يحيى بركات - غريتا… وغزة التي خرجت من الجغرافيا

في مكانٍ ما من هذا العالم…
كانت فتاةٌ شقراء تحمل لافتة صغيرة عن المناخ، وتجلس وحيدة أمام برلمانٍ بارد في شمال أوروبا.
لم يكن أحد يتوقع آنذاك… أن تصل تلك الفتاة يومًا إلى غزة.
ليس بالطائرة. ولا بالسفن. ولا عبر الحدود المغلقة.
بل عبر الضمير.
حين ظهرت
غريتا ثونبرغ
وهي تدعو الجامعات إلى قطع علاقاتها الأكاديمية مع إسرائيل، ووقف التواطؤ مع ما وصفته بالإبادة والفصل العنصري…
لم يكن الأمر تصريحًا عابرًا لناشطة عالمية.
كان شيئًا أكبر.
كأن غزة…
خرجت أخيرًا من صورتها التقليدية كحرب بعيدة في الشرق الأوسط، ودخلت مكانًا آخر تمامًا:
وعي جيلٍ كامل.
هذه الحرب مختلفة.
ليست لأنها الأكثر دموية فقط…
بل لأنها الحرب الأولى تقريبًا التي شاهدها العالم حيّة، بلا مونتاج.
طفلٌ يُنتشل من تحت الركام.
أمٌّ تبحث بيديها عن وجه ابنها.
صحفي يحمل الكاميرا… ثم يصبح هو الخبر.
مدينة كاملة تتحول إلى غبار… أمام العالم.
وفي البداية…
ظنّ كثيرون أن الأمر سيمرّ كغيره.
أيام غضب. بعض المظاهرات. ثم يعود العالم إلى حياته المعتادة.
لكن شيئًا آخر حدث.
الصورة بقيت.
خرجت من غزة…
ودخلت الجامعات.
دخلت الشوارع.
دخلت الأغاني.
دخلت السينما.
دخلت
مهرجان كان السينمائي
وبينالي البندقية
وحتى
مسابقة يوروفيجن الغنائية
وكأن العالم الثقافي كله… بدأ يفقد قدرته القديمة على التظاهر بأن الفن يعيش بعيدًا عن الدم.
في البندقية…
أُغلقت أجنحة.
وانسحب فنانون.
واستقالت لجنة تحكيم كاملة.
وفي أوروبا…
بدأت أصوات تسأل بصوت أعلى:
كيف يمكن للفن أن يواصل الاحتفال… بينما تُبثّ الإبادة على الهواء مباشرة؟
وفي الجامعات…
لم تعد فلسطين موضوعًا سياسيًا فقط.
صارت سؤالًا أخلاقيًا.
ولهذا تبدو غريتا مهمة.
لأنها لا تنتمي إلى التاريخ القديم للصراع، ولا تحمل ذاكرة الحروب العربية الإسرائيلية، ولا جاءت من أحزاب اليسار التقليدي.
هي ابنة هذا الجيل الجديد…
الجيل الذي يرى العالم من خلال:
العدالة
الحرية
البيئة
حقوق الإنسان
وكرامة البشر
ولهذا وصلت إلى غزة.
غزة اليوم…
لم تعد مجرد مدينة محاصرة على شاطئ البحر.
صارت صورة.
والصور الخطيرة… لا تبقى في مكانها.
تخرج.
تتسلل.
تسكن الوعي.
ثم تبدأ بتغيير العالم ببطء.
ربما لهذا…
لم تعد المهرجانات الكبرى مرتاحة كما كانت.
ولا الجامعات.
ولا حتى وسائل الإعلام.
لأن كل شيء أصبح مضطرًا للإجابة عن السؤال نفسه:
ماذا نفعل أمام كل هذا؟
وهنا بالضبط…
تكمن قوة غزة وضعف العالم في آنٍ واحد.
القوة…
أن المدينة المدمّرة استطاعت أن تدخل ضمير الناس رغم كل شيء.
والضعف…
أن العالم كله ما زال يشاهد… ولا يعرف كيف يوقف الصورة.
غريتا ليست أهم من غزة.
لكنها علامة.
علامة على أن ما خرج من تحت الركام… لم يعد فلسطينيًا فقط.
بل صار سؤالًا عالميًا مفتوحًا، عن الإنسان نفسه.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
19/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...