حسام الحداد - ميكانيكا الفناء: قراءة في سيميائية الموت عند عصام هدية.

يُمثّل نص "الموت" للشاعر عصام هدية -من ديوانه "عصافير تأبى السقوط"- مختبراً شعرياً متقدماً لتفكيك المفهوم الأكثر استغلاقاً في التجربة الإنسانية، وهو "الموت". لا يكتفي الشاعر باستحضار الموت بوصفه نهاية بيولوجية حتمية، بل يجعله "بنيةً" لغويةً ومعرفيةً قابلة للتشريح والتحليل، متجاوزاً بذلك القوالب الرومانسية التقليدية التي غلّفت هذا الموضوع عبر تاريخ الشعر العربي. إن الشاعر يعيد هندسة الفناء ليعرضه بوصفه "انكساراً" في ميكانيكا اللغة، وتوقفاً فجائياً في تروس الإبداع، مما يحول النص إلى مرآة عاكسة لأزمة الذات المعاصرة في مواجهة العدم.
تسعى هذه الدراسة إلى استنطاق التعددية الصوتية (البوليفونية) التي يعتمدها هدية في بناء نصه. فمن خلال توزيع رؤى الموت على ذواتٍ متباينة -من "الموت" ذاته وصولاً إلى "المحبوبة"- ينجح الشاعر في خلق ساحة حوارية تتقاطع فيها الحقائق وتتعدد بتعدد الزوايا. إننا أمام نصٍ يمارس "احتجاجاً لسانياً" عبر توظيف تقنيات العصر الرقمي والميكانيكي، ليعيد صياغة الموت كتعطُّلٍ في منظومة المجاز، ليصبح السؤال الوجودي المطروح هنا: هل نموت حقاً، أم أننا نكفُّ فقط عن إنتاج "الاستعارات" التي تمنح حياتنا معناها؟

تعددية الرؤى كآلية توليد:
يعتمد النص في جوهره على تقنية "تعدد الأصوات" (Polyphony) وفق المفهوم الباختيني، حيث لا يكتفي الشاعر بصوتٍ واحدٍ لتعريف الموت، بل يوزع هذا المفهوم الأنطولوجي على "فواعل" متنوعة، تتقاطع وتتباعد لترسم خريطة شعورية للموت. إن توزيع التعريفات على كائنات متباينة -من الموت ذاته إلى المحبوبة- يحول القصيدة إلى ساحة حوارية (Dialogic Space) تتعدد فيها الحقائق بتعدد الزوايا، مما ينفي وجود حقيقة واحدة أو مطلقة للموت.
يبدأ الشاعر بتقويض المطلق عبر البدء بـ "وجهة نظر الموت" ذاته، الذي يراها "إضافة شبحٍ في قائمة الأشباح" لشخصٍ "لفظ روح المجاز"، رابطاً الفناء بنهاية الحالة الإبداعية. يقابل هذا المنظور الفلسفي منظورُ "الذات الشاعرة" التي تضفي صبغةً تقنية حداثية، حيث تصف الموت بأنه "عطل ميكانيكي في منظومة الاستعارات"، ما يشي بأن الشاعر يختزل كيانه في نتاجه اللغوي، بحيث يصبح توقف النص بمثابة إعلانٍ عن توقف الحياة.
ينتقل النص إلى حقل "الاستهلاك والمنزل" عبر وجهتي نظر الزوجة والأبناء، وهو انتقالٌ يجرّد الموت من هيبته الغيبية ويضعه في إطار "الرتابة اليومية". تصف الزوجة الموت بأنه "تخلصٌ مِنْ عادةِ إعدادِ الطَّعَامِ لمومياء ذكر"، مما يشي بفقدان التواصل الروحي منذ زمن سحيق، بينما يختزل الأبناء الموت في صورةٍ رقمية معاصرة، واصفين إياه بأنه "نهايةُ (أدمن) أغلقَ رابطَ آدابِ اللغَةِ"، ليتحول الأب هنا إلى مجرد "مُشرف" تقني على اللغة، تنتهي سلطته بمجرد إغلاق الرابط.
يتحرك النص بعد ذلك نحو الفضاء الاجتماعي والمهني، حيث الموت "فقدُ رَفِيقٍ مُنَافسٍ" بالنسبة للزملاء، وهو تعريف يربط الموت بالندية والقدرية التي "تُرَتِّبُ المَرَاسِمَ". أما الحاضرون، فيرون في الموت "زفافُ تَابُوتٍ خالٍ مِنَ الحَسَدِ وِالنِّزَاعَاتِ"، وهنا تتبدى دلالة "التفريغ"؛ فالموت لدى المحيطين هو عملية "نزع" لصفات النزاع والتسابق التي كانت تطبع علاقة المتوفى بالحياة، مما يضفي على الموت وظيفة التهدئة الاجتماعية.
يغوص الشاعر في تناقض حاد عبر وضع "النباش" في مقابل "الشعر". فالنباش يرى الموت "حُصولاً عَلَى جثَّةِ نصٍّ طَازَجَةٍ"، في مادية فجة تحول المبدع إلى سلعة، بينما يرى "الشعر" الموت "تحدياً لإيجاد البديل". هذا التناقض يبرز الصراع بين النظرة النفعية التي تقتات على بقايا المبدع، والنظرة الإبداعية التي تنظر للموت كفجوة تتطلب ملأها بالصور، دون اللجوء إلى إجابات مباشرة تقتل الدهشة.
يختم الشاعر سلسلة وجهات النظر بمنظور "المرأة التي أحبته"، وهي النقطة التي يخرج فيها النص من دوائر التنميط المهني، والتقني، والمادي، ليغوص في "البيولوجيا العاطفية". يصف الشاعر الموت من خلالها بأنه "اجتيازُ مَسَافةِ شوقٍ"، مشبهاً إياه بأجنحة تعطلت فيها "بوصلة التوجيه". هذا التعدد يخلص في النهاية إلى أن الموت ليس سوى "بنية لغوية" متغيرة، تتشكل وفق موقع "الذات" من الراحل، لتؤكد أن الموت هو انعكاس دائم لمدى التصاقنا بالحياة.

موت المعنى وميكانيكا الاستعارة:
يعمد الشاعر في هذا النص إلى عملية "تفكيك" للموت، لا عبر أدوات الفلسفة التقليدية، بل من خلال استعارة أدوات العصر الرقمي والميكانيكي. يبتعد النص عن اللغة الشاعرية الرومانسية التي تقدس الفناء، مستبدلاً إياها بلغة "الآلة" و"المنظومة". إن استحضار مصطلحات مثل "عطل ميكانيكي" و"صمامات" يهدف إلى نزع صفة "الرهبة الوجودية" عن الموت، وإعادة صياغته كحدثٍ تقني بحت يصيب "مكونات" الكائن البشري، وتحديداً مكوناته الإبداعية.
تتمثل الفرضية اللسانية للنص في أن الشاعر ليس سوى "جهاز لإنتاج الاستعارات". لذا، عندما يصف الموت بأنه "عطل ميكانيكي في منظومة الاستعارات المكنية"، فإنه يعرّف الموت لا كفناء للجسد، بل كانقطاع في "تدفق اللغة". بالنسبة لعصام هدية، الكينونة البشرية مرتبطة بجدلية "الاستعارة"؛ فإذا توقفت القدرة على التشبيه والمجاز، توقفت الحياة، ليصبح الموت "انهياراً لنظام لغوي" متكامل تعطلت فيه "صمامات الشعر".
يبرز الانزياح اللساني بوضوح حين ينتقل الشاعر إلى استعارة "العالم الافتراضي" في تصوير علاقة الأبناء بوالدهم، حيث يصف الموت بأنه "نهايةُ (أدمن) أغلقَ رابطَ آدابِ اللغَةِ". هنا، يتحول الوجود إلى "بيانات" (Data) ومنصة تواصل، وتصبح اللغة، بنحوها وصرفها، "رابطاً" قابلاً للإغلاق. إن استخدام مفردة "أدمن" (Administrator) يعكس قلق الشاعر من تحول "السلطة الأبوية" أو "الوجود الإنساني" إلى مجرد وظيفة تقنية في فضاء رقمي، ينتهي بانتهاء مدة صلاحيتها.
في خاتمة النص، يدمج الشاعر بين التقنية والمشاعر عبر صورة "البوصلة". يقول: "بأجْنحَةٍ تَعَطَّلَتْ فِيهَا بَوْصَلةُ التَّوَجُّهِ". هنا يكتمل التحليل اللساني لمفهوم العطل؛ فالموت ليس مجرد توقف للآلة، بل هو فقدان للاتجاه (Orientation). البوصلة هنا استعارة للوعي والقدرة على تحديد المعنى، وبانكسارها، يصبح الموت حالة من "التيه الوجودي" حيث تظل الأجنحة موجودة (كأداة للتحليق/للشعر)، لكنها فقدت "بوصلة" الوجهة، مما يؤكد أن الموت هو فقدان للغرض من الوجود.
يكمن التضاد الجوهري في النص في أن الشاعر يغلف "الموت" بمصطلحات تقنية جافة، في حين أنه يتحدث عن "المجاز" و"الصورة". هذا التضاد اللغوي يخدم فكرة "موت المعنى". فبينما يرى الشاعر أن الموت "تحدٍ لإيجاد البديل الذي لايلوي عُنُقَ السّؤال"، ندرك أن اللغة في النص تعاني من "اختناق". إن استخدام ألفاظ مثل "بوَّاباتِ المجازِاتِ البَلاغيّةِ" كجزء من منظومة قابلة للعطب، يضع "اللغة" نفسها في موضع الموت المحتمل، وليس فقط الشاعر.
