تيهٍ ما بين الدفاع عن تلك المقولة، وفي الوقت نفسه تحتفظ في نفسها، ولنفسها، بجزء من حقيقة الأمر، فتقول:
"أي والله.. دمياطية، وأتيه تيهًا، وأُمكّن ضيفنا من أكل بيتي، أعطي كعكتي من يشتهيها! هكذا قلت دفاعًا عن نفسي، وفي قبة عيني مقام سيدي المتبولي، ويدي على شباك سيدي علي الصياد، وقلبي على كعكتي ودجاجتي ونقودي، أبخرهم من عين أول الشهر ومن عين آخر الشهر، ومن عين الذين رأوني وقالوا: دمياطية. يدفعوني نحو نوبة كرم غير محسوبة، فعزمت وتوكلت وجلست باسطة يدي في الهواء الطلق، ملومة محسورة، وحالي كما يقول الشاعر: كـتـاركـةٍ بـيـضَـهـا بـالـعَـراءِ .. ومُـلـبِـسَـةٍ بـيـضَ أُخـرَى جَـنـاحَـا!"
رحلة إلى المجزر والأسواق الشعبية
لا تكتفي الكاتبة بالأماكن التراثية في مصر، لكنها تغوص داخل الأسواق والأماكن الشعبية، وأسواق اللحوم والأسماك والطيور؛ لترسم صورًا بديعة للبائعات والباعة، تراها وتسمعها، حيث تحافظ في لغة الكتاب على مصطلحاتهم: ("كبدة يا عسل.. موز يا لوز.. فشة يا هانم... كرشة يا بيه").
ومن أجمل الفصول في الكتاب رحلتها إلى المجزر، حيث يتعانق الوصف السردي للمجزر والباعة والبائعات والمعلمات بمصطلحات الشغلانة (الشطاط والبشكار). في حين تسمع صلصلة صاجات بائع العرقسوس، وترى الألم في عيون الجاموسة التي ستُذبح بعد أن عُجزت أقدامها، وتشم رائحة البخور مختلطة بروائح الدم الطازج، وتلامس مياه تنظيف السلخانة التي تدلقها الفتيات الصغيرات... صورة مبهرة مكتملة الأركان لتوثيق يوم عمل في السلخانة.
ويوم آخر على مائدة رمضان، هذا الطقس المصري الذي تذوب فيه الفوارق، فالكل يأكل من صينية واحدة، يتقاسمون الخبز واللحم.
حكايات شوارع وسط البلد ومحلاتها القديمة
وفي جولة في شوارع وسط البلد، تأخذنا الكاتبة في نزهة على مهل بين جنبات المكان، مختزنة في ذاكرتها حكايات لأسماء الشوارع وارتباطها السياسي والعاطفي بالمصريين، وترصد تاريخ أسماء عدد من الشوارع وأسباب تغيرها؛ كشارع العتبة الخضراء الذي سُمي باسم الملكة فريدة، وبعد الطلاق من الملك عاد لاسمه من جديد.. وبالمثل كثير من الشوارع التي سُميت باسم العائلة المالكة، عادت من جديد بعد ثورة 1952؛ لتؤكد أن الشعب المصري خلّد فقط الشخصيات العامة التي كان لها دور جماهيري.
وارتاحت الكاتبة عند "جروبي"، وارتوت في شارع "عماد الدين" حيث الفن والإبداع والصحافة.. ثم أدارت حوارًا حيًا مع مدبولي، صاحب مكتبة مدبولي الشهيرة. (كازاك... مارديني... جاتنيو... شيكوريل) أسماء محلات كانت تستقر في منطقة وسط البلد، أفردت لها الكاتبة فصلًا ممتعًا جسدت فيه روح الشوارع وناسها ومبانيها.
المطبخ الدمياطي والموروث الشعبي
كما تبحر الكاتبة في مائدة محافظة دمياط خلال شهر رمضان، فتتحدث عن أطعمة لا يعرفها الكثير:
الكُماج: العيش الصغير بالسمسم والدقيق والسمن، وجبة سحور خفيفة على المعدة، طازجة دومًا، يُقدّم مع اللبن.
البصارة: تلك الأكلة الشعبية المعروفة على الموائد طيلة شهور العام، يتذكرها الدمايطة في رمضان فقط.
الجيلي والفطير المشلتت: حلويات في أشهر بلدة تصنع الحلوى في مصر.
المرقد: وهو لبن يُصنع قبل الإفطار بساعتين، يؤكل بالعيش وبالأرز أحياناً.
كما للموروث الشعبي حكايات عديدة في الكتاب؛ فتسرد الكاتبة وصفة شعبية للأم التي تشكو قلة لبن الرضاعة، وهي وصفة من مأثور الحكايات، تحكي:
"وأذكر أنه من الحكايات التي تُروى عن بركات الشيخ علي الصياد، والتي تناقلتها النساء، أن الأم المرضعة، والتي تشكو قلة اللبن لطفلها عند الرضاعة، عليها أن تأتي في المركب تعدّي البحر، على شرط تيجي من سكة وتروّح من سكة، ويكون معها رغيف تبلّه في البحر، وتحتفظ داخله بالملح، وتقسمه وهي قاعدة في المركب، على أن تكون يد على يمين المركب ويد على يسار المجدف، يعني تكون جالسة في زاوية المركب.. وبعد ثلاثة أسابيع، بقدرة الله، اللبن يجري..."
المهن القديمة وسور الأزبكية
وتفرد الكاتبة للمهن القديمة في مصر فصولًا؛ كصناعة الفوانيس في منطقة "الربع"، وتنطلق من فانوس رمضان لأصل الفوانيس وتاريخها ووجودها في مساجد القاهرة الأثرية، وتغني "وحوي يا وحوي" وتكشف عن أصل الأغنية؛ متى غُنّيت ومتى مُنعت. وتنطلق لسبر أغوار مهنة الكنفاني، والرفّاء، والعطار.
وتحط بنا عند سور الأزبكية حيث الكتب والحديث مع بائعي الكتب. وفي هذا الفصل، يتلبس الحوار دور الباحث الاجتماعي عندما تتحول طلبات القراء الجدد إلى كتب عن الأبراج، وجمع النقود، وكيف تصبح مليونيرًا، وغيرها من العناوين الاستهلاكية التي استشهدت بها الكاتبة في تشريح للمجتمع والفراغ الثقافي والمعرفي الذي يحيا فيه.

خاتمة..

في الأخير.. يظل هذا الكتاب، الذي كتبته الدكتورة عزة بدر منذ سنوات بعيدة، قادرًا حتى هذه اللحظة على إدهاشك والتحليق بك بين فضاءاته بسلاسة آسرة. تلامس كلماته بصدقها ومحبتها لمصر وجدان القارئ، كما يُعد شاهدًا على تحولات مجتمعية عديدة، وراصدًا لكثير من الظواهر في زمنها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...