هدى حجاجي - "الرجل الذي نخلَ عمره بالحزن" قراءة في قصيدة: أنسى كالغربال للشاعر البهاء حسين

تبدو قصيدة «أنسى كالغربال» وكأنها سيرةُ روحٍ أنهكها العمر، لا سيرة رجل فقط.
فالنص لا يُكتب بالحبر، بل يُكتب بذلك التعب الهادئ الذي يتسلل إلى الإنسان حين يكتشف متأخرًا أن الحياة لم تكن عادلة بما يكفي، وأن النجاة ليست انتصارًا كاملًا، بل مجرد تأجيلٍ للهزيمة.




منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام استعارة مركزية بالغة القسوة والعمق؛
فالـ«غربال» ليس مجرد أداة، بل صورة لروحٍ فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالأشياء الناعمة:
الأحلام،
الطمأنينة،
الحب،
والعمر نفسه.

يبقى فقط “الحصى”…
ذلك الثقل الرمزي الذي يتحول داخل النص إلى معادلٍ موضوعي للفقد والصلابة والوحدة معًا.

حين يقول:

> “صرتُ كالغربال
أنخل الزمن، أسرّب الأشياء الناعمة
كالعمر
وأحتفظ لنفسى بالحصى”



فإنه لا يتحدث عن الشيخوخة الجسدية بقدر ما يتحدث عن التآكل الداخلي.
إنه إنسان فقد الأشياء الرقيقة من روحه، ولم يتبق له سوى ما هو خشن وثقيل وقاسٍ.

المدهش في القصيدة أن “الزلط” يتحول تدريجيًا من شيء هامشي إلى بطلٍ خفي للنص.
فالزلطة هنا ليست حجرًا صغيرًا، بل ذاكرة محمولة، وتميمة ضد الفقد، ورفيق عزلة، وربما محاولة بدائية لمقاومة الموت.

الشاعر يمنح الجماد روحًا، بينما يبدو البشر في القصيدة أكثر قسوة وبرودة من الحصى ذاته.
ولهذا يقول بجملة شديدة الإدهاش:

> “الزلط أكثرنا صدقاً”



إنها جملة تختصر خيبة الإنسان الحديثة؛
حين يصبح الحجر أكثر وفاءً من العلاقات، وأكثر ثباتًا من البشر الذين يتغيرون ويخذلون ويرحلون.

سرديًا، تتحرك القصيدة كأنها مونولوج طويل لرجل يجلس وحيدًا في آخر العمر، يراجع هزائمه الصغيرة دون صراخ.
لا توجد بطولة زائفة، ولا ادعاء بالقوة، بل اعترافات حميمة وموجعة تتدفق بعفوية شديدة، حتى يبدو النص أقرب إلى اعترافٍ وجودي مفتوح.

واللافت أن الشاعر لا يتحدث عن الوحدة بوصفها كارثة مطلقة، بل يحاول ترويضها، التعايش معها، وتحويلها إلى نظام حياة.
لكنه في العمق، يظل خائفًا من الفقد الأكبر: الأم.

كل الطرق داخل القصيدة تؤدي إلى الأم،
إلى ذلك الرعب المؤجل من لحظة دفنها، حين يقول:

> “لكننى لا أعرف بعدُ
كيف أتصرّفُ حين أسمع خبر موتك”



هنا يبلغ النص ذروته الإنسانية.
فالرجل الذي تصالح مع الأدخنة والعوادم والشيخوخة والموت، لا يزال عاجزًا أمام فكرة فقد الأم.
وكأن الأم ليست شخصًا فقط، بل آخر ما يربطه بالعالم.

أما القاهرة في القصيدة، فلا تظهر كمدينة حقيقية، بل كآلة ضخمة لطحن البشر.
الأتوبيس، العوادم، الزحام، الشكمان، المقاعد المختطفة…
كلها تفاصيل يومية، لكنها تتحول شعريًا إلى علامات على قسوة الحياة الحديثة، وعلى ذلك التآكل البطيء للإنسان البسيط.

ويحسب للشاعر أنه لم يقع في فخ البكائية المباشرة،
بل جعل الحزن يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة:
زلطة،
صوت قطار،
كتاكيت الطفولة،
امرأة عابرة،
رائحة العادم.