إن اختيار الشاعر لهذه القائمة من المصطلحات (منظومة، رابط، بوصلة، أدمن) لا يعد عبثاً، بل هو "خطاب موازي" يهدف إلى تعرية الواقع. إننا أمام رؤية لسانية ترى أن العالم الحديث قد جعل من "الإنسان" مجرد كيان لغوي ونظامي. وبما أن الموت في النص هو "عطل في هذه المنظومة"، فإن الشاعر يمارس "احتجاجاً لسانياً" على تحول الوجود إلى مجرد "معادلات" قابلة للتعطل، مؤكداً أن الموت هو اللحظة التي تنهار فيها "بوَّاباتِ المجازِاتِ" أمام حتمية العدم.

المفارقة والتهكم الوجودي:
يمارس الشاعر في هذا النص خطاباً تفكيكياً يعتمد على "قلب المفاهيم" وتهشيم الهيبة الميتافيزيقية للموت. لا يتخذ الشاعر موقفاً مرثوياً، بل يتسلح بـ "التهكم الوجودي" ليُخضع الموت لعملية تشريح نقدي؛ فالموت هنا ليس قدراً غيبياً مهيباً، بل هو "موضوع" للاستهلاك الدلالي. إن التفكيك يطال المؤسسات الاجتماعية والرمزية التي تحيط بالموت، حيث يُنزل الشاعر هذه المؤسسات من أبراجها العالية ليضعها في مواجهة "واقعية الموت" الجافة.
في وجهة نظر الزوجة، يفكك النص العلاقة الزوجية ليحولها إلى فعلٍ ميكانيكي مفرغ من العاطفة، واصفاً إياه بـ "التخلُّص مِنْ عادةِ إعدادِ الطَّعَامِ". المفارقة الصارخة تكمن في نعته للزوج بـ "مومياء ذكر"، وهو وصف يضرب في عمق الزمن (خمسة آلاف نص ق.م)، مما يخلق تضاداً بين "المومياء" التي تنتمي للتاريخ والأساطير، وبين "إعداد الطعام" الذي ينتمي للتفاهة اليومية. هذا التهكم يكشف عن انهيار المعنى في العلاقة، حيث يصبح الموت تحرراً من "عبء" العادة لا فقداناً لرفيق الروح.
في محاكاة ساخرة للمؤسسة الأكاديمية والتربوية، يُحول الشاعر "الأب" في عيون أبنائه إلى "أدمن" (Administrator). إن هذا التوصيف يحول السلطة الأبوية من قيمة أخلاقية ومعرفية إلى "وظيفة رقمية" تنتهي بصلاحياتها. حين يقول الشاعر "أغلقَ رابطَ آدابِ اللغَةِ"، فإنه يشير إلى أزمة تواصل جيلية؛ فالأب الذي يمثل "النحو والصرف" واللغة الكلاسيكية، يراه الأبناء مجرد "برمجية" توقفت عن العمل، مما يبرز تهكماً مريراً على تلاشي التأثير الروحي والتربوي في عصر "الرابط" السريع.
في رصده لموقف الزملاء والحاضرين، يكشف النص عن نفاق المؤسسة الاجتماعية. يرى الزملاء في الموت "فَقْدُ رَفِيقٍ مُنَافسٍ"، حيث تصبح "الحتميّة" غطاءً مهذباً للتخلص من ندية المنافسة. وتستمر المفارقة عند الحاضرين الذين يرون في الجنازة "زفافُ تَابُوتٍ خالٍ مِنَ الحَسَدِ"، مما يعني أن الموت هو الحالة الوحيدة التي يصفو فيها الإنسان من "النزاعات" و"التسابق إلى القمة". السخرية هنا تكمن في أن "السلام" لا يتحقق للإنسان إلا عندما يصبح جثة لا تنافس أحداً.
يصل الخطاب التفكيكي إلى ذروته في "وجهة نظر الشعر"، حيث يتماهى الشاعر مع وظيفته الوجودية. هنا، لا يعد الموت فناءً بيولوجياً، بل هو "تحدٍ لإيجاد البديل". يرفض الشاعر الإجابات الجاهزة التي "تلوِي عُنُقَ السّؤال"، محذراً من أن الإجابات المبتذلة "تُبطل وضوءَ الصُّور". هذا الجزء يمثل دفاعاً عن "قداسة المخيلة"؛ فالموت بالنسبة للشعر ليس نهاية الوجود، بل هو خطر داهم يهدد بـ "انطفاء الصورة" وتوقف تدفق المجاز، مما يعكس قلق الشاعر الحقيقي.
