الشعرلايولد في الابراج العالية !!

إن الشعر في جوهره ليس قالب لغوي بل هو شكلٌ من أشكال النجاة هو محاولة الإنسان أن يفهم نفسه عبر الكلمات وأن يرمم هشاشته بالمعنى ولهذا، فالشاعر لا يحتاج فقط إلى موهبة بل إلى أدوات ذهنية ولغوية تشبه عدة المسافر في طريق طويل
من اولى هذه الأدوات: التأمل
الشاعر الذي لا يتأمل، يشبه من يحمل قيثارة بلا أوتار التأمل ليس مجرد النظر إلى الأشياء، بل الغوص فيها أن ترى المطر فلا تراه ماءً فقط، بل رسالة عودة وأن ترى الغروب فلا تراه نهاية يوم، بل درسًا هادئًا في فن الرحيل. الشعر يبدأ حين يتوقف الإنسان عن العبور السريع ويمنح الأشياء فرصة أن تتحدث
ثم يلي التأمل الإصغاء ليس فقط للناس، بل للشارع، للريح، لصوت الأمكنة، وللصمت نفسه. أحيانًا تولد القصيدة من كلمة عابرة قالها عجوز في السوق أومن تنهيدة أم عند نافذة المساء. الشاعر الجيد لا يسمع الأصوات فقط، بل يسمع ما وراءها
أما الأداة الثالثة فهي اللغة وهذه ليست مفردات محفوظة بل علاقة حميمة مع الكلمات يجب على الشاعر أن يحب اللغة كما يحب وطنه، أن يعرف ظلال الكلمات لا معانيها فقط، وأن يدرك أن الفرق بين مفردتين متشابهتين قد يكون الفرق بين قصيدة حية ونص بارد القراءة هنا تصبح ضرورة. قراءة الشعر القديم والحديث، القرآن، النثر الرفيع، الرسائل، وحتى الحكايات الشعبية لأن اللغة تنمو بالمخالطة لا بالعزلة
ثم تأتي أداة الصورة الشعرية وهي قلب القصيدة النابض. أن تقول: حزنتُ أمر عادي، لكن أن تقول: كان قلبي مساءً مهجورًا فهنا يبدأ الشعر الصورة ليست زينة بل كشفٌ جديد للحقيقة طريقة مختلفة لرؤية الألم والفرح والحنين
ولا يقل عن ذلك أهمية الصدق
أخطر ما يقتل الشعر هو التصنّع القارئ يشعر فورًا حين تكون القصيدة مجرد استعراض لغوي الشعر لا يحتاج إلى كلمات فخمة بقدر حاجته إلى روح صادقة. بيت بسيط خرج من قلب صادق قد يهزم قصيدة كاملة من الزخرفة الباردة
ومن النصائح العملية التي يحتاجها كل شاعر: أن يكتب كثيرًا، ثم يمزق كثيرًا. ليست كل كتابة تستحق البقاء. أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية في حذف أجمل سطر إذا كان لا يخدم النص. المراجعة ليست خيانة للإلهام، بل احترام له
كذلك، على الشاعر أن يعيش، لا أن ينعزل عن الحياة تمامًا. فالشعر لا يولد في الأبراج العالية فقط بل في الحافلات المزدحمة، في طوابير الانتظار، في الخسارات الصغيرة، وفي الحب الذي لا يكتمل. الحياة نفسها هي المعجم الأكبر
وفي النهاية، الشاعر ليس من يكتب قصيدة، بل من يرى العالم بطريقة لا يستطيع بعدها أن يصمت. الشعر ليس مهنة، بل طريقة وجود أن تمشي في الأرض وقلبك يحمل سؤالًا دائمًا، وأن تؤمن أن الكلمات ليست مجرد أصوات، بل جسور بين الإنسان ونفسه
ولهذا، فإن أعظم أداة يحتاجها الشاعر ليست القلم، بل القلب الذي ما زال قادرًا على الدهشة لأن القصيدة الحقيقية لا تُخلق من البلاغة وحدها، بل من إنسان ما زال، رغم كل شيء يشعر !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...