تأملات فلسطينية في زمن النكبة المستمرة… والجيل الذي لم ينسَ
ليلٌ فلسطيني قديم…
ريحٌ خفيفة تمرّ فوق تلال الجليل،
امرأة تطفئ قنديل الكاز الأخير،
ورجل يعود متعبًا من الحقل،
بينما كانت القرى تنام مطمئنة،
كأن التاريخ لن يمرّ من هنا.
لفتا…
القسطل…
دير ياسين…
الطنطورة…
صفورية…
المالحة…
لوبية…
عين حوض…
سمخ…
إجزم…
سحماتا…
البروة…
الدوايمة…
اللد…
الرملة…
حطين…
صفد…
بيسان…
الناصرة…
حيفا…
يافا…
أسماء تبدو اليوم كأنها خارجة من كتاب أساطير قديم،
لكنها لم تكن أساطير.
كانت بلادًا كاملة.
بيوتًا من حجر.
شبابيك زرقاء.
أشجار تين.
أطفالًا يركضون حفاة بين البيارات.
أعراسًا طويلة تحت القمر.
ومقابر كان أهلها يعتقدون أنهم سيُدفنون قربها بهدوء بعد عمر طويل.
ثم…
دخلت النكبة.
لا كحادث عابر،
بل كمشروع كامل لإعادة تشكيل المكان والإنسان والذاكرة.
لم يكن الهدف احتلال الأرض فقط،
بل اقتلاع الفلسطيني منها…
ثم اقتلاعها منه.
ولهذا لم يهدموا البيوت وحدها،
بل الأسماء أيضًا.
غيّروا أسماء القرى.
زرعوا غابات فوق الركام.
أخفوا المقابر.
وحاولوا تحويل فلسطين كلها إلى رواية ناقصة،
يظهر فيها القاتل ضحية،
ويتحول الضحية إلى متهم.
في ذلك الزمن…
كان القاتل ما يزال يخاف من صورته أمام العالم.
كان يخفي المذابح.
ويخفي الوثائق.
ويبحث دائمًا عن رواية تبرر الدم.
أما اليوم…
فالمشهد صار أكثر رعبًا.
لم تعد النكبة ذكرى بعيدة،
بل نظامًا مستمرًا يعمل كل يوم.
كل نكبة جديدة تُصنع كي تُنسي الفلسطيني نكبته الأولى.
لكن ما لم يفهمه الاحتلال،
أن النكبات المتتالية لم تمحُ الذاكرة…
بل عمّقتها.
أمس فقط…
في غزة،
كانت الطائرات تقصف من جديد،
تقتل أطفالًا ونساءً وعائلات كاملة،
ثم يخرج القاتل أمام العالم ليقول ببرود:
“كنا نستهدف قائدًا.”
وفي الضفة،
كان المستوطنون يدخلون القرى الفلسطينية تحت حماية الجيش،
يحرقون البيوت،
ويكسرون السيارات،
ويقتلعون الأشجار،
كأن دير ياسين لم تنتهِ،
بل تبدّل شكلها فقط.
ثمانية وسبعون عامًا…
والنكبة ما زالت تتحرك.
لكن الأخطر…
أن الاحتلال لم يعد يحاول إخفاءها.
في الماضي،
كانوا إذا ارتكبوا مجزرة،
بحثوا عن كذبة.
عن رواية.
عن مبرر.
عن “مختل نفسي”.
عن “خطأ فردي”.
أما اليوم…
فالجريمة تُصوَّر وتُبثّ مباشرة.
جنود يضحكون فوق الركام.
مستوطنون يصورون الحرق بهواتفهم.
قتلة يرسلون صور الدمار لعائلاتهم،
كما لو أنهم عادوا من رحلة صيد.
لقد سقط القناع.
وسقطت معه الرواية القديمة التي حاولت لعقود أن تقنع العالم،
أن هذا الكيان مجرد “ديمقراطية صغيرة تدافع عن نفسها”.
لكن التحول الأخطر لم يكن هنا فقط.
بل في شعوب العالم نفسها.
في الجامعات الأمريكية.
في شوارع أوروبا.
