حسام الحداد - بين جمود النص ومرونة المصلحة: المرأة في "فقه المقاصد" السلفي وتحولات الفضاء العام

تُمثّل قضية المرأة "المختبر المركزي" والمحك الأكثر تعقيداً الذي تُقاس من خلاله مرونة التيارات الدينية وقدرتها على التكيف مع استحقاقات الحداثة وبنية الدولة الوطنية المعاصرة. ففي سياق السلفية المعاصرة بمختلف تجلياتها، يبرز تساؤل جوهري حول فاعلية الأدوات المقاصدية التقليدية، وقدرة مفاهيم مثل "المصلحة المرسلة" و"تغير الأحوال" على إحداث زحزحة حقيقية في المواقف الفقهية تجاه قضايا مستجدة كقيادة المرأة للسيارة أو توليها مناصب قيادية. فبينما يظل "النص" هو المرجعية الحاكمة والمقدسة، تتباين المدارس السلفية تبياناً حاداً في تعريف ماهية "المصلحة" وكيفية توظيفها وتسييسها لإدارة الفضاء العام وضبط حركة الجسد الأنثوي داخله.
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يتم التعامل مع الفتاوى المتعلقة بالمرأة داخل الأطر السلفية كأحكام دينية مجردة، بل كـ "سياسات اجتماعية" تهدف إلى رسم حدود الهوية وحماية التراتبية التقليدية. إن الصراع بين "جمود النص" و"مرونة المصلحة" يعكس في جوهره صراعاً على السلطة الرمزية؛ حيث يُستخدم جسد المرأة كساحة لترسيم الحدود بين الأصالة والتبعية، وبين السكينة العامة والفتنة المزعومة. هذا المقال يسعى لتفكيك هذه الديناميكيات، راصداً كيف تحولت "المصلحة" من غاية شرعية تهدف لتحقيق نفع المكلفين، إلى أداة أيديولوجية تارة، وأداة أمنية وتبريرية تارة أخرى، باختلاف المنطلقات التنظيمية والسياسية لكل تيار.
وعبر منهج مقارن يجمع بين التحليل النصي للأدبيات السلفية وبين المقاربات السوسيولوجية الحديثة، نستعرض ثلاثة نماذج متباينة: "السلفية العلمية" التي تركن إلى الأرثوذكسية الفقهية المطلقة، و"السلفية الحركية" التي تُخضع الفقه لبراغماتية التمكين الجماعي، و"السلفية المدخلية" التي تدمج المصلحة الفقهية في صلب الإرادة السياسية لولي الأمر. إن هذا التفكيك سيكشف لنا كيف يُعاد إنتاج "الوصاية" السلفية بأشكال حداثية، وكيف يتم الالتفاف على جوهر "المقاصد" لصالح تثبيت الانضباط الاجتماعي أو الشرعية السياسية.

السلفية العلمية: هيمنة "سد الذرائع" على "المقاصد"
تتبنى السلفية العلمية مقاربة فقهية شديدة التحفظ تجاه قضايا المرأة، حيث تمنح قاعدة "سد الذرائع" هيمنة مطلقة على مفهوم "المقاصد الشرعية". فبينما يرى الفقه المقاصدي الحديث إمكانية الموازنة بين المصالح والمفاسد، يرى هذا التيار أن أي مصلحة دنيوية تتحقق بخروج المرأة عن نمطها التقليدي هي "مصلحة متوهمة" أمام مفسدة محققة تطال الدين والعرض. ويؤكد الشيخ عبد العزيز بن باز أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، إلا أن درء المفاسد في شأن النساء يُقدم دوماً على جلب المصالح الدنيوية لخطورة الفتنة بهن (كتاب: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ج 3، ص 352).
في تحليل موقف هذا التيار من القضايا المستجدة، نجد أن "المصلحة" تُفهم حصرياً بمعناها "الأخروي" والتعبي؛ أي أن مصلحة المرأة الكبرى هي في طاعة أمر "القرار في البيت" طلباً للنجاة في الآخرة. هذا الفهم يُعطل تلقائياً فاعلية المقاصد "الدنيوية" كالحاجة للتنقل أو العمل أو الإدارة. ويشدد الشيخ محمد بن صالح العثيمين على أن المصلحة التي تخالف نصاً أو تفتح باباً لشرٍ عظيم -كخروج المرأة لغير ضرورة- هي مصلحة ملغاة شرعاً، لأن الشارع حكيم في منعه لما يضر الناس في دينهم (كتاب: فتاوى نور على الدرب، ج 22، ص 15).