وهنا تتجلى قوة النص الحقيقية؛
أنه يصنع الشعر من الهامشي واليومي والمستهلك، ويحوّل التفاصيل العادية إلى أسئلة وجودية كبرى.

القصيدة أيضًا مشبعة بفلسفة خفية عن الموت.
فالموت عند الشاعر ليس حدثًا استثنائيًا، بل شيء يومي وعادي ومبتذل أحيانًا.
الناس ينتحرون، يسقطون، يختفون، بينما تستمر الحياة ببرودها المعتاد.

لكن رغم كل هذا السواد، يظل هناك خيط خافت من الأمل، يظهر في واحدة من أجمل عبارات النص:

> “لا تنتظر شيئاً
لكن لا تتوقف، رغم ذلك، عن الأمل”



إنها الحكمة التي لا تأتي من الكتب، بل من التعب الطويل.
حكمة رجلٍ خسر أشياء كثيرة، لكنه ما زال يربّي الأمل داخله ككائنٍ جريح.

وفي النهاية، تتحول القصيدة إلى مرثية مبكرة للأم، وللذات، وللعمر الذي تسرب من غربال الأيام.
ويصبح النداء الأخير:

> “انخلى الحياة يا أمى
انخلى الموت، لا تسقطى مع الرمل”



واحدًا من أكثر المقاطع وجعًا وإنسانية، لأنه لا يطلب الخلود، بل يطلب فقط تأجيل الغياب.

إن «أنسى كالغربال» ليست قصيدة عن الشيخوخة وحدها،
بل عن الإنسان حين يكتشف أن ما أنقذه طوال حياته…
لم يكن القوة،
ولا الحب،
ولا الحكمة،
بل قدرته المذهلة على التكيف مع الحزن.

قراءة نقدية وسردية
بقلم الكاتبة الروائية
هويدا حجاجي أحمد

النص كما ورد
أنسى كالغربال
أو
رجل يملأ وحدته بالزلط

شعر : البهاء حسين


أخرجُ من معاركى، مع نفسى
مبللاً بالعرق
أبحث عن الكلمات، وهى على طرف لسانى
عن الأشياء، وهى فى يدى
صرتُ كالغربال
أنخلُ الزمن، أسرّب الأشياء الناعمة
كالعمر
وأحتفظ لنفسى بالحصى
:
كثيراً ما أميلُ، بالمناسبة
على زلطةٍ بالشارع وآخذها
أغسلها من التراب، وأضمها إلى البيت
لا أعرف تفسيراً لتعلقى بالزلط
بإصرارِه على قدره
على التنكر، كالسحب ، فى هيئات كثيرة..
امرأة، شجرة، قمرٍ ونجوم
هنا، فى غرفة المعيشة، مصباحٌ أحمر، ذكرى من "شاهيناز "، أعزّ حبيباتى
فوق كومةٍ من الزلط
لا شىء غيره يعكس روحى
الزلط أكثرنا صدقاً
الصبرُ انتصارٌ صامت تتوّجه الدموع
،،
تبدأ الشيخوخةُ حين تنسى من أنت
ولهذا أنا مطمئنٌ على قلبى
مصباحى فى الطريق
،،
أصبحتْ لى وصفة أجتازُ بها المطبات
هنا فى القاهرة
صاحبتُ العوادم التى يضخها محركُ الأتوبيس بداخله
صاحبتُ الشكمان
اكتشفتُ الكنبة الأخيرة
عرفت كيف أحشر نفسى، عنوةً
سنواتى السبعة والخمسين
بين ركابٍ يصادرون الكرسىّ الشاغر
سيلسعك العادمُ القادم من فتحة التهوية، المنزوعة الغطاء
سيصعد لأنفك، ويتحول إلى مرارٍ على فمك
لا بأس
العادمُ أرحم من الوقفة
فى الممر الضيق بين حشد من الركاب يتقاتل على الهواء
لا بدّ أن تتقبل الأتوبيس
أن تفهم رغبته فى الاعتزال، وخوفه من التكهين
أصبحتُ أمرّر الآلام
أهى الشيخوخة
تلك التى بلغناها بسرعةٍ، وكنا نظن أننا سنمشى إليها طويلاً
أم الحكمة التى تجعلنى أفهم الأمل وأعذره
:
لا تنتظر شيئاً
لكن لا تتوقف، رغم ذلك عن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...