في الفنانين والكتاب والطلاب.
في الناس العاديين الذين بدأوا يشاهدون الحقيقة بلا وسيط.
ولأول مرة منذ عقود،
لم يعد السؤال:
“لماذا يقاوم الفلسطيني؟”
بل:
“كيف استطاع العالم أن يصدق هذه الرواية كل هذا الزمن؟”
ورغم ذلك…
فإن هذا الكيان لا يبدو خائفًا من صورته.
كأنه وصل إلى قناعة مرعبة:
أن القوة وحدها تكفي،
حتى لو سقط القناع بالكامل.
ولذلك…
لم يكتفِ بتغيير الجغرافيا.
حاول أيضًا إعادة تشكيل المنطقة كلها.
تطبيع.
إعلام.
خوف.
قمع.
إعادة هندسة للوعي العربي.
حتى بدا أحيانًا،
أن المنطقة كلها تُدفع كي تنسى فلسطين بالتدريج.
لكن المفارقة التي لم يفهموها…
أن الفلسطيني نفسه لم ينسَ.
بل صار أكثر تمسكًا بفلسطينه الأولى.
كل بيت يُقصف في غزة…
يعيد للفلسطيني بيتًا قديمًا في يافا.
كل شهيد طفل…
يعيد صورة الطفل الذي خرج حافيًا من اللد أو صفد أو بيسان عام 1948.
كل شجرة زيتون تُقتلع…
توقظ ذاكرة الأرض الأولى.
ولهذا فشل رهانهم الأكبر:
“الكبار يموتون…
والصغار ينسون.”
لأن الصغار لم ينسوا.
بل ورثوا الذاكرة كاملة.
ورثوا أسماء القرى.
ورائحة البرتقال.
والمفاتيح القديمة.
وذلك الحزن الفلسطيني العميق،
كأنه شيء يولد مع الطفل قبل أن يتعلم الكلام.
ورغم كل هذا الخراب…
فإن شيئًا آخر كان يولد في العالم أيضًا.
شيء لم يكن الاحتلال يتوقعه بالكامل.
في كل مرة كانت غزة تُحاصر،
كان بحرٌ ما يتحرك.
سفن صغيرة…
يحملها متطوعون وشباب ونساء ورجال جاءوا من أماكن بعيدة،
لا تربطهم بفلسطين لغة،
ولا دين،
ولا قرابة دم.
جاؤوا لأن شيئًا في إنسانيتهم لم يحتمل المشهد.
“أسطول الحرية” لم يكن مجرد سفن تحاول كسر الحصار.
كان إعلانًا أخلاقيًا أمام العالم كله،
أن فلسطين لم تعد قضية شعب وحده،
بل اختبارًا لإنسانية البشر أنفسهم.
شباب من أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية وآسيا،
يعرفون أنهم قد يُعتقلون،
ويُضربون،
ويُهانون،
وتُكسر كرامتهم الإنسانية،
وربما يُقتلون…
ومع ذلك يعودون.
قافلة بعد أخرى.
وسفينة بعد أخرى.
كأنهم،
بطريقتهم الخاصة،
أصبحوا يشبهون الفلسطيني نفسه.
ذلك الإنسان الذي يُهدم بيته،
ثم يعود ليبني خيمة.
تُقصف مدينته،
ثم يخرج من الركام حاملاً طفلًا وراية.
يُدفن أحباؤه،
ثم يعود ليزرع شجرة زيتون جديدة.
ولهذا…
ربما أخطأ الاحتلال مرة أخرى في فهم العالم.
ظنّ أن القوة قادرة على إخافة الجميع،
لكن ما حدث أن غزة،
رغم المجازر والإبادة والحصار،
أعادت إيقاظ شيء عميق داخل ملايين البشر:
الإحساس الفطري بالعدالة.
ولهذا…
لم تعد فلسطين فقط قضية شعب يقاوم من أجل وطنه،
بل صارت أيضًا مرآة أخلاقية للعالم كله.
ومن يقف اليوم على سفينة صغيرة في مواجهة البوارج،
ليس بعيدًا كثيرًا عن ذلك الفلسطيني الذي يقف أعزل أمام دبابة،
ويعرف أنه قد يُهزم جسديًا…
لكنه يرفض أن يُهزم روحيًا.
