د. حسام عقل - رواية عدالة الذئاب شهادة روائية شجاعة وجسورة تنخرط بوعي واقتدار في "أدب المقاومة الفكرية"

أولًا: في مقاربة الثيمة والموضوع (جدّة الفكرة، الآخر، والجيوسياسية الأدبية)

"تتبدى الرواية بوصفها امتدادًا طليعيًا لجماليات "المثاقفة الحضارية" وتفكيك مفهوم "الآخر"؛ حيث يشتبك المتخيل السردي لدى أحمد عبد الله إسماعيل مع فضاءات التماس والتباعد بين الأنا العربية/المصرية والمركزية الأوروبية. غير أن الكاتب لا يقف عند حدود الثنائية التقليدية (شرق/غرب)، بل يعمد إلى توسيع الأفق الجيوسياسي للنص؛ ليرصد بعين ناقدة آليات التغلغل الصهيوني في النسيج الثقافي والسياسي الأوروبي. إن هذا الوعي يمنح الرواية وعيًا حرجًا بالراهن، وينأى بها عن النمطية، محولاً الصراع الثقافي، الديني، والإنساني (العربي/الإسرائيلي، المسلم/غير المسلم) إلى مواجهة وجودية تعيد كشف القوى المحركة للمشهد العالمي وتجلياته."

ثانيًا: في البنية الروائية (زمنية السرد وشعرية اليوميات)
"يتأسس المعمار البنائي للنص على تداخل أجناسيّ حاذق يتواشج فيه "المعمار الروائي" مع "شعرية أدب اليوميات". يعتمد الروائي تقنية "التأطير الزمني المنضبط" عبر تصدير الفصول بالتواريخ (الشهر والسنة)، وهي استراتيجية سردية تنقل النص من فضاء التخييل المطلق إلى أفق "الوثيقة الفنية". هذا التوثيق الزمني يمنح المتن السردي ثقلاً تاريخيًا وواقعية موضوعية، مما يتيح للقارئ معايشة الأحداث بوصفها زمنًا حيًا ومتدفقًا، ويجعل من البنية الزمنية أداة لترسيخ الذاكرة ومقاومة النسيان."

ثالثًا: في سيميائية العتبات (شعرية الإهداء ومفاتيح النص)
"يمثل الإهداء في هذا العمل "عتبة نصية دالة" تكتنز بطاقات سيميائية بالغة الكثافة. إن توجيه الخطاب إلى "المخيمات المكشوفة" يجاوز كونه لفتة وجدانية ليصبح "مستنسخًا تاريخيًا يستدعي فورًا جغرافيا المقاومة وأيقوناتها (كخان يونس ودير البلح). لقد نجح الراوي ببراعة لافتة في توظيف هذه العتبة كشفرة استباقية تومض بطبيعة الصراع الوجودي القادم؛ إذ يشكل الإهداء هنا بؤرة تكثيف موضوعي تختزل القضية، وتعد القارئ معرفيًا ونفسيًا لولوج عالم الرواية، محولةً المأساة الواقعية إلى منطلق للملحمة السردية."

تناول الرياضة في السياق الروائي بوصفها مظهرًا من مظاهر "القوة الناعمة" (Soft Power) وأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وتفكيك الحواجز الثقافية.