وعند تطبيق هذه القاعدة على قضية "قيادة المرأة للسيارة" (في سياقها التاريخي والتقليدي لهذا التيار)، نجد أن الخطاب السلفي العلمي ظل لعقود يرى أن "المفسدة" المترتبة على القيادة -من خلوة محتملة وسفور وفتنة- أعظم بكثير من "مصلحة" تسهيل التنقل. ويرى الشيخ صالح الفوزان أن القيادة تؤدي بالضرورة إلى كشف الوجه والاختلاط بالرجال في الطرقات ومحطات الوقود، وكلها ذرائع تقود إلى ما لا تحمد عقباه، مما يجعل المنع هو المتعين شرعاً (كتاب: تنبيهات على أحكام تخص المؤمنات، ص 91).
من الناحية السوسيولوجية، يمارس هذا التيار نوعاً من "الأرثوذكسية الفقهية" التي تخشى من "أثر الدومينو"؛ أي أن التنازل في جزئية بسيطة (مثل القيادة أو العمل الإداري) سيكون مدخلاً لانهيار المنظومة الأخلاقية والاجتماعية بالكامل. الفقه هنا يعمل كـ "حائط صد" أخير ضد التغيير الاجتماعي. ويحلل الباحث أحمد سالم هذا التوجه بوصفه غلواً في استخدام "سد الذرائع" يحول الوسائل إلى مقاصد، ويجعل من الحيطة والحذر أصلاً ثابتاً يمنع الاستفادة من المباحات (كتاب: صناعة التفكير الفقهي، ص 186).
وتنعكس هذه الرؤية على المناصب القيادية للمرأة، حيث يُستخدم مقصـد "حفظ البيضة" وصيانة المجتمع لتعطيل ولاية المرأة. ويرى هذا الخطاب أن تولي المرأة للمناصب هو قدح في "قوامة الرجال" وفتح لباب الفتنة العامة التي تضر باستقرار الأسرة، وهي الخلية الأولى للمجتمع. ويذكر الشيخ حمود التويجري أن خروج المرأة لمنافسة الرجال في الولايات والمناصب هو تشبه بالكفار، ومصلحة بقائها في بيتها تفوق أي مكسب مادي أو وجاهي قد تحققه (كتاب: الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور، ص 142).
إضافة إلى ذلك، يتسم الفقه السلفي العلمي بـ "تجميد الزمن"؛ إذ يفترض أن الظروف التي استوجبت المنع قديماً هي ظروف عابرة للزمان والمكان. فالمصلحة المرسلة التي قد تتغير بتغير الأحوال لا تجد طريقاً في هذا الخطاب لأن "الذريعة" تُعامل كمعطى ثابت لا يتغير. ويشير الشيخ الألباني إلى أن تبرج النساء في العصر الحديث جعل من خروجهن فتنة محققة، مما يستوجب تضييق الخناق على كل ما يسهل هذا الخروج، حمايةً للمجتمع من الانزلاق في الفواحش (كتاب: جلباب المرأة المسلمة، ص 54).
ينتهي الخطاب السلفي العلمي إلى تأسيس علاقة "توجس" دائم من المجال العام؛ فالمجال العام هو مكان الفتنة، والمرأة هي مادتها، والسيارة أو المكتب هما أدواتها. هذا الثالوث يجعل من "سد الذرائع" هو المقصد الأسمى والوحيد، مما يُلغي أي إمكانية لتطوير "فقه مقاصدي" حقيقي يستوعب احتياجات المرأة المعاصرة. ويخلص الشيخ ابن باز في فتاواه إلى أن بقاء المرأة بعيدة عن مواطن الاختلاط والبروز هو "المصلحة العليا" التي لا يضاهيها شيء في ميزان الشرع (كتاب: فتاوى إسلامية، ج 3، ص 212).

