محمد بشكار - ليت شَعِيري ما صَنَع الاسْتِكْباشُ بتفكيري!

أسواق الخروف هذه الأيام استعداداً للأضحى المبارك، سواء في البوادي أو الحواضر، نموذج مصغر لاستخلاص أبلغ العِبَر، ألم يقُل ابن خلدون، إنه إذا فسدت الأعمال وصارت مجاناً، ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل، انظروا كيف جارت القسمة بين فئات المجتمع، فمنهم من يقتني الكبش بأبهظ الأثمان مُباهياً، ومنهم المُسْتغشي أسماله خجلا من أكفان بدون جيوب، لقد قصم ظهر المجتمع، تفاوت طبقي صارخ، وما عاد يصل الأرض بالسماء إلا خروج الروح!

وما الجديد في هذا الوضع الذي قسّم أو مزّق المجتمع، ألمْ يُعلِّمونا في المدارس، أنَّ الانقسام ليس في الصفِّ، ولكن في التفكير لنبقى دائما في الخلْف، بل جعلوا هذا الانقسام، منهجيتنا التي تُيسِّر فهْم الدروس وتحصيلها بيُسر، لذلك تجد أغلب موضوعات كُتبنا المدرسية تبدأ بعبارات مثل: ينقسم الإسلام إلى خمسة أركان.. أو ينقسم المغرب.. أو تنقسم الأسرة.. إلى غير ذلك من الانشطارات شذر مذر، تلك التي توزِّعُ رؤوس صِغارنا كحبَّات البَندورة تحت حدِّ السكِّين، فالشرائح الاجتماعية الصغيرة والفقيرة أسهل طهوا وهضْماً للحقوق، والأدهى أنَّ نفس السؤال المؤرِّق بكمِّه التقسيمي البليد، يظل يلاحق التلاميذ في الامتحانات إلى آخر السنة، أمَا كان أنجع أن نضُخَّ في عقول صغارنا الروح الجماعية عِوض بثِّ مبادىء القلاقل والشقاق، وماذا يضير مؤلف المقررات المدرسية لو تحَامل على عجزه الإبداعي قليلا وعجيزته الكبيرة، تلك التي لصِقتْ بالكرسي كسلا كثيرا، وهبَّ ليُغيِّر هذه الصيغة الانقسامية، ألا يكفي أنها رافقت أجيالا من المتعلِّمين ببلدنا، وصارت عقدة نفسية تضطهد برُهابها كل تلميذ، فإمَّا يُطأطىء رأسه لهذه القوالب الجاهزة مُجيبا على سؤال: كم ينقسم.. أو يتبوَّل في سرواله على الورقة!



أمَا كان أنجع، وأنتم أسياد العارفين أمَّا عبيدهم ففي جهل يسعدون، أنْ نغيِّر ينقسم إلى يجتمع المغرب أو الأسرة أو الإسلام، إن هذه الحَكَامة التَّشرْذُمية وليس البيداغوجية، تنتج مواطنا انقساميا وانهزاميا، وحالته التي نجني اليوم وعيها غير الواعي تشرميلا في الشوارع، تستدعي أن نطرح عنه أكثر من سؤال في أحد دروس المواطنة، حقا لم نعد نعرف، أي الجهات مسؤولة على التَّعليب وليس التعليم ببلادنا، ويمكن ونحن ننجز التمارين ونجهز بالتهجي على قطعة إنشائية في التلاوة المُفسَّرة، أن نسأل إلى كم ينقسم المواطن المغربي على نفسه في بلده، أو على غيره في بلدان الناس، وقد بتْنا نشقى ونحن نعلم بعد أن كُنَّا سعداء في جهلنا، أنه يمكن تقسيم الإنسان المغربي بحسب لسانه ليس في طوله أو عرضه، وهو معروض للبيع عند الجزار، ولكن في لغته فهو إما عربي أو صحرواي حساني أو أمازيغي يتكلم تشلحيت وتمزيغت وتريفيت، نحتاج فقط هذه النفخة في الشعلة الروحية الفتية لأبنائنا، لنضمن اندلاعا غير منقطع الفتيل، لنار الفتنة والكراهية ببلدنا في المستقبل القريب، أعلم أيها المُتاجرون بالعقول بركام الكتب المدرسية، علماً أنه لا علم أو كيْفَ في كمِّها، أنكم استطعتم أن تقسموا المواطن المغربي إلى عدة أطراف على طاولة الصفقة التعليمية، وعِوض تنمية قدراته الفكرية واحترام ذكائه، كبَّرتم الكرش واكتفيتم من القسمة بالجيب!

على طريقة هذا الاستكباش الفكري، علَّمونا في المدارس، أن كل ما ينقسم يسهل حفظه وتحصيله وإخضاعه للفهم، وما أشبهها بالفُرقة السياسية التي تنهجها الأنظمة للسيطرة والحكم، ورغم أنَّ أجوبتنا في الامتحانات طيلة سنوات الدراسة، كانت لدى غالبيتنا صحيحة، وثمة من جعل دماغه يتكيَّف ويتمطى مع سؤال إلى كم ينقسم.. ولم يعجزه حتى أصبح بنجاحاته المظفرة وزيرا يخطط لتقسيم إداري أو جهوي أو أمني جديد للبلاد، أو عالما يسعى بدوره وهو في هجرته بأمريكا والهند، إلى تقسيم آخِر ما انقسم من الذَّرَّة، ولو بقي في البلد فلن يستطيع أن يثْقب حتى إبرة، وقد يذهب بعيداً وبدل أن يقسم الذَّرَّة يفجر فوق النار حبات الذُرَة، ليقعد مُمْتثِلا لناموس القطيع وباعوضه أيضا، يلتهم مع البُوبْ كُورْن أصابعه ندما على العمر الذي ضاع، وقد يمد يده لنبتة الكيف، مُدخِّنا على إيقاع بوب مارلي ما تبقى من الزمن الجميل، أو يضع رأسه مع الرؤوس في علافة، ويرفع عقيرته بالثغاء:
ألا ليت شَعِيري ما صَنَع الاستِكْباش بتفكيري!

...............................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 21 ماي 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...