ينعطف المتخيل السردي عند أحمد عبد الله إسماعيل في هذه الرواية نحو أفقٍ دلالي جديد، متجاوزًا أدواته التقليدية المعهودة كالإعلام، والميديا، والمثاقفة النخبوية، ليتخذ من "الرياضة" حقلًا سيميائيًا ومساحةً حيوية لتجليات "القوة الناعمة" (Soft Power) وأثرها الجيوسياسي والثقافي.
إن اختيار الكاتب لنادٍ ذي حفرية تاريخية وأيديولوجية عميقة مثل (مكابي تل أبيب) - الذي تمتد جذوره إلى الحقبة العثمانية عام 1906 - ليس مجرد اتكاء على خلفية رياضية عابرة، بل هو اختيار واعٍ يسعى لتفكيك بنية الاختراق الصهيوني عبر قنوات الجذب الجماهيري.
وتتجلى عبقرية السرد هنا في إدراك "شعرية الساحرة المستديرة" بوصفها لغة عالمية عابرة للحدود، قادرة على إعادة صياغة الهويات وتجسير الفجوات النفسية بين الشعوب؛ تمامًا كما فعلت الظاهرة الرياضية (محمد صلاح) في الملاعب الإنجليزية، حيث تجاوز حدود الإنجاز الكروي ليصبح أيقونةً ثقافية بددت التنميط الغربي، وفرضت طقس السجود الإسلامي كرمزية حضارية مقبولة ومألوفة في قلب "الآنفيلد"، محولةً بؤرة الرؤية الغربية من إسلام التشدد إلى إسلام التسامح والإنسانية.
وضمن هذا المنظور الثقافي الحرج، يغدو الصراع والتجاذب النفسي والوجودي الذي يعصف بشخصية (شلومو) ووالده قبل رحيله التراجيدي بالسرطان، ليس مجرد رِهانات أو منافسات رياضية فوق العشب الأخضر، بل هو تجسيد درامي لحراك القوة الناعمة؛ حيث تتحول الملاعب في الرواية إلى مسارح صراعٍ صامت تفكك الهويات المأزومة، وتكشف كيف يمكن للرياضة أن تكون أداة للهيمنة، أو، على النقيض، جسرًا للوعي والتحرر ومقاومة المحو."

قراءة شخصية "شلومو / سليمان" عبر تفكيك أبعادها النفسية وتحولاتها الهوياتية، ومقاربة استراتيجية الإزاحة السردية التي اعتمدها الكاتب بالتخلص من البطل الظاهري لصالح البطل الحقيقي تمثل قراءة بنيوية عميقة تفكك آليات التوجيه الموضوعي في النص.

"تتجسد شخصية "شلومو" في المتن السردي بوصفها "البطل الإشكالي" ومرتكز الدائرة الوجودية للرواية، متجاوزةً الحضور الظاهري لشخصية الأب (سمير).
وإن لجوء الروائي أحمد عبد الله إسماعيل إلى تقنية "الإزاحة السردية" بالتخلص من الأب عند خاصرة النص، لم يكن عبثًا دراميًا، بل استراتيجية بنائية واعية؛ فالراوي لم يهدف إلى صياغة سيرة بطل تراجيدي ينتهي بانتهاء حياته، بل أراد تتبع "امتداد الأثر" وعملية التخلق الهوياتي من خلال الابن الحامل لعبء "تمزق الولاءات" بين غواية الانتماء الصهيوني القسري وجاذبية الجذور العربية الأصيلة.
ويمثل "شلومو" البرزخ النفسي الذي جرت محاولات مستميتة لتجريده من مشاربه الحضارية وقيمه الروحية، لتأتي المفكرة المحترقة والوصية والذكريات التي تركها الأب الراحل بمثابة "مستند الهوية الأخير" وخط الدفاع المتبقي.
من هنا، يتخذ الحذف التدريجي للشخصيات من حول "شلومو" وتصفيتها وجوديًا دلالة تطهيرية؛ حيث يستبقي السرد في مشهده الختامي "سليمان" متوحدًا مع المفكرة. إن هذا التحول من (شلومو) العبراني المستلب إلى (سليمان) العربي العائد إلى ينابيعه الأولى، يعلن انتصار الذاكرة على المحو، ويجعل من البطل مستودعًا لآمال الأمة وصوتًا للعدالة المرتجاة وسط مخالب الذئاب."