ولهذا…
حين تدخل اليوم إلى أي تجمع فلسطيني،
وتنظر في وجوه الشباب،
تشعر أن فلسطين التاريخية لم تعد مجرد خريطة،
بل حالة وعي كاملة.
وهنا…
يصبح السؤال أكبر من السياسة نفسها.
هل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية،
وخصوصًا فتح،
أن تلتقط هذه اللحظة؟
هل يستطيع الجيل الجديد داخلها،
ذلك الجيل الذي عاش أوسلو والانقسام والتطبيع والحصار والحروب،
أن يعيد الحركة إلى فكرتها الأولى؟
إلى الوطن الكامل…
لا إلى سلطة محكومة بأوامر الاحتلال.
إلى روح التحرر…
لا إدارة الحياة تحت السقف الإسرائيلي.
لأن أخطر ما حاول الاحتلال فعله،
لم يكن فقط احتلال الأرض،
بل تحويل الفلسطيني، بالتدريج،
من صاحب وطن…
إلى موظف داخل واقع صنعه عدوه.
لكن شيئًا ما يتحرك الآن…
هذا الجيل الذي شاهد غزة تُذبح على الهواء،
ورأى المستوطن يحرق القرى تحت حماية الجيش،
وشاهد العالم يتغير،
لا يبدو أنه مستعد للنسيان.
وربما…
إذا استطاع هذا الجيل أن يعيد وصل الحركة بشعبها،
ووصل السياسة بالوطن،
ووصل فتح بروحها الأولى…
فلن يتغير مؤتمر فقط.
بل قد يعود الفلسطيني،
بعد كل هذا الزمن،
إلى فكرته الأولى.
إلى فلسطين التي ظنوا أنها ماتت.
تلك القرى التي حاولوا دفنها تحت الغابات،
ما زالت تمشي بين الناس.
وما دام الفلسطيني يقول:
“هذه بلادنا”…
فإن النكبة،
رغم استمرارها،
فشلت في هدفها الأخير.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
ليلٌ فلسطيني قديم…
ريحٌ خفيفة تمرّ فوق تلال الجليل،
امرأة تطفئ قنديل الكاز الأخير،
ورجل يعود متعبًا من الحقل،
بينما كانت القرى تنام مطمئنة،
كأن التاريخ لن يمرّ من هنا.
لفتا…
القسطل…
دير ياسين…
الطنطورة…
صفورية…
المالحة…
لوبية…
عين حوض…
سمخ…
إجزم…
سحماتا…
البروة…
الدوايمة…
اللد…
الرملة…
حطين…
صفد…
بيسان…
الناصرة…
حيفا…
يافا…
أسماء تبدو اليوم كأنها خارجة من كتاب أساطير قديم،
لكنها لم تكن أساطير.
كانت بلادًا كاملة.
بيوتًا من حجر.
شبابيك زرقاء.
أشجار تين.
أطفالًا يركضون حفاة بين البيارات.
أعراسًا طويلة تحت القمر.
ومقابر كان أهلها يعتقدون أنهم سيُدفنون قربها بهدوء بعد عمر طويل.
ثم…
دخلت النكبة.
لا كحادث عابر،
بل كمشروع كامل لإعادة تشكيل المكان والإنسان والذاكرة.
لم يكن الهدف احتلال الأرض فقط،
بل اقتلاع الفلسطيني منها…
ثم اقتلاعها منه.
ولهذا لم يهدموا البيوت وحدها،
بل الأسماء أيضًا.
غيّروا أسماء القرى.
زرعوا غابات فوق الركام.
أخفوا المقابر.
وحاولوا تحويل فلسطين كلها إلى رواية ناقصة،
يظهر فيها القاتل ضحية،
ويتحول الضحية إلى متهم.
في ذلك الزمن…
كان القاتل ما يزال يخاف من صورته أمام العالم.
كان يخفي المذابح.
ويخفي الوثائق.
ويبحث دائمًا عن رواية تبرر الدم.
أما اليوم…
فالمشهد صار أكثر رعبًا.
