غانية ملحيس - بين استعمار يتجدد وحركة تحرر تتكلس: لحظة انكشاف النظام السياسي الفلسطيني بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح

غانية ملحيس
20/5/2026

ملخص تنفيذي
يركز المقال على قراءة نقدية للبنية السياسية الفلسطينية في ضوء مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح، باعتباره لحظة كاشفة لأزمة بنيوية أعمق تتجاوز البعد التنظيمي إلى طبيعة النظام السياسي نفسه. فالتغييرات الشكلية في القيادات لا تعكس تحولا في منطق إنتاج القرار، بل تعيد إنتاج البنية ذاتها بأدوات تجديد محدودة. وينطلق المقال من فرضية أن النظام السياسي الفلسطيني نشأ في سياق تحرري، لكنه بات يعيد إنتاج أدواته داخل إطار معرفي وسياسي تحدده شروط اتفاق أوسلو، الذي حوّل الصراع من مشروع تحرري مفتوح إلى إدارة تفاوضية للواقع تحت الاحتلال. وفي المقابل، يتسارع المشروع الاستعماري الإسرائيلي في أدواته، من السيطرة العسكرية، إلى إعادة تشكيل المجال العام، وإنتاج الوعي والسرديات، ما يخلق اختلالا متزايدا في الزمن السياسي بين طرفين: استعمار يتطور بسرعة، وبنية سياسية تتباطأ في التكيف والمواجهة.
ويحلل المقال هذا الاختلال من خلال مفاهيم التكلس البنيوي والانقسام السياسي، حيث تتحول المؤسسات إلى آليات لإعادة إنتاج نفسها بدل تجديدها، في ظل عوامل تاريخية مثل غياب السيادة، التشظي الجغرافي، والاعتماد على التمويل الخارجي. كما يبرز الانقسام بين الضفة وغزة كآلية “تكلس متواز” يعيد إنتاج الشرعيات المتبادلة، ويحول الصراع على التمثيل إلى وظيفة دائمة. ويشير أيضا إلى فجوة متنامية بين مجتمع فلسطيني متغير بفعل الأدوات الرقمية وشبكات الفعل غير المركزية، وبين مؤسسة سياسية ما تزال تعمل بمنطق هرمي تقليدي. وفي الوقت ذاته، يتطور الاستعمار من السيطرة المادية إلى إدارة الوعي وإنتاج الواقع الرمزي، ما يجعل الصراع يدور حول تعريف ما هو سياسي بحد ذاته، لا فقط حول أدواته.
ويخلص المقال إلى أن الأزمة الفلسطينية لم تعد مرتبطة فقط بتأخر البنية السياسية عن مواكبة التحول الاستعماري، بل بقدرتها على إعادة تعريف الفعل السياسي نفسه، في ظل اتساع الفجوة بين الواقع والأداة. كما يبرز إمكانية تشكل مسارات بديلة خارج المركز المؤسسي عبر شبكات معرفية ورقمية عابرة للجغرافيا، تعيد صياغة المشروع التحرري بوصفه وحدة شاملة للشعب الفلسطيني. وفي النهاية، يطرح المقال سؤالا مفتوحا حول ما إذا كانت الأزمة في أدوات السياسة، أم في شروط تعريف السياسة ذاتها.

المقال الكامل
بين استعمار يتجدد وحركة تحرر تتكلس: لحظة انكشاف النظام السياسي الفلسطيني بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح

أولا: لحظة المؤتمر كنافذة كاشفة لبنية أعمق
تأتي أهمية إعادة التفكير في البنية السياسية الفلسطينية اليوم من لحظة سياسية مفصلية، تتجاوز بعدها التنظيمي المباشر لتلامس بنية النظام السياسي نفسه.
فقد أظهرت مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح - ليس بوصفه حدثا تنظيميا داخليا- أزمة بنيوية أعمق وأكثر رسوخا داخل النظام السياسي الفلسطيني، حيث لا يبدو أن تغيّر الأسماء أو المواقع القيادية قد أحدث تحولا موازيا في منطق إنتاج القرار، أو في طبيعة الفعل السياسي ذاته. بل أعاد تثبيت البنية نفسها بأدوات تجديد شكلية.
ولا تُطرح هذه الملاحظة هنا بوصفها نتيجة جاهزة، بل بوصفها مدخلا لقراءة احتمال يتشكل تدريجيا: أن ما يبدو تغيّرا في الواجهة، قد لا يلامس البنية العميقة التي تنتج القرار نفسه.
ويُطرح هنا سؤال أكثر تحديدا: كيف يستمر نظام سياسي نشأ في سياق تحرري في إعادة إنتاج أدواته، بينما يتغير شكل الاستعمار ذاته على مستوى المعرفة والأدوات وإدارة المجال العام، بما يعيد تعريف شروط السيطرة نفسها وليس أدواتها فقط؟
ومن هنا لا تبدأ هذه القراءة من مفارقة مكتملة، بل من ملاحظة تتراكم داخلها عناصر المفارقة قبل أن تتشكل كاستنتاج نهائي. وبذلك تبقى الفكرة المركزية هنا نتيجة لاحقة للتحليل، لا نقطة انطلاق له.
غير أن هذه القراءة، قبل أن تتجه نحو تفكيك الفجوة بين الاستعمار والبنية السياسية، تفترض سلفا شيئا لم يُفكَّر فيه عادة داخل هذا النوع من التحليل: أن الإطار الذي تُقاس داخله السياسة الفلسطينية ليس محايدا، بل هو نفسه جزء من إنتاج النتائج التي يبدو أنه يصفها.
وبمعنى أدق، لا يتعلق الأمر فقط بتأخر البنية السياسية عن تحولات الواقع، بل بطريقة تعريف “الواقع السياسي” نفسه داخل هذا النظام، وبمن يملك حق رسم حدوده الأولى قبل أي نقاش حول الاستجابة أو العجز

ثانيا: اختلال الزمن السياسي: استعمار يتسارع وحركة تتباطأ
لا يمكن فهم ما يجري داخل الحالة الفلسطينية باعتباره مجرد أزمة إدارة سياسية، أو خلافات تنظيمية. بل باعتباره اختلالا في العلاقة بين زمنين:
• زمن يتسارع فيه المشروع الاستعماري في أدواته وآلياته،
• وزمن سياسي داخلي يبدو أبطأ في إعادة إنتاج نفسه وتحديث أدواته، وأقرب إلى إعادة تدوير أدواته السابقة بدل ابتكار أدوات جديدة.
فالاستعمار الصهيوني لم يعد يعمل فقط عبر السيطرة العسكرية المباشرة، بل عبر إعادة تشكيل المجال العام الفلسطيني والعربي والإقليمي، وتطوير أدوات الإبادة والتطهير العرقي، والمراقبة، وإنتاج سرديات إعلامية عابرة للحدود، وإدارة الواقع اليومي بأدوات غير تقليدية، وصولا إلى التحكم في الوعي نفسه، وليس فقط في الجغرافيا والديموغرافيا، أي الانتقال من السيطرة إلى إعادة تعريف شروط الإدراك السياسي ذاته.
في المقابل، تبدو البنية السياسية الفلسطينية وكأنها تعيد إنتاج أنماط سابقة ثبت عجزها، أكثر مما تستجيب للتحولات الجارية في طبيعة الصراع الوجودي، وكأنها تتحرك داخل “زمن سياسي سابق” على العالم نفسه، وهو ما يفسر فجوة الفهم قبل فجوة الفعل.

ثالثا: المفارقة الفلسطينية: الشيخوخة قبل اكتمال التحرير
لا يظهر الاختلاف داخل النظام السياسي الفلسطيني، بما فيه داخل حركة فتح نفسها، بوصفه اختلافا بين رؤيتين متعارضتين لطبيعة الصراع، بقدر ما يبدو اختلافا داخل الإطار السياسي والمعرفي ذاته.
فالمنتقدون من قيادات اللجنة المركزية، سواء من قاطعوا المؤتمر، أو أُقصوا، أو بقوا داخل توازناته، لا يخرجون في الجوهر عن “مدرسة أوسلو”، بل يتحركون داخل سقفها المفهومي نفسه: تحسين شروط الواقع القائم، لا إعادة تعريف طبيعة الصراع من أساسه.
ولا يُقصد بأوسلو هنا بوصفها اتفاقا سياسيا أو مرحلة تاريخية فقط، بل بوصفها إطارا معرفيا أعاد تعريف الممكن الفلسطيني نفسه تحت وطأة ضغط ميزان القوى القابل للتغير، وأعاد ضبط خيال السياسة الفلسطينية داخل حدود الممكن التفاوضي وليس التحرري.
فمن داخل هذا الإطار، جرى الانتقال تدريجيا من تصور الصراع بوصفه صراعا تحرريا مفتوحا، إلى إدارة تفاوضية لشروط البقاء تحت الاحتلال، حيث أصبح السؤال المركزي هو تحسين شروط الواقع القائم، لا إعادة تعريفه جذريا.
ولهذا بقيت معظم محاولات “التجديد” تدور داخل حدود الإطار نفسه الذي يفترض أنها تحاول تجاوزه، وهنا يتحول الإطار إلى بنية تفكير وليس مجرد مرحلة سياسية.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود تأخر البنية السياسية عن تحولات الاستعمار، بل يتجاوز ذلك إلى أن طريقة إنتاج السياسة نفسها داخل هذا الإطار أصبحت جزءا من إعادة إنتاج شروط السيطرة، وليس مجرد ردّ فعل عليها.

رابعا: التكلس كبنية وليس كأفراد فقط
لا يعمل التكلس داخل النظام السياسي الفلسطيني بوصفه خللا فرديا أو عارضا تنظيميا، بل بوصفه آلية إعادة إنتاج مستمرة للبنية السياسية نفسها.
فبرغم الاختلافات بين القوى الفلسطينية المختلفة، تظهر داخل مجمل النظام السياسي، سلطة ومعارضة، ديناميات متشابهة في إدارة العمل السياسي والتنظيمي.
حيث تميل البنى التنظيمية، تحت ضغط الاستمرار والحفاظ على التوازنات الداخلية، إلى تفضيل الولاء على الكفاءة، والاستقرار على المراجعة، وإدارة التناقضات الداخلية بدل إعادة تعريف المشروع السياسي نفسه.
ومع الوقت، لا يعود الهدف الضمني للبنية السياسية هو إنتاج رؤية تحررية جديدة، بقدر ما يصبح الحفاظ على قابلية النظام للاستمرار هدفا قائما بذاته.

خامساً: شروط إنتاج التكلس: بين التاريخ والبنية
لا يمكن فهم هذا التكلس بمعزل عن شروط تاريخية وسياسية متراكبة، من بينها: تفكك الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، غياب السيادة، الاعتماد على التمويل الخارجي في مراحل طويلة، التشظي الجغرافي والديموغرافي والسياسي الفلسطيني بين الداخل والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والشتات، ومسارات التسوية السياسية التي أعادت تشكيل المجال الفلسطيني دون إنهاء حالة الاستعمار.
وقد ساهمت هذه العوامل في إنتاج بنية سياسية تميل إلى إعادة إنتاج نفسها تحت ضغط الاستمرار أكثر من قدرتها على التجدد.
وهكذا لم يعد التكلس مجرد خيار سياسي، بل نتيجة تراكمات أعادت تشكيل شروط الفعل السياسي نفسه.

سادساً: الانقسام الممنهج: التكلس المتوازي وبنية الشرعيات المتبادلة
لا يمكن قراءة الانقسام الفلسطيني (بين الضفة الغربية وقطاع غزة) بوصفه مجرد حدث تاريخي عابر أو صراع نخبوي على السلطة، بل بوصفه بنية سياسية ومؤسسية مستقلة أعادت إنتاج شروط التكلس السياسي ووظّفتها. فقد أسس هذا الانقسام لنمط من "التكلس المتوازي"، تشكلت بموجبه منظومتان سياسيتان منفصلتان جغرافيا ومؤسسيا، لكنهما تتطابقان في ديناميات الإغلاق البنيوي وعزل قوى التجديد الداخلي.
وتعمل هذه البنية عبر آلية "الاعتماد المتبادل للشرعيات النقيضة"؛ حيث لم يعد الانقسام مهددا لبقاء النخب الحاكمة في الطرفين، بل تحول إلى مبرر وجودها الأهم. فكل سلطة باتت تستمد مشروعية استمرارها، ومسوغات ممارساتها الإقصائية، من وجود "الآخر النقيض". إذ يُستدعى الآخر باستمرار كذريعة جاهزة لتأجيل المراجعات الوطنية الشاملة، وتعطيل المسارات الديمقراطية، وتفضيل منطق الولاء على الكفاءة تحت وطأة "حالة الطوارئ" المزمنة
وبتأثير هذه الديناميكية، جرى تحويل طاقة الفعل السياسي الفلسطيني. فبدلا من تشبيك الطاقات لتفكيك أدوات الاستعمار المتسارعة، استُنزفت البنى السياسية في إدارة "التنازع على التمثيل" وضبط توازنات البقاء بين المنظومتين. وبذلك، تحول الانقسام من حالة استثنائية طارئة، إلى وظيفة حيوية ومستقرة تضمن لكل طرف احتكار مجاله الخاص، مما يجعل التكلس مصلحة بنيوية متبادلة، لا مجرد عجز في الأداء.

سابعا: تفكيك نقدي: بين الوظيفة والجمود
لا يمكن مقاربة هذه الظاهرة بمنطق الإدانة الأخلاقية وحده، لأن جزءا من الجمود السياسي ارتبط، تاريخيا، بوظائف بقاء واستمرار فرضتها شروط الاستعمار وغياب السيادة.
كما أن أشكال التكلس ودرجاته تختلف بين مكونات النظام السياسي الفلسطيني تبعا لاختلاف السياقات والعلاقات مع المجتمع والاحتلال والشتات.
فالتكلس هنا ليس مجرد انحراف سياسي فحسب، بل نتاج تفاعل معقد بين الإكراهات الخارجية وحدود الفعل الداخلي، وأحيانا بين ضرورات البقاء وعجز البنية عن التجدد في الوقت نفسه.

ثامنا: وحدة الظاهرة وتعدد التجارب
رغم التعدد الفصائلي والحزبي الفلسطيني، تبقى هناك بنية مشتركة أعمق، إذ تتحرك معظم الفواعل السياسية الفلسطينية ضمن ثقافة سياسية واحدة في الجوهر، تقوم على: الافتقار إلى الوعي المعرفي بطبيعة الصراع الوجودي، غياب الرؤية، الجمود الفكري، هشاشة التمثيل، مركزية القرار، الشرعية التاريخية، وضعف التداول القيادي، وإن اختلفت درجاتها بين طرف وآخر.
لكن هذه الملاحظة لا تُقدَّم هنا كحكم مكتمل، بل كاختبار لمستوى أعمق من الفهم: هل هذه السمات تعبير عن خصائص داخل الحالة الفلسطينية فقط، أم أنها تكشف نمطا يتكرر في سياقات حركات التحرر حين تدخل في مراحل طويلة من عدم الحسم التاريخي؟
غير أن المقارنة هنا لا تُستخدم بوصفها تشبيها تاريخيا مباشرا، بل بوصفها أداة لكشف حدّ هذا التشابه ذاته. فالتجارب التي تبدو متقاربة في سطحها البنيوي، لا تُنتج بالضرورة المعنى نفسه، لأن شروط إنتاج السياسة فيها ليست متشابهة. وبذلك فإن المقارنة لا تُقدَّم لإثبات أن الحالة الفلسطينية “تشبه غيرها”، بل لاختبار ما إذا كان نموذج “التشابه التاريخي” نفسه قادرا على تفسير حالة يتداخل فيها عدم اكتمال التحرر مع استمرار الاستعمار في التجدّد.
ويمكن فهم هذا النمط بصورة أدق عند مقارنته بتجارب حركات تحرر أخرى، حيث يظهر التكلس السياسي غالبا كمرحلة “ما بعد الإنجاز”، أي بعد تحقق الاستقلال أو اكتمال الدولة، حين تبدأ البنية التنظيمية في التحول من أداة تحرر إلى جهاز إدارة واستمرار.
غير أن هذه المقارنة، في الحالة الفلسطينية، لا تعمل بوصفها تطابقا تاريخيا جاهزا، بل بوصفها سؤالا مفتوحا حول مدى صلاحية هذا النموذج التفسيري نفسه. فهنا لا يكتمل “الانتقال الطبيعي” من التحرر إلى الدولة، بل يحدث تشظ في المسار ذاته.
وبينما في كثير من التجارب يظهر التكلس كمرحلة لاحقة على اكتمال المشروع، فإن الحالة الفلسطينية تضع هذا الفهم أمام اختبار مختلف: هل يمكن أن تتشكل ملامح التكلس داخل مسار لم يكتمل فيه التحرر أصلا، بل يتراجع ويتباعد، في سياق يتسارع فيه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي نحو إعادة إنتاج ذاته؟
بهذا المعنى، تصبح المقارنة ليست لإثبات تشابه، بل لتفكيك افتراض التشابه ذاته.

تاسعا : فجوة المجتمع والمؤسسة السياسية
في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية والإعلامية، يتغير المجتمع الفلسطيني بوتيرة أسرع من المؤسسات السياسية.
غير أن هذه الفجوة لا تُفهم بالكامل إذا بقيت محصورة في ثنائية “مجتمع متقدم / مؤسسة متأخرة”، لأن الطرفين لا يتحركان داخل منطق إنتاج سياسي واحد. فالمجتمع المعاصر، عبر أدواته الرقمية وشبكاته غير المركزية، لم يعد ينتج السياسة بوصفها تمثيلا مؤسسيا، بل بوصفها فعلا متشظيا وسريع التكوين وإعادة التعريف.
في المقابل، ما تزال المؤسسة السياسية تعمل داخل منطق تمثيلي تقليدي يفترض وجود مركز قرار واضح وسلّم هرمي لإنتاج المعنى السياسي. وهنا تصبح الفجوة ليست في السرعة فقط، بل في اختلاف “نموذج إنتاج السياسة” ذاته.
جيل جديد يستخدم أدوات الإعلام الرقمي، ويخوض معركة الرواية، ويعيد تعريف الهوية الوطنية، ويسهم في إعادة تشكيل الرأي العام العالمي.
في المقابل، ما تزال البنية السياسية أسيرة أنماط تقليدية في إنتاج القرار والخطاب.
من هنا لا تظهر المسألة بوصفها مجرد فجوة زمنية، بل بوصفها فجوة أعمق في وظيفة التمثيل السياسي ذاته، أي في تعريف من يمثل ومن يُمثَّل، وليس فقط في آليات التمثيل.
وتتجلى هذه الفجوة بشكل مباشر في الفضاء الرقمي الفلسطيني، حيث تنتج مبادرات وتأثيرات وخطابات تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على الاستيعاب أو التمثيل.

عاشرا: استعمار معاد تشكيله: من السيطرة إلى إدارة الوعي
لا يتوقف المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني عند حدود القوة العسكرية والإبادة والتطهير العرقي، بل يعيد إنتاج نفسه عبر أدوات أكثر تعقيدا تقوم على إدارة المعلومات، وتطوير أنظمة المراقبة الرقمية، وتشكيل الرواية العالمية، وتوظيف التكنولوجيا في إعادة ضبط آليات السيطرة، والتحكم في المجال الرمزي والمعرفي.
غير أن التحول الأهم لا يكمن فقط في تطور أدوات السيطرة، بل في تحول وظيفة هذه الأدوات نفسها. فالمسألة لم تعد إدارة واقع قائم بوسائل أكثر تطورا، بل المشاركة في إنتاج هذا الواقع من الأساس: تعريف ما هو “حقيقي”، وما يمكن رؤيته، وما يمكن التفكير فيه سياسيا.
وبهذا المعنى، لا يعود المشروع الاستعماري مجرد قوة خارجية تفرض سيطرتها على واقع منفصل عنها، بل يصبح جزءا من البنية التي تُنتج هذا الواقع وتعيد تشكيل شروط إدراكه.
وفي هذا السياق، لا تعود السيطرة مرتبطة بالجغرافيا وحدها، بل تمتد إلى طريقة إنتاج الوعي العام وتوجيهه، بما يعيد تعريف طبيعة الصراع نفسه. من صراع على الأرض إلى صراع على إنتاج المعنى السياسي للواقع.
وبهذا المعنى، يتجه الصراع تدريجيا من كونه صراعا على الأرض إلى كونه صراعا على الوعي وإعادة إنتاج الواقع كما يُرى ويُفهم.

حادي عشر: إعادة تعريف الفعل السياسي
لا تستطيع حركات التحرر أن تستند إلى شرعية الماضي وحدها، لأن التاريخ يمنح إمكانية، لا امتيازا دائما.
غير أن إعادة التعريف هنا لا تبدأ من مستوى الأجوبة الممكنة، بل من مستوى أسبق يتعلق بمن يملك أصلا حق صياغة السؤال السياسي. فقبل الحديث عن المشروع أو التمثيل أو آليات القرار، هناك بنية غير مرئية تحدد ما الذي يُعتبر “سياسيا” وما الذي يُستبعد من هذا التعريف. وهذه البنية، كما سبقت الإشارة، لا تعمل كخلفية محايدة، بل كإطار يسبق الفعل السياسي ويحدّد حدوده الممكنة قبل أن يُمارس. ومن هنا تصبح إعادة بناء الفعل السياسي مرتبطة أولا بكسر احتكار تعريف السياسة نفسها.
ومن هنا لا يتعلق الإشكال فقط بالإصلاح التنظيمي، بل بقدرة البنية السياسية على إعادة تعريف طريقة إنتاج الفعل السياسي نفسه:
ما هي الرؤية، ما هو المشروع التحرري الجامع لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي الشتات، طبيعة التمثيل، كيف تُصنع القرارات، ومن يصنعها، وبأي أدوات، وفي أي سياق زمني.
فالمسألة ليست استبدال نخب، بل إعادة بناء منطق العمل السياسي ذاته، أي إعادة تعريف شروط إنتاج السياسة وليس مخرجاتها فقط.

ثاني عشر: المسافة بين الواقع والأداة
في نهاية هذا التحليل، لا تبدو الإشكالية الفلسطينية مرتبطة فقط بطبيعة الاحتلال أو بتطور أدواته، بل أيضا بطبيعة البنية السياسية الفلسطينية التي يفترض أنها تواجهه.
فما كشفه المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي منفصل، بل كجزء من سياق أوسع للبنية السياسية الفلسطينية، يعكس اتساع الفجوة بين تحولات الواقع من جهة، وبطء استجابة البنية السياسية من جهة أخرى. وهي فجوة لا تُقدَّم هنا كحقيقة مكتملة، بل كاتجاه يتشكل عبر تراكم مؤشرات متعددة.
ولا يتعلق الأمر بتبدّل الأشخاص بقدر ما يتعلق باستمرار منطق إنتاج القرار ذاته، وآليات التفكير نفسها، وحدود التخيل السياسي التي ما تزال تحكم الفعل السياسي.
في المقابل، لا يتوقف المشروع الاستعماري الصهيوني عند حدود السيطرة العسكرية والاقتصادية، بل يعيد إنتاج نفسه عبر أدوات أكثر تعقيدا تتجاوز الجغرافيا إلى التحكم في المجال الرقمي، وإعادة تشكيل الرواية، وإدارة الوعي العام.
وهنا تتكثف المفارقة، لكن دون أن تُقدَّم بوصفها نتيجة نهائية مغلقة، بل بوصفها وضعا يتشكل باستمرار:
استعمار يعيد إنتاج نفسه بوتيرة متسارعة،
في مقابل بنية سياسية لم تُنجز بعد إعادة إنتاج أدواتها الفكرية والتنظيمية، بما يسمح لها بمجاراة طبيعة الصراع كما هي، لا كما كانت.
ومن هنا، فإن استشراف مسارات التجاوز لا ينطلق من صياغة برامج حزبية أو تنظيمية جديدة، أو الدعوة لترميم النخب الحالية، بل من تتبع المؤشرات التي تبشر بـ "كسر احتكار تعريف السياسة" خارج الأطر التقليدية.
هذه المسارات لا تنتظر إذنا مؤسسيا، بل تتشكل تدريجيا عبر ثلاثة مستويات متداخلة:
أ: الانفكاك المعرفي عن "سقف الممكن الاستعماري": ويبدأ ذلك من خلال إعادة تعريف الصراع في الوعي الجمعي والخطاب العالمي بوصفه مواجهة مع منظومة استعمار استيطاني إحلالي. والتحرر من "اللغة المعرفية لأوسلو" التي حصرت الأفق الفلسطيني في إدارة المعازل، وتحسين شروط العيش تحت الاحتلال.
ب: السياسة الفائضة عن المركز:
حيث يتجاوز الجيل الجديد مفهوم "المركزية التنظيمية" نحو شبكات فعل مرنة، ميدانية ورقمية، عابرة للجغرافيا والتشظي السياسي. هذه الشبكات تنتج المعنى، وتقدم الرواية، وتقود حركة المقاطعة، والتضامن الدولي بكفاءة تعجز عنها الهياكل التقليدية، مستمدة مشروعيتها من "عدالة الفعل المعاش" لا من "الشرعية التاريخية المتكلسة".
ج: تشبيك ساحات الهوية:
إعادة صياغة المشروع التحرري ككلّ لا يتجزأ، يربط ديموغرافيا الشتات بـالمحتل عام 1948، بالضفة الغربية، والقدس، وقطاع غزة. هذا التشبيك الرمزي والسياسي هو النقيض المباشر لسياسات "التشرذم الوظيفي" التي تتغذى عليها النخب الحاكمة ويغذيها الاستعمار.
إن كسر الاحتكار هذا يعني انتقال الثقل السياسي تدريجيا من "المؤسسة" التي استُهلكت وظيفتها، إلى "المجال العام" الحيوي الذي يعيد ابتكار أدواته.
غير أن ما يبدو هنا كخلاصة للفجوة بين الواقع والبنية السياسية، قد لا يكون في الحقيقة “نتيجة نهائية”، بل مجرد صياغة مؤقتة داخل لحظة تحليلية محددة. فحتى فكرة “الفجوة” نفسها طريقة في رؤية الواقع، تُنتج ما يبدو أنها تشرحه. وبذلك يصبح السؤال أعمق من حدود التشخيص: ليس فقط حول قدرة البنية السياسية الفلسطينية على إعادة تعريف نفسها، بل حول من يملك أصلا حق تعريف ما هو “السياسي”، وما الذي يُعتبر أزمة، وما الذي يُعتبر واقعا قابلا للفهم والتفسير.
وبهذا المعنى، لا ينغلق السؤال بقدر ما يتضاعف:
هل تمتلك البنية السياسية الفلسطينية القدرة على إعادة تعريف نفسها في لحظة يتجدد فيها الاستعمار ذاته باستمرار؟
أم أن الأزمة لم تعد فقط في أدوات الفعل السياسي، بل في شروط تعريف هذا الفعل نفسه، منذ بدايته الأولى؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...