هندسة الرواية، وهو ما يُعرف في النقد الحديث بـ "المعمارية السردية" ومدى اتساق الحجم الكمي للفصول مع تدفقها الدرامي.
تتأسس جغرافية النص الممتدة عبر مئة وثلاث وخمسين صفحة على تقسيم فصليّ يضم عشرون فصلاً، وهو ما يفتح بابًا لهذه "المشاكسة البنيوية" حول هندسة المعمار السردي ومدى مسوغات هذا التفتيت الكمي.
وتتجه القراءة النقدية الفاحصة نحو التوجس من "الإيغال في التقسيم"؛ إذ بدت بعض الفصول شديدة الاقتضاب، متقلصةً في مساحات لا تتجاوز الصفحتين أو الثلاث، الأمر الذي كان يمكن تجاوزه بدمج الوحدات الحكائية المتقاربة، ليكثف المعمار الروائي في خمسة عشر فصلاً على سبيل المثال، مما يمنح الفصول عمقًا فضائيًا أرحب يتسق مع ثقل الأطروحة.
ومع ذلك، فإن هذا التقطيع المشهدي لا يعدم مسوغاته الجمالية؛ إذ يتبدى بوصفه استراتيجية مقصودة لمنح المتلقي مساحات "لالتقاط الأنفاس السردية" وتأمل التدفق الدرامي. فالنص هنا يرفض أن يكون "دفقة شعورية واحدة" أو فيضًا متصلاً ينهمر بلا هوادة، بل آثر الكاتب تقديم الرواية عبر لوحات مشهدية متلاحقة، تجعل من البياض الفاصل بين الفصول وقفات تأملية ضرورية لمتابعة أنفاس الحكاية المتوترة، وموازنة الإيقاع بين صخب الملاعب الرياضية وأنين الذاكرة الجريحة."

"لغة الرواية ومستويات صراع القوة الناعمة والدبلوماسية الرقمية"
تُمثل فحصًا دقيقًا للمكون الأسلوبي والأيديولوجي في النص، وتنتقل بالعمل من مجرد سردية حكائية إلى "منظومة سيميائية" تفكك آليات الصراع المعاصر.

أولاً: لغة النص وشعرية الجمل المفتاحية (تفكيك الجغرافيا واستعادة الجذور)
"تكتظ الرواية بشبكة من "الجمل المفتاحية المشعة" التي تتحول في المتن السردي إلى بؤر تنويرية كاشفة؛ فوثيقة الروابط الإنسانية في وصية (سمير) لولده: "ابحث عن أهلك ولا تقطع حبال المودة"، تتجاوز النصح الأبوي العابر لتغدو بيانًا حرجًا يواجه استراتيجيات "الموجة الاستعمارية الجديدة" القائمة على تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ (وفق أدبيات التخطيط الغربي كمؤسسة راند). إن الكاتب، عبر لسان بطله التراجيدي، يطرح العروبة ليس كأيديولوجيا جامدة بل بوصفه "ملاذ وجودي وأصيل" تجب استعادته. ويتوج هذا التخلق الهوياتي بتحول (شلومو) العبراني إلى (سليمان) العربي، مستردًا عباءته الثقافية متدثرًا ب"الكوفية الفلسطينية"؛ تلك التي غدت سيمياء للمقاومة، والمنخرطة قسرًا في خوارزميات الحظر الرقمي العالمي، كجزء من حراك القوة الناعمة في صراع تاريخي حتمي."



ثانيًا: ثنائية المسميات وصراع الذاكرة التاريخية
"يعمد أحمد عبد الله إسماعيل إلى توظيف "جماليات التقابل السردي" بين ثنائيات دالة: (القدس/ جيروزاليم)، (الضفة وغزة/ يهودا والسامرة)، و(شلومو/ سليمان)؛ ليؤكد أن جوهر المواجهة ومحركها الأساسي هو "صراع الذاكرة والتاريخ"، حيث يسعى كل طرف لتكريس أطروحته كحق مطلق (المسجد الأقصى في مقابل الهيكل المزعوم). ويسفر هذا السجال الفكري والتاريخي عن لحظة تطهيرية حاسمة يعلن فيها البطل هويته الصادحة: "أهلي غزة"، وهي لازمة تعبيرية وتكرارية شجاعة، تقف جدارًا منيعًا في وجه أطروحات المحو والطمس الجغرافي والثقافي التي تسعى لتحويل غزة من أرض للمقاومة إلى "ريفييرا" منزوعة الهوية؛ حيث آثر الكاتب هنا الصدمة والمكاشفة وعزف عن المواربة أو التخفي وراء البلاغة الكنائية."
ثالثًا: تورية الختام وفضاء المعركة الرقمية (الحرب الفضائية والأبوة السلالية)
"يتجلى ذكاء الروائي في الخاتمة عبر اتكائه على "تورية سياسية حادة" في عبارة: "رفضتُ العيش في بيتٍ اغتصبَه نيتانياهو"؛ فاسم نيتانياهو هنا يحمل مستويين: مستوى حكائيًا داخليًا يرتبط بإحدى شخصيات العمل، ومستوى إسقاطيًا بعيدًا يحيل مباشرة إلى العقيدة "الليكودية" وآلتها الحربية. وفي هذا المقطع، ينتفض (سليمان) ممزقًا ولاءاته الزائفة، مستردًا أصله العربي بعد أن حسم القضاء معركة نسبه وحمضه النووي (DNA). ويحمل هذا الرباط السلالي أبعادًا رمزية عميقة تؤكد "التلاحم العضوي بين صوت الابن وإرث الآباء"، مانعًا أي فصام بين الجيل الراهن وجذوره التاريخية."
رابعًا: الدبلوماسية الرقمية وغياب العتاد العسكري (حروب الجيل الخامس)
"تتميز الرواية بوعي حداثي متقدم في معالجة الحروب المعاصرة؛ إذ تشهد البنية السردية "غيابًا محمودًا للترسانة العسكرية التقليدية" - فلا بوارج، ولا مقاتلات شبح، ولا أحزمة ناسفة - ليغدو (الفضاء الأزرق الافتراضي) هو المسرح الكوني الحقيقي للمعركة. ترصد الرواية الاشتباك الضاري بين "اللجان الإلكترونية المدفوعة والأجهزة الافتراضية" (كمشروع إستر الاستخباري) التي تتقن تزييف الوعي والتشهير، وبين "الوعي الجمعي العربي والدولي الصادق" الذي ينتصف للحقيقة.
إن نجاح (سمير) في كسب المعركة الافتراضية وإثبات نسب ولده عبر منشور رقمي تنهال عليه التأييدات، يمثل انتصارًا للحق الأدبي والمعنوي، ومحاكاة دقيقة للتحولات الجيوسياسية الراهنة التي أقر بها صانع القرار الغربي نفسه؛ حيث بدأ الرأي العام العالمي ينحاز لعدالة القضية بفعل دماء التضحيات. وبهذا، تؤكد الرواية عبر خيوطها المنسوجة بذكاء أن الصراع الراهن صراع محوره التاريخ، ومسرحه الفضاء الرقمي، وسلاحه الأقوى هو القوة الناعمة."

"الرمزية، والجماليات الأسلوبية، والتحولات الهوياتية للشخصيات"
هذه النقطة تضع رواية "عدالة الذئاب" في مصاف الأعمال الأدبية الملتزمة التي تتقن توظيف "المثاقفة الحِجاجية" والأبعاد السيميائية.
أولاً: الأداء الأسلوبي واللغوي (بين جزالة اللفظ ورحيق الروح الشعبية)
يتسم الأداء اللغوي لدى الروائي أحمد عبد الله إسماعيل بنوعٍ من "الجزالة العصرية" أو الفحولة المبرأة من التقعر؛ فهو نص يقف ببراعة في "منطقة الأعراف" الأدبية بين صون هيبة المفردة العربية الرصينة وسلاستها القادرة على جذب المتلقي المعاصر، نائيًا تمامًا عن ابتذال المباشرة والتقريرية.
وتتجلى هذه الشعرية في مواطن الذروة الدرامية من خلال صور مجازية مكثفة؛ كقوله: "لم تكن وعودها سوى سترة رقيقة على أصوات الماضي التي لاحقته كهارب تطارده دورية الشرطة". غير أن الكاتب لا ينعزل بلغته في أبراج عاجية، بل يطعمها بـ"الواقعية السحرية ذات النفَس الشعبي"، مستدعياً الأمثلة السائرة في الوجدان الجمعي المصري والعربي (كتشبيه الحياة بالبطيخة)، محققًا بذلك موازنة أسلوبية فريدة تجمع بين المجاز البليغ والرحيق الثقافي المحيط بالشخصيات."
ثانيًا: سيميائية الأسماء والتناص (الحمولات التراثية والقرآنية)
تشكل الأسماء في الرواية شبكةً من "الصراعات الرمزية والتناصيّة المعقدة"؛ فشخصية (قابيل) لا تمثل مجرد غريم عابر، بل هي استدعاء رمزي وتناص قرآني مع قصة الحق والخصومة الأولى في التاريخ البشري، وتبرز براعة الروائي التصويرية في جعل نبرات الحقد تملأ الحلق: "تحجرت في حلقه كبلورة ملعونة". كما يستعير الكاتب "الحمولة والديستوبيا الإبليسية" على لسان قابيل في تساؤله الغيور: "بينما أنا خير منه؟"، وهو ما يعكس استثمارًا حقيقيًا للغة القرآنية وأبعادها الإيحائية.
وفي المقابل، تتوزع الحمولات الثقافية بين (إيفا) بجاذبيتها وأبعادها الأوروبية، و(هناء) بأصالتها العربية، ويتوج هذا الصراع بإصرار سمير على تسمية ابنته (فاطمة)؛ وهو الاسم المكتنز بالرموز الغزلية والحضارية في الآداب العربية (منذ امرئ القيس) والعالمية (كما في "الخيميائي" لباولو كويلو)، ليكون الاسم حصناً للهوية في وجه المحو."
ثالثًا: تفكيك الخطاب الإعلامي وصراع الفضاء الرقمي
يبرز النص وعيًا حرجًا بآليات "التنميط الغربي"؛ فمقولة الفتى شلومو قبل تحوله: "عدوي الوحيد هو كل الإرهابيين العرب"، تجسد الخطاب الإعلامي المؤدلج الذي تتبناه منصات عالمية (كشبكة فوكس نيوز) لتكريس مغالطة حصر الإرهاب في الهوية العربية والإسلامية.
وهنا يكمن الامتياز البنائي للرواية؛ إذ تدور رحى المعركة بالكامل في فلك "المواجهة الإعلامية والدبلوماسية الرقمية" (عبر برامج مثل مترو الصحافة الإسرائيلي) مع غياب تام ومقصود لزخات الرصاص والعتاد العسكري التقليدي. إنها معركة وعي وافتراض؛ تتجلى في استفاقة الضمائر الإنسانية في الغرب والمتمثلة في الحراك الحقوقي لـ (ديفيد ويليام)، كعينة دالة على التحول الجيلي العالمي والتعاطف المتنامي مع عدالة القضية العربية."
رابعًا: استراتيجيات الغياب والمنشور الوجيز (لبّ العمل الروائي)
يصوغ الراوي حيلة ذكية للاستبقاء على بطل التراجيديا (سمير) بعد رحيله الجسدي بمرض السرطان؛ إذ يستدعيه عبر "تقنيات المونتاج السردي" (الأحلام، الأشباح)، ولكن الأهم عبر "تقنية المفكرة الوثيقة" وحِكمها الصارمة: "الحجارة لا تنسى من يسرقها".
ويمثل "المنشور الرقمي" الوجيز الذي صاغه سمير في ثلاثة أسطر، بؤرة التكثيف الموضوعي المفسر للعمل الروائي بأكمله؛ حيث تنهض الكلمات كإدانة صريحة للمنابر العالمية التي تتبنى الرؤى الأحادية الجانب، محولةً العدالة إلى سراب. هذا المنشور هو المحرك الأساسي الذي يوقظ وعي الابن شلومو، ليكون بمثابة الهادي الذي يعيده إلى ينابيعه الأولى."
خامسًا: تساؤلات الهوية ومونولوج التحول (من شلومو إلى سليمان)
تنزاح كرة القدم في الرواية من مستواها الرياضي الضيق لتغدو "ميدان مثاقفة وصراع حضاري"؛ فالخصوم لا يخشون مهارة اللاعب، بل يخشون "العدل المطلق" الذي تنطوي عليه اللعبة، والذي يذكر المتغطرس بأن الهزيمة مصير محتوم.
ويبلغ الصراع النفسي ذروته عبر "المونولوج الداخلي الإشكالي" لشلومو: "أيهما أنا؟.. شلومو أم سليمان؟"؛ وهو تساؤل يحيلنا معرفيًا إلى أطروحات الهوية المتعددة والمأزومة (كما قاربها الدكتور طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر"). غير أن البطل يسترد ذاته عبر انحياز حاسم غير قابل للارتداد، معلنًا: "ها أنا ذا قد صرت شجرةً كاملة"، ومختتمًا النص بـ"تورية سياسية بالغة الذكاء" ترفض العيش في بيتٍ اغتصبه (نيتانياهو). إن هذه الرمزية تتأرجح ببراعة بين الشخصية الحكائية المتآمرة في النص، وبين الرمزية السياسية الليكودية، ليعلن البطل بخلعه العباءة الزائفة انتصار الأبوة السلالية والتاريخية، وعودة الابن المفقود إلى حضن أمته وعروبته."