السلفية الحركية: براغماتية الهوية و"المصلحة الدعوية"
تنتقل السلفية الحركية بمفهوم "المصلحة" من حيز التضييق الفقهي إلى رحابة "السياسة الشرعية"، حيث لا يُنظر للمصلحة كمعطى تعبدي مجرد، بل كأداة لخدمة "المشروع الإسلامي" وتمكين الجماعة. المصلحة هنا هي مصلحة "الدعوة" و"التمكين"، مما يمنح هذا التيار مرونة أكبر في التعامل مع المستجدات مقارنة بالتيار العلمي. ويؤكد الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق أن السياسة الشرعية تقتضي رعاية مصالح الأمة المتغيرة، وأن تجميد الأحكام في الوسائل يضر بالدعوة ويقطع الطريق على نهضة المسلمين (كتاب: فصول من السياسة الشرعية، ص 45).
في تحليل موقف الحركيين، نجد أن المرأة تتحول من "مركز للفتنة" إلى "كادر تنظيمي" فاعل؛ لذا فإن مصلحة تمكينها في الفضاء العام (كالتعليم، البرلمان، أو العمل النقابي) تصبح ضرورة استراتيجية لمواجهة التمدد الليبرالي أو العلماني. المصلحة هنا تقتضي استثمار طاقة المرأة في "حشد المجتمع" بدلاً من تغييبها. ويشير المفكر محمد قطب إلى أن واقع الصراع يفرض على المرأة المسلمة أن تكون في الطليعة، لأن العدو يستهدف الأمة من خلال غزو المرأة فكرياً، مما يجعل خروجها الملتزم مصلحة شرعية عليا (كتاب: قضية المرأة، ص 52).
وعند مقاربة قضية "قيادة السيارة" أو "تولي المناصب"، لا ينظر الحركيون للوسيلة في ذاتها، بل في "مآلاتها الدعوية". فالسيارة في يد "المرأة الداعية" هي أداة تمنحها "حرية الحركة" لنشر الأيديولوجيا والوصول إلى قطاعات نسائية واسعة، وهو ما يُعرف بـ "تحويل الوسيلة إلى خادم للمقصد". ويرى جاسم سلطان أن تعقيدات العصر تتطلب أدوات حركة سريعة، وأن حرمان المرأة من وسائل التمكين (كالقيادة أو التكنولوجيا) هو تعطيل لنصف القوة الدعوية للأمة في معركة الوعي (كتاب: فلسفة النهضة، ص 178).
من الناحية السوسيولوجية، يستخدم الحركيون ما يُعرف بـ "الاستيعاب الموجه"؛ وهو منهج يقوم على استيعاب المظاهر الحديثة وقبولها، ليس بهدف "عصرنة" الدين، بل بهدف "أسلمة" الحداثة وتحصين المجتمع من الداخل. الحجاب أو "الزي الشرعي" هنا يعمل كغطاء أيديولوجي يبرر الحضور الأنثوي الكثيف في السياسة أو الإدارة. ويحلل الدكتور محمد أبو رمان هذا السلوك بوصفه "براغماتية هوية"، حيث يتم توظيف "المصلحة المرسلة" لإيجاد موطئ قدم للمرأة السلفية في مؤسسات الدولة (كتاب: السلفية الحركية، ص 115).
تتجلى هذه البراغماتية أيضاً في القبول بـ "المناصب القيادية النسائية" داخل الأطر التنظيمية والسياسية، حيث تُقدم مصلحة "التغيير من الداخل" على نصوص المنع التقليدية. ويرى هذا التيار أن وجود امرأة سلفية في البرلمان أو في منصب إداري هو "أخف الضررين" مقارنة بترك هذه المناصب للعلمانيين الذين قد يفسدون هوية المجتمع. ويذكر عبد الرحمن عبد الخالق أن مصلحة "دفع المفسدة الكبرى" (وهي ضياع الشريعة) تبيح ارتكاب "المفسدة الصغرى" (وهي بروز المرأة في العمل العام) (كتاب: فصول من السياسة الشرعية، ص 92).