يبرز النص تناقضاً حاداً بين "نباش القبور" و"الشاعر". فالأول يرى الموت "جثة نص طازجة" للربح المادي، في استعارة فجة تحول الإبداع إلى سلعة تُباع وتُشترى. في المقابل، يسعى الشاعر لرفع الموت عن مستوى "النبش" ليضعه في مستوى "السؤال الجمالي". هذا التضاد بين "النباش" الذي يحاول تجميد النص في جثة، و"الشعر" الذي يحاول الحفاظ على حيوية الصورة، يغلف النص بمسحة من التهكم على عالم يحاول دائماً تحويل المبدع إلى "أعضاء بشرية" صالحة للبيع بعد رحيله.

ذروة الشعور:
تمثل خاتمة النص انعطافة جوهرية في البنية التراتبية للقصيدة، حيث ينتقل الشاعر من فضاء "المصطلحات الجامدة" (كالعطل الميكانيكي، والأدمن، والنباش) إلى فضاء "البيولوجيا العاطفية". المرأة التي أحبت الشاعر لا ترى الموت بوصفه "عطلاً في منظومة" أو "نهاية لرابط لغوي"، بل تراه كحالة إنسانية فريدة؛ مما يكسر حدة الجفاف التي صبغت المقاطع السابقة، ويمنح النص مسحة من الدفء الإنساني الذي كان غائباً خلف أقنعة التكنولوجيا.
يصف الشاعر الموت في الخاتمة بعبارة "اجتيازُ مَسَافةِ شوقٍ وَلَهفَتينِ". إن هذا التوصيف يحول الموت من "نهاية" (End) إلى "رحلة" (Journey). إن استحضار "الشوق" و"اللهفة" يعيد للموت بعده البشري المتجذر في الوجدان، حيث يصبح الفراق مجرد مسافة ينبغي قطعها. هنا، يتخلى الشاعر عن النظرة التشييئية التي اتسمت بها وجهات نظر الزملاء والنباش، ليتبنى رؤية تبحث عن "المعنى" في قلب "الفقد".
على عكس المقاطع التي استُخدمت فيها المصطلحات التقنية (كـ "الصمامات" و"المنظومات") للتعبير عن الانهيار، تعود الاستعارة هنا للعمل بطاقتها الكاملة، محملة بشحنات عاطفية مكثفة. الصورة الشعرية في "أجنحة تعطلت فيها بوصلة التوجه" هي استعارة مركبة تجمع بين القدرة على التحليق (الأجنحة) والعجز عن تحديد المسار (تعطل البوصلة). إنها صورة بليغة تعكس حالة "الضياع الوجودي" الذي يصيب المحب عند فقدان معشوقه.
من منظور المحبوبة، الموت هو حالة من "التيه" (Disorientation). فالشاعر لا يرى الموت هنا "عدماً"، بل "تعطلاً في البوصلة". إن مفهوم "الوجهة" هنا يشير إلى المعنى الذي كان المحب يمنحه لحياة الآخر. وبانكسار هذه البوصلة، يصبح الموت هو اللحظة التي يختل فيها التوازن الروحي، ليس فقط للراحل، بل لمن بقي خلفه يحاول عبثاً إكمال الرحلة بجناحين معطلين.
نجح الشاعر من خلال هذه الخاتمة في إتمام عملية "التدفق الشعوري"؛ فقد بدأ النص بتفكيك الموت إلى "عناصر ميكانيكية" باردة، لينتهي به إلى "كتلة شعورية" متقدة. هذا التباين هو جوهر الإبداع في النص؛ فالموت في بدايته كان "إضافة شبح لقائمة الأشباح"، ولكنه في ختامه أصبح "رحلة شوقٍ معطلة". هذا الانتقال يبرز براعة الشاعر في إثبات أن اللغة مهما جفت في قالب تقني، فإنها ستظل دائماً قادرة على الانفجار في لحظات البوح العاطفي.
إن اختيار الشاعر أن تكون وجهة نظر "المرأة التي أحبتني" هي الخاتمة، يعزز من فكرة أن "الحب" هو القوة الوحيدة القادرة على مقاومة "العدم". فبينما كان الجميع ينظر للموت كحتمية، أو مصلحة، أو إجراء تنظيمي، كانت المحبوبة هي الوحيدة التي رأت فيه "أجنحة"؛ أي أنها رأت فيه "السمو" بدلاً من "الدفن". وبذلك، يختم عصام هدية نصه بانتصارٍ نهائي للمشاعر الإنسانية، مؤكداً أن الموت هو مجرد "أجنحة لم تكتمل"، وأن المعنى يظل معلقاً في الأفق بانتظار من يملك القدرة على الحب.
في نهاية هذه القراءة، يبدو نص عصام هدية وكأنه "تخطيطٌ بيانيٌّ" للحظة