لم تعد النكبة ذكرى بعيدة،
بل نظامًا مستمرًا يعمل كل يوم.
كل نكبة جديدة تُصنع كي تُنسي الفلسطيني نكبته الأولى.
لكن ما لم يفهمه الاحتلال،
أن النكبات المتتالية لم تمحُ الذاكرة…
بل عمّقتها.
أمس فقط…
في غزة،
كانت الطائرات تقصف من جديد،
تقتل أطفالًا ونساءً وعائلات كاملة،
ثم يخرج القاتل أمام العالم ليقول ببرود:
“كنا نستهدف قائدًا.”
وفي الضفة،
كان المستوطنون يدخلون القرى الفلسطينية تحت حماية الجيش،
يحرقون البيوت،
ويكسرون السيارات،
ويقتلعون الأشجار،
كأن دير ياسين لم تنتهِ،
بل تبدّل شكلها فقط.
ثمانية وسبعون عامًا…
والنكبة ما زالت تتحرك.
لكن الأخطر…
أن الاحتلال لم يعد يحاول إخفاءها.
في الماضي،
كانوا إذا ارتكبوا مجزرة،
بحثوا عن كذبة.
عن رواية.
عن مبرر.
عن “مختل نفسي”.
عن “خطأ فردي”.
أما اليوم…
فالجريمة تُصوَّر وتُبثّ مباشرة.
جنود يضحكون فوق الركام.
مستوطنون يصورون الحرق بهواتفهم.
قتلة يرسلون صور الدمار لعائلاتهم،
كما لو أنهم عادوا من رحلة صيد.
لقد سقط القناع.
وسقطت معه الرواية القديمة التي حاولت لعقود أن تقنع العالم،
أن هذا الكيان مجرد “ديمقراطية صغيرة تدافع عن نفسها”.
لكن التحول الأخطر لم يكن هنا فقط.
بل في شعوب العالم نفسها.
في الجامعات الأمريكية.
في شوارع أوروبا.
في الفنانين والكتاب والطلاب.
في الناس العاديين الذين بدأوا يشاهدون الحقيقة بلا وسيط.
ولأول مرة منذ عقود،
لم يعد السؤال:
“لماذا يقاوم الفلسطيني؟”
بل:
“كيف استطاع العالم أن يصدق هذه الرواية كل هذا الزمن؟”
ورغم ذلك…
فإن هذا الكيان لا يبدو خائفًا من صورته.
كأنه وصل إلى قناعة مرعبة:
أن القوة وحدها تكفي،
حتى لو سقط القناع بالكامل.
ولذلك…
لم يكتفِ بتغيير الجغرافيا.
حاول أيضًا إعادة تشكيل المنطقة كلها.
تطبيع.
إعلام.
خوف.
قمع.
إعادة هندسة للوعي العربي.
حتى بدا أحيانًا،
أن المنطقة كلها تُدفع كي تنسى فلسطين بالتدريج.
لكن المفارقة التي لم يفهموها…
أن الفلسطيني نفسه لم ينسَ.
بل صار أكثر تمسكًا بفلسطينه الأولى.
كل بيت يُقصف في غزة…
يعيد للفلسطيني بيتًا قديمًا في يافا.
كل شهيد طفل…
يعيد صورة الطفل الذي خرج حافيًا من اللد أو صفد أو بيسان عام 1948.
كل شجرة زيتون تُقتلع…
توقظ ذاكرة الأرض الأولى.
ولهذا فشل رهانهم الأكبر:
“الكبار يموتون…
والصغار ينسون.”
لأن الصغار لم ينسوا.
بل ورثوا الذاكرة كاملة.
ورثوا أسماء القرى.
ورائحة البرتقال.
والمفاتيح القديمة.
وذلك الحزن الفلسطيني العميق،
كأنه شيء يولد مع الطفل قبل أن يتعلم الكلام.
ورغم كل هذا الخراب…
فإن شيئًا آخر كان يولد في العالم أيضًا.
شيء لم يكن الاحتلال يتوقعه بالكامل.
في كل مرة كانت غزة تُحاصر،
كان بحرٌ ما يتحرك.