إضافة إلى ذلك، يربط الحركيون بين مصلحة المرأة ومصلحة "الأمة المتصارعة"؛ فالفقه لديهم ليس معزولاً عن الجيوسياسة. خروج المرأة للعمل أو القيادة يُنظر إليه كجزء من "المقاومة الثقافية" ضد التغريب، مما يجعل الالتزام بالضوابط الشرعية أثناء هذا الخروج فعلاً نضالياً. ويؤكد محمد قطب في مراجعاته أن "ضرورة المرحلة" تفرض أدواراً استثنائية تتجاوز الفهم الضيق للقرار في البيوت، طالما أن الغاية هي استعادة سيادة الإسلام (كتاب: واقعنا المعاصر، ص 184).
ينتهي الخطاب الحركي إلى جعل "فقه المقاصد" تابعاً لـ "ضرورات الحركة"؛ فالمرأة مسموح لها بكل ما يخدم قوة التيار ويواجه الخصوم. هذه المرونة ليست انفتاحاً ليبرالياً، بل هي "تعبئة أيديولوجية" تهدف إلى السيطرة على الفضاء العام عبر حضور نسائي مكثف ومنضبط أيديولوجياً. ويخلص الباحث ستيفان لاكروا إلى أن الحركيين نجحوا في تحويل "الحجاب" من رمز للعزلة إلى رمز للحضور السياسي القوي، مستغلين مرونة "السياسة الشرعية" في الالتفاف على التقاليد (كتاب: زمن الصحوة، ص 240).

السلفية المدخلية: المصلحة كـ "إرادة سياسية" لولي الأمر
تتميز السلفية المدخلية بخصوصية فريدة في تعاطيها مع مفهوم "المصلحة"، حيث لا تُشتق المصلحة لديها من استنباط فقهي مجرد أو طموح حركي تنظيمي، بل تتماهى كلياً مع "إرادة ولي الأمر". المصلحة العليا في هذا الأدب هي "الاستقرار" ودفع فتنة "الخروج على السلطان"، مما يجعل "رؤية الحاكم" هي المفسر الأوحد للمصلحة المرسلة. ويؤكد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي أن طاعة ولي الأمر في غير معصية الخالق هي أصل المصالح وبها تُحفظ بيضة الإسلام وتُحقن الدماء (كتاب: منهج الأنبياء في الدعوة، ص 112).
في تحليل موقف هذا التيار، نجد أن الخطاب الفقهي يتسم بـ "السيولة التامة" والقدرة على التحول الجذري تبعاً للمتغيرات السياسية. فالمصلحة هنا ليست ثابتة، بل هي "تابعة" لبوصلة القرار الرسمي؛ فما كان يُصنف بالأمس "ذريعة للفتنة" قد يصبح اليوم "مصلحة مرسلة" إذا ما ارتآه ولي الأمر. ويشير الشيخ محمد أمان الجامي إلى أن تقدير المصالح العامة موكول إلى الإمام، وعلى الرعية السمع والطاعة لأن نظره للمآلات أبعد وأشمل (كتاب: شرح الأصول الثلاثة، ص 74).
ويتجلى هذا التحول بوضوح في قضية "قيادة المرأة للسيارة"؛ حيث انتقل الخطاب المدخلي من التحريم القاطع -تأسياً بفتوى اللجنة الدائمة السابقة- إلى التأييد المطلق والشرعنة الفقهية بمجرد صدور المراسيم السياسية. المصلحة هنا لم تتغير فقهياً، بل "تغير حكمها" بتغير إرادة السلطة التي رأت في هذا الانفتاح مصلحة للدولة. ويرى الشيخ عبيد الجابري أن ما يراه ولي الأمر من تنظيمات تحفظ مصالح الناس وتدفع عنهم الضيق هو أمر واجب الاتباع، ولا يجوز التشغيب عليه بدعوى سد الذرائع (كتاب: تنوير المبتدئ بشرح منظومة القواعد الفقهية، ص 102).
من الناحية السوسيولوجية، يجسد هذا التيار مفهوم "الدين الرسمي" الذي يعمل كظهير شرعي لعمليات "التحديث الفوقي". المصلحة في هذا السياق هي "الانسجام الاجتماعي" خلف القيادة السياسية، مما يجعل الفقه المقاصدي لديهم أداة لشرعنة قرارات الدولة لا معياراً لنقدها. ويحلل الباحث أحمد سالم هذا التوجه بوصفه "تجييراً للمقاصد" لصالح السلطة السياسية، حيث تصبح طاعة الحاكم هي المقصد الضروري الذي تُهدر دونه بقية التحسينات أو الحاجيات (كتاب: صناعة التفكير الفقهي، ص 188).
