بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة… كيف تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية بوصلتها؟

بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة… كيف تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية بوصلتها؟

قراءة استراتيجية في تجربة المؤسسين وتحولات المشروع الوطني الفلسطيني

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة منذ انطلاق المشروع الوطني المعاصر، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد المشروع الاستيطاني، وتراجع فرص التسوية السياسية، إلى جانب الانقسام الداخلي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل المواطن الفلسطيني، وأدخلت النظام السياسي الفلسطيني في حالة من التآكل والارتباك وفقدان الثقة الشعبية.

وفي خضم هذه التحولات العاصفة، تعود الذاكرة الوطنية الفلسطينية إلى جيل المؤسسين الأوائل، الذين حملوا القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وإنساني، لا مجرد سلطة أو إدارة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات. لقد آمن هؤلاء القادة بأن فلسطين هي قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية، وأن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن يختزل في ترتيبات إدارية أو اقتصادية، بل يرتبط بحقوق تاريخية وسياسية ثابتة وغير قابلة للتصرف.

وفي مقدمة هؤلاء القادة يبرز اسم الشهيد ياسر عرفات، الذي استطاع أن يجمع بين الكفاح الوطني والعمل السياسي والدبلوماسي، محافظاً على حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية رغم شدة الضغوط والتحديات. فقد مثّل عرفات حالة سياسية وتنظيمية جامعة، نجح من خلالها في تحويل الهوية الوطنية الفلسطينية إلى حقيقة سياسية معترف بها دولياً، وربط بين البعد الثوري والبعد السياسي ضمن معادلة معقدة فرضتها ظروف الصراع.

كما يبرز دور الرئيس محمود عباس، أحد المؤسسين الأوائل لحركة فتح، الذي تبنى نهج العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني الدولي للحفاظ على الاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية الفلسطينية، في ظل اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية، وتعقيدات البيئة السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية.

ولا يمكن الحديث عن الحركة الوطنية الفلسطينية دون استحضار أسماء قادة تاريخيين كان لكل منهم اجتهاده وإسهامه الوطني، ومن بينهم مختار البعباع، ومحمد جهاد العموري، وحكم بلعاوي، والطيب عبد الرحيم، وصخر حبش، وتوفيق الطيراوي، إضافة إلى شخصيات وطنية بارزة مثل عباس زكي، وفاروق القدومي، وخالد الحسن، وصلاح خلف، وخليل الوزير، الذين شكّلوا مدارس سياسية وفكرية وتنظيمية متعددة داخل التجربة الوطنية الفلسطينية.

لقد مثّل خالد الحسن أحد أبرز العقول السياسية والاستراتيجية في حركة فتح، وكان يؤكد دائماً أن قوة الفلسطينيين تكمن في قدرتهم على الجمع بين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، محذراً من أن غياب الرؤية الاستراتيجية قد يهدد المشروع الوطني الفلسطيني على المدى البعيد.

أما صلاح خلف، فقد كان يرى أن الوحدة الوطنية الفلسطينية تشكل خط الدفاع الأول عن القضية الفلسطينية، وأن أي انقسام داخلي يمنح الاحتلال فرصة لتكريس سياساته الاستيطانية والتوسعية.

في حين كان فاروق القدومي من أكثر الأصوات تمسكاً بالحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وعلى مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الجامع للشعب الفلسطيني.

كما عُرف عباس زكي بخطابه الوطني الداعي إلى الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، والتأكيد أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُختزل في الجوانب الإدارية أو الاقتصادية، بل هي قضية تحرر وطني مرتبطة بحقوق تاريخية ثابتة.

أما الشهيد خليل الوزير “أبو جهاد”، فقد مثّل نموذج القائد الذي جمع بين العمل التنظيمي والكفاح الوطني، وكان يؤمن بأن الشعب الفلسطيني قادر على فرض حضوره وانتزاع حقوقه من خلال الصمود والوحدة الوطنية واستمرار النضال المشروع.

وكذلك كان المرحوم هاني الحسن الذي كان له رؤيته الوطنية وتمسكه بالوحدة الوطنية عملا وفعلا وليس قولا

ورغم اختلاف اجتهادات هؤلاء القادة بشأن أساليب إدارة الصراع أو الخيارات السياسية أو اتفاق أوسلو، إلا أنهم التقوا جميعاً حول هدف مركزي يتمثل في حماية المشروع الوطني الفلسطيني والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية ومنع تصفية القضية الفلسطينية.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو، تبدو الحاجة ملحّة لإجراء مراجعة وطنية شاملة ومسؤولة، بعيداً عن التخوين أو تصفية الحسابات السياسية، لأن القضية الفلسطينية تمر اليوم بمنعطف تاريخي خطير يتطلب رؤية استراتيجية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني باعتباره مشروع تحرر وطني جامع.

واليوم، ومع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا يقف الفلسطينيون أمام استحقاق تنظيمي داخلي فحسب، بل أمام لحظة مراجعة تاريخية لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في انتخاب لجنة مركزية أو مجلس ثوري، بل في القدرة على إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، وتجديد أدواته السياسية والتنظيمية، واستعادة البوصلة الوطنية التي كادت أن تضيع بين تعقيدات السلطة وضغوط الواقع الإقليمي والدولي.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إسرائيل لم تنظر إلى اتفاق أوسلو باعتباره بوابة حقيقية للسلام، بل كإطار لإدارة الصراع وتكريس الوقائع على الأرض، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني ومن التحولات الإقليمية والدولية. وفي ظل حكومة إسرائيلية تُعد الأكثر تطرفاً في تاريخ الاحتلال، بات واضحاً أن المشروع الاستيطاني يسير بوتيرة متسارعة تستهدف تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

وفي المقابل، وجد الفلسطيني نفسه عالقاً بين مشروع ثوري فقد جزءاً من زخمه التاريخي، وسلطة تواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة دون أفق سياسي واضح، الأمر الذي ولّد حالة من الإحباط والضياع السياسي لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، وخاصة فئة الشباب التي باتت تبحث عن رؤية وطنية أكثر وضوحاً وقدرة على استيعاب تطلعاتها.

إن الحاجة الوطنية اليوم تتطلب خطاباً سياسياً جديداً يعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني، ويؤكد أن السلطة يجب أن تكون أداة لخدمة صمود المواطن الفلسطيني، لا بديلاً عن المشروع الوطني، وأن المقاومة بمختلف أشكالها الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية حق مشروع لشعب ما زال يعيش تحت الاحتلال وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

كما أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة بناء الثقة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والوحدة واحترام التعددية، بعيداً عن الإقصاء والانقسام، وبما يعيد لمنظمة التحرير الفلسطينية دورها الجامع باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده.

كيف يمكن الخروج من حالة الضياع الوطني؟

إن الخروج من الأزمة الوطنية الفلسطينية الراهنة يتطلب التوافق على مجموعة من المرتكزات الوطنية والاستراتيجية، وفي مقدمتها:

إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام باعتباره المدخل الأساسي لاستعادة قوة الموقف الفلسطيني.

تطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة الشراكة السياسية والديمقراطية، بما يعزز تمثيلها لكافة مكونات الشعب الفلسطيني.

إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني بحيث تبقى السلطة أداة لتعزيز صمود المواطن الفلسطيني لا بديلاً عن مشروع التحرر الوطني.

صياغة رؤية وطنية استراتيجية موحدة تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والمقاومة الشعبية السلمية في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

تعزيز صمود المواطن الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً باعتباره خط الدفاع الأول عن الأرض والهوية الوطنية.

إعادة بناء الثقة بين الشعب والقيادة عبر ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة واحترام الحريات وسيادة القانون.

الاستثمار في الجيل الفلسطيني الشاب وحمايته من الإحباط وفقدان الأمل، عبر فتح المجال أمام المشاركة السياسية وتجديد الحياة الوطنية.

تطوير الخطاب الإعلامي والسياسي الفلسطيني بما يعزز الرواية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التشويه والتزييف.

توسيع الحضور الفلسطيني في المؤسسات والمحاكم الدولية، والاستفادة من أدوات القانون الدولي لمواجهة سياسات الاحتلال والاستيطان.

بناء استراتيجية اقتصادية وطنية تقلل من التبعية للاحتلال وتعزز عناصر الصمود الوطني والاستقلال التدريجي.

إن استحضار إرث القادة المؤسسين لا يجب أن يكون مناسبة للانقسام أو التقليل من شأن أي تجربة وطنية، بل دعوة للاستفادة من اجتهاداتهم المختلفة وتجاربهم الغنية في مواجهة التحديات، لأن قوة الشعب الفلسطيني كانت دائماً في قدرته على التوحد حول قضيته الوطنية رغم كل الصعوبات.

فالقضية الفلسطينية اليوم بحاجة إلى تجديد المشروع الوطني لا إلى إلغائه، وإلى تطوير أدوات النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي بما يتناسب مع التحولات الدولية والإقليمية، دون التفريط بالثوابت الوطنية أو الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

وربما تكمن المعضلة الأساسية اليوم في كيفية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء استراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى وحدة القرار الوطني، وإلى شراكة سياسية حقيقية، وإلى رؤية مستقبلية تعيد الأمل للشعب الفلسطيني، وتمنحه القدرة على الصمود والاستمرار في مواجهة مشاريع التصفية والتهجير والاستيطان.

رحم الله الشهداء والقادة المؤسسين الذين حملوا فلسطين في ضمائرهم قبل مواقعهم، وآمنوا بأن الوطن أكبر من الأشخاص والتنظيمات والخلافات، وأن القضية الفلسطينية ستبقى قضية شعب حي لا يمكن أن يستسلم أو يتخلى عن حقوقه الوطنية والتاريخية مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الضغوط.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...