سفن صغيرة…
يحملها متطوعون وشباب ونساء ورجال جاءوا من أماكن بعيدة،
لا تربطهم بفلسطين لغة،
ولا دين،
ولا قرابة دم.
جاؤوا لأن شيئًا في إنسانيتهم لم يحتمل المشهد.
“أسطول الحرية” لم يكن مجرد سفن تحاول كسر الحصار.
كان إعلانًا أخلاقيًا أمام العالم كله،
أن فلسطين لم تعد قضية شعب وحده،
بل اختبارًا لإنسانية البشر أنفسهم.
شباب من أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية وآسيا،
يعرفون أنهم قد يُعتقلون،
ويُضربون،
ويُهانون،
وتُكسر كرامتهم الإنسانية،
وربما يُقتلون…
ومع ذلك يعودون.
قافلة بعد أخرى.
وسفينة بعد أخرى.
كأنهم،
بطريقتهم الخاصة،
أصبحوا يشبهون الفلسطيني نفسه.
ذلك الإنسان الذي يُهدم بيته،
ثم يعود ليبني خيمة.
تُقصف مدينته،
ثم يخرج من الركام حاملاً طفلًا وراية.
يُدفن أحباؤه،
ثم يعود ليزرع شجرة زيتون جديدة.
ولهذا…
ربما أخطأ الاحتلال مرة أخرى في فهم العالم.
ظنّ أن القوة قادرة على إخافة الجميع،
لكن ما حدث أن غزة،
رغم المجازر والإبادة والحصار،
أعادت إيقاظ شيء عميق داخل ملايين البشر:
الإحساس الفطري بالعدالة.
ولهذا…
لم تعد فلسطين فقط قضية شعب يقاوم من أجل وطنه،
بل صارت أيضًا مرآة أخلاقية للعالم كله.
ومن يقف اليوم على سفينة صغيرة في مواجهة البوارج،
ليس بعيدًا كثيرًا عن ذلك الفلسطيني الذي يقف أعزل أمام دبابة،
ويعرف أنه قد يُهزم جسديًا…
لكنه يرفض أن يُهزم روحيًا.
ولهذا…
حين تدخل اليوم إلى أي تجمع فلسطيني،
وتنظر في وجوه الشباب،
تشعر أن فلسطين التاريخية لم تعد مجرد خريطة،
بل حالة وعي كاملة.
وهنا…
يصبح السؤال أكبر من السياسة نفسها.
هل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية،
وخصوصًا فتح،
أن تلتقط هذه اللحظة؟
هل يستطيع الجيل الجديد داخلها،
ذلك الجيل الذي عاش أوسلو والانقسام والتطبيع والحصار والحروب،
أن يعيد الحركة إلى فكرتها الأولى؟
إلى الوطن الكامل…
لا إلى سلطة محكومة بأوامر الاحتلال.
إلى روح التحرر…
لا إدارة الحياة تحت السقف الإسرائيلي.
لأن أخطر ما حاول الاحتلال فعله،
لم يكن فقط احتلال الأرض،
بل تحويل الفلسطيني، بالتدريج،
من صاحب وطن…
إلى موظف داخل واقع صنعه عدوه.
لكن شيئًا ما يتحرك الآن…
هذا الجيل الذي شاهد غزة تُذبح على الهواء،
ورأى المستوطن يحرق القرى تحت حماية الجيش،
وشاهد العالم يتغير،
لا يبدو أنه مستعد للنسيان.
وربما…
إذا استطاع هذا الجيل أن يعيد وصل الحركة بشعبها،
ووصل السياسة بالوطن،
ووصل فتح بروحها الأولى…
فلن يتغير مؤتمر فقط.
بل قد يعود الفلسطيني،
بعد كل هذا الزمن،
إلى فكرته الأولى.
إلى فلسطين التي ظنوا أنها ماتت.
تلك القرى التي حاولوا دفنها تحت الغابات،
ما زالت تمشي بين الناس.
وما دام الفلسطيني يقول:
“هذه بلادنا”…
فإن النكبة،
رغم استمرارها،
فشلت في هدفها الأخير.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي