في استعادة الأسطورة وبناء الهوية

في استعادة الأسطورة وبناء الهوية
أحمد رجب شلتوت
في مجموعتها القصصية الجديدة "أوجات" تتعامل الكاتبة "منة الله سامي" مع الميثولوجيا الفرعونية باعتبارها لغة وجودية كاملة، تمتزج فيها فكرة الخلق بالموت، والخصب بالعنف، والبعث بالفقد. وبحسب تقديم الدكتور "عبد البديع عبد الله" فالكاتبة تحاول ملء الفراغ ما بين النصين، النص القديم والنص الحديث، حين تعيد إنتاج الأسطورة سرديًا وشعوريًا.
تتميز المجموعة بالتداخل الكثيف بين النصوص، فالقصة تنطلق من المرجعية الفرعونية، وتستدعي نصوصًا من التوراة والإنجيل والقرآن، إلى جانب مقاطع من الشعر العالمي والعربي، وكأن الكاتبة تقول إن الأساطير الكبرى ليست سوى صيغ مختلفة للحيرة البشرية ذاتها.
ففي قصة "آتوم-رع" مثلًا يتجاور نص سفر التكوين مع نصوص التوابيت المصرية والآيات القرآنية في بنية تناصية واسعة، تمنح القصص طابعًا طقسيًا، يجعل القراءة نفسها أشبه بالمشاركة في شعيرة قديمة. وهنا يبدو أن الكاتبة تعيد وصل الهوية المصرية بجذورها الرمزية وليس التاريخية فقط.
ومن أهم السمات الفنية في "أوجات" أن الشخصيات تظهر كتجليات لقوى كونية: الخير، الشر، الخصب، الغيرة، الفوضى، الحماية، الانتقام. ولهذا فإن "ست" ليس مجرد أخ شرير، ولكنه يمثل طاقة الفوضى والرغبة في انتزاع السلطة، بينما يمثل "أوزير" نظام العالم واستمرارية الخصب، أما "إيزيس" فهي الحارسة للحياة والبعث.
في قصة "أوزير" تمنح الكاتبة للأسطورة المعروفة، كثافة وجدانية واضحة. فغيرة «ست» تجسيد لإحساس وجودي بالإقصاء، يعترف: "لا شأن لي بهذا. طالما لم يستجب والدي جب وأمي نوت لمطالبي فسأسحق هذا الأوزير"، هنا نسمع صوت الرغبة الجارفة في الاستحواذ، قبل أن تتحول إلى عنف كوني يهدد توازن العالم. لكنه رغم ذلك يظل جزءًا من دورة الكون، وله وظيفة داخل النظام الكوني، وهو ما يظهر في تردد "رع" في استبعاده لأنه يحمي مركب الشمس من قوى الظلام.
أما "إيزيس" فهي الشخصية الأكثر حضورًا إنسانيًا في المجموعة. إنها الأم والعاشقة والحامية. تبحث عن أشلاء أوزير في كل مكان، وتتحول إلى طائر أسطوري يعيد الحياة إلى الجسد الميت. وفي هذا المشهد تحديدًا تبلغ المجموعة ذروتها الشعرية، إذ يتحول الحب إلى قوة تنتصر على الموت نفسه.
وتتكرر فكرة البعث في أكثر من قصة، لكنها تأتي باعتبارها دورة أبدية من الانكسار والعودة. ففي قصة "طقس فتح الفم" يصبح الطقس الجنائزي استعارة لاستمرار الحياة عبر الموت. أنوبيس وحورس يعيدان فتح فم أوزير ليعود إلى الوجود، وتكشف هذه القصة عن قدرة الكاتبة على تحويل الطقس الديني إلى بنية سردية. فالحدث يقوم على التدرج الشعائري: التحنيط، التعاويذ، استدعاء الروح، استعادة الجسد، ثم الصعود إلى السماء. كل شيء يتحرك وفق إيقاع احتفالي يقترب من المسرح الطقسي.
ومن الحب بوصفه قوة بعث، تنتقل المجموعة إلى الجسد باعتباره ساحة للصراع الكوني، فالجسد هنا وعاء للقداسة والرغبة والخيانة والبعث. جسد أوزير الممزق يتحول إلى خريطة مقدسة لمصر، وعينا حورس المقتلعتان تصبحان رمزًا لدورة القمر والتجدد. وفي هذا السياق تكتسب "أوجات" دلالة مركزية داخل المجموعة. فهي ليست مجرد رمز فرعوني شهير، بل استعارة للرؤية المستعادة بعد العتمة، فحين تُقتلع عين حورس يحل الظلام، وحين يعيدها تحوت يعود الضوء للعالم.
والمكان في المجموعة فضاء أسطوري، النيل، الدلتا، أبيدوس، النوبة، السماء، كلها أماكن تتحول إلى خرائط روحية. حتى الماء يظهر بوصفه أصل الخلق وأداة البعث، ففي قصة "آتوم-رع" ينبثق الكون من نون؛ المياه الأزلية المظلمة التي تخرج منها الحياة الأولى.
ومن الأمور اللافتة في المجموعة أنها لا تسعى إلى تحديث الأسطورة قسرًا عبر إسقاطات مباشرة على الواقع المعاصر، بل تترك الأسطورة تعمل بطاقتها الخاصة. ومع ذلك يمكن للقارئ أن يرى انعكاسات معاصرة كثيرة: صراع السلطة، الخيانة، البحث عن العدالة، الخوف من الفوضى، التعلق بفكرة الخلود، الحاجة إلى المعنى، وهنا تبدو اللغة عنصرًا حاسمًا. فهي لغة مشبعة بالشاعرية، تعتمد على الصورة والإيقاع والتكرار والتوازي. ففي قصة "سحر الوردة" مثلًا يتحول المشهد إلى لوحة بصرية كثيفة، "تمد يدها إليه بوردة حمراء قانية. وأمام ذهول الشعب يأخذ الملك الوردة. تدمي شوكتها إصبعه. يسري في دمه سحرها"، إنه مشهد يقوم على الإغواء البصري أكثر مما يقوم على الفعل الحكائي.
غير أن هذه اللغة الشعرية الكثيفة قد تتحول أحيانًا إلى عبء على السرد، خاصة حين تتراكم الاقتباسات أو تتوالى الأسماء الأسطورية بكثافة تجعل القارئ غير المتخصص بحاجة إلى معرفة مسبقة بالميثولوجيا المصرية. واهتمامها بالإيقاع الاحتفالي أدي أحيانا إلى تكرار الصيغ فضلا عن كثافة النداءات والتعاويذ، فتراجع الحدث لصالح الطقس، وبدت بعض القصص أقرب إلى "ترتيل أسطوري" منها إلى قصة قصيرة.
وأخيرا فالمجموعة تنجح في استعادة الحس الكوني للحضارة المصرية القديمة؛ ذلك الحس الذي يرى الإنسان جزءًا من دورة شاملة تضم الشمس والنيل والنجوم والموتى والآلهة. لذلك تبدو الشخصيات دائمًا مرتبطة بعناصر الطبيعة: رع بالشمس، نوت بالسماء، أوزير بالنبات والخصب، ست بالعاصفة والصحراء، ورغم ذلك فهي ليست مجرد مجموعة عن الآلهة المصرية، بل عن الإنسان وهو يحاول مقاومة الفناء عبر الحكاية. ولهذا تتكرر فكرة الخلود في معظم القصص، سواء عبر التحنيط أو البعث أو التحول أو الاتحاد بالطبيعة. فكل هذه الطقوس والأساطير والتعاويذ ليست إلا محاولة لإقناع الموت بالتراجع قليلًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...