إضافة إلى ذلك، ينظر المداخلة إلى تولي المرأة للمناصب القيادية كأمر خاضع لـ "التفويض السلطاني". فإذا رأت الدولة مصلحة في تمكين المرأة إدارياً أو سياسياً، فإن "المصلحة المرسلة" هنا تقتضي التسليم بالقرار لدفع مفسدة "الشقاق" أو "إحراج الدولة". ويؤكد الشيخ ربيع المدخلي أن مخالفة ولي الأمر في قراراته التنظيمية هي فتح لباب الفتن الكبرى، وأن لزوم الجماعة مقدم على التفصيلات الفقهية الفرعية (كتاب: جماعة واحدة لا جماعات، ص 145).
وعلى خلاف السلفية الحركية التي توظف المرأة لخدمة التنظيم، تعمل السلفية المدخلية على "تحييد المرأة سياسياً" مع السماح لها بالحراك الاجتماعي الذي تقره الدولة فقط. فالمصلحة هي ألا تكون المرأة أداة في يد المعارضة أو الجماعات الحركية؛ لذا فإن انضباطها بالقرارات الرسمية هو قمة "الستر" والتقوى. ويذكر الشيخ فالح الحربي أن المرأة الملتزمة هي التي لا تسبق ولي أمرها ولا تخرج عن طوع ولاة أمرها في شؤونها الخاصة والعامة (كتاب: الفتاوى الأثرية في القضايا العصرية، ص 130).
تنتهي المقاربة المدخلية إلى إفراغ "فقه المقاصد" من استقلاليته المعرفية، ليصبح وظيفة من وظائف "البيروقراطية الدينية". المصلحة هي ما تراه الدولة مصلحة، والفتنة هي ما يراه الحاكم فتنة، مما يجعل من جسد المرأة وحركتها مجرد "تفصيل إجرائي" في مشروع الدولة الكلي. ويخلص الباحث ستيفان لاكروا إلى أن هذا التيار نجح في تقديم نسخة من السلفية "المنضبطة" التي توفر الغطاء الشرعي السريع لكل التحولات الاجتماعية الكبرى التي تقودها السلطة (كتاب: زمن الصحوة، ص 260).
في الختام، يظهر التحليل النقدي أن استدعاء "فقه المقاصد" في الأدبيات السلفية المعاصرة لم يكن يهدف في الغالب إلى تحقيق تحرر حقيقي للمرأة أو اعترافاً بكينونتها كمواطن كامل الأهلية، بل ظل وسيلة لـ "التكييف الأيديولوجي" مع ضغوط الواقع أو أوامر السلطة. لقد كشفت القضايا المستجدة أن السلفية العلمية لا تزال أسيرة "فوبيا التغيير" التي تُقدّم سد الذرائع على كل مصلحة، بينما برهنت السلفية الحركية على أن مرونتها ليست سوى "تسييس للدين" لخدمة الكادر التنظيمي، في حين انتهت المدخلية إلى إفراغ المقاصد من معناها المستقل لتصبح صدى لقرارات البيروقراطية الرسمية.
إن مواجهة استحقاقات العصر لم تؤدِّ إلى "ثورة منهجية" في العقل السلفي، بل أنتجت "تعدداً في المخارج" يخدم بقاء هذه التيارات وتماسكها الوظيفي. وبناءً عليه، تظل المرأة في هذا الفكر تُعامل كـ "كتلة رمزية" يُراد تدجينها وضبط حركتها سواء بالمنع الفقهي أو التوظيف الحركي أو الإلحاق السياسي. إن الوصول إلى رؤية مقاصدية حقيقية يتطلب الانتقال من رؤية المرأة كـ "مشروع فتنة" أو "أداة دعوية" أو "رعية تابعة"، إلى الاعتراف بها كفاعل إنساني مستقل، يمتلك حقوقاً أصيلة نابعة من جوهر الكرامة الإنسانية التي هي المقصد الأسمى للشريعة، بعيداً عن تجاذبات السلطة وصراعات الهوية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...