الوجوه المرهقة !!

على ابواب المحلات وفي الاسواق وفي المدن في الحارات في المصانع في كل ميدان هناك
وجوهٌ أنهكها التعب، وغطّتها غبار الأيام، لكنها ما تزال تقف كل صباح كأنها تخوض معركة صامتة ضد الحياة.
هم أولئك الذين يعملون في المهن البسيطة؛ البائع المتجول، عامل النظافة، سائق الحافلة، حارس المبنى، عامل المخبز، وبائع الشاي الذي يعرف وجوه العابرين أكثر مما يعرفه أقرب الناس إليه
نحن غالبًا نرى المهنة ولا نرى الإنسان
نرى اليد التي تقدم الخدمة، ولا نلتفت إلى القلب الذي يختبئ خلفها
نأخذ الخبز ساخنًا من يد الخباز، دون أن نسأل كم ساعة قضاها واقفًا أمام النار كي تصل إلينا تلك الرغيفات الهشة
نستقل الحافلة على عجل، دون أن نفكر أن السائق ربما لم ينم جيدًا منذ أيام لأنه يحمل همَّ أسرة كاملة تنتظر آخر النهار ما يسد الرمق
خلف كل مهنة بسيطة حكاية ثقيلة لا تُروى.
هناك أبٌ أخفى انكساره كي لا يخيف أبناءه، وأمٌّ تمسح تعبها بطرف عباءتها وتواصل العمل لأن الفقر لا يمنح أحدًا إجازة، وشابٌّ دفن أحلامه الجامعية تحت ضغط الحاجة، فصار يحمل الصناديق بدل أن يحمل شهادته.
المؤلم أن المجتمع كثيرًا ما يقيس الناس بما يرتدونه لا بما يتحملونه
فيُمنح الاحترام لمن يجلس خلف مكتب فاخر، بينما يُعامل العامل البسيط كأنه جزء من المشهد لا إنسان له كرامة ومشاعر وأحلام.
مع أن الحقيقة العميقة تقول إن المدن لا تقوم إلا على أكتاف هؤلاء المنسيين.
فلو غاب عامل النظافة ليوم واحد لاختنقت الشوارع، ولو توقف الخباز لتعطلت البيوت، ولو اختفى العامل البسيط لتعطلت عجلة الحياة كلها
ذلك البائع الذي يقول للزبائن صباح الخير بصوتٍ لطيف، بينما داخله يمتلئ بالخوف من إيجار البيت وفواتير العلاج ومصير أطفاله.
وذلك العامل الذي يضحك مع الناس كي لا يفضحه الحزن
يتعب ويواصل السير لأن خلفه مسؤوليات لا ترحم ولهذا يبدو وجهه شاحب متعب لكنه عظيم بطريقة لا يلاحظها كثيرون
إن احترام أصحاب المهن البسيطة ليس تفضل أخلاقي بل واجب إنساني
الكلمة الطيبة التي تُقال لعامل مرهق قد تكون أخفّ على قلبه من أجر يوم كامل، والابتسامة التي تمنحها لبائع بسيط ربما تعيد إليه شيئًا من شعوره بأنه مرئيٌّ في هذا العالم القاسي
الحياة لا تُبنى بالمناصب وحدها بل بالأيدي التي تتعب كي يستريح الآخرون
ولهذا فإن أكثر الوجوه استحقاقًا للتقدير ليست تلك التي تلمع تحت الأضواء بل تلك التي تُخفي تعبها وتمضي حفاظًا على كرامتها وعلى لقمةٍ شريفة وعلى حياةٍ لم تكن يومًا سهلة !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...