شخصية **"المدرب ماكسويل" كنموذج رمزي لـ "العنصرية المؤسسية والتنميط الاستشراقي المعاصر" في الغرب ضمن "الدراسات الثقافية" ونقد "الإسلاموفوبيا" في الأدب.
أولاً: شخصية ماكسويل (تجليات التنميط والاستشراق الجديد)
"تنهض شخصية المدرب (ماكسويل) في البناء السردي بوصفها "أيقونة رمزية حية" لإعادة إنتاج الفكر العنصري ومقولات "الاستشراق الجديد" في المخيلة الغربية؛ فالشخصية لا تمثل سلوكًا فرديًا معزولاً، بل تجسد "العنصرية المؤسسية البنيوية" التي ما زالت تهيمن على حقول الرياضة، والسياسة، والاقتصاد في المعسكرين الأوروبي والأمريكي.
ولقد نجح الكاتب عبر هذه الشخصية في تفكيك آليات "الوصم الثقافي"، حيث تتبدى النظرة الفوقية لماكسويل كانعكاس للصورة الذهنية النمطية التي دأبت المركزية الغربية على ترويجها طوال العقود الماضية؛ تلك الصورة التي تختزل "العربي" في قوالب (الإرهاب، والشهوانية، ومناهضة التعددية). إن ماكسويل في المتن الروائي هو الأداة التي تقيس حجم التحديات النفسية والاجتماعية التي يخوضها "الآخر العربي" من أجل انتزاع الاعتراف بوجوده وقيمته الإنسانية داخل هذه المنظومة الرافضة."
ثانيًا: الخاتمة والمنظور النقدي الشامل (من صدام الحضارات إلى صراع البقاء السردي)
وفي المحصلة النقدية الأخيرة، تتبدى رواية "عدالة الذئاب" كعمل أدبي محكم البناء، شاهق الدلالة، يمثل ذروة ناضجة في المشروع الروائي لأحمد عبد الله إسماعيل؛ إذ ينعطف بوعيه المعهود تجاه قضايا "المثاقفة والصدام بين الشرق والغرب" ليصبّه في بؤرة أكثر اشتعالاً وحرجًا، وهي "الصراع العربي الإسرائيلي".
ويبرع النص في تعرية آليات (الاستلاب، والمحو، والطمس الجغرافي والثقافي) التي تمارسها الآلة الصهيونية المدفوعة بأيديولوجيا غيبية، وتفسيرات توراتية وتلمودية مسكونة بـ "حتمية معركة هرمجدون"؛ حيث يُلغى الإنسان وتُغتصب الأرض تحت غطاء العقائد المشوهة.
إننا أمام شهادة روائية شجاعة وجسورة، تنخرط بوعي واقتدار في "أدب المقاومة الفكرية"، وتستحق الإشادة والتقدير لما تحمله من مغامرة فكرية وأسلوبية؛ والشكر هنا موصول لـ (دار زحمة كتاب) التي اضطلعت بمسئولية النشر المعرفي وتحملت مخاطرة الطرح، إيمانًا بأن دور المثقف الحقيقي والمؤسسة الثقافية لا يكتمل إلا بالاشتباك الجريء مع القضايا الوجودية والكونية التي تمس مصير الإنسان وتشغل ضمير الرأي العام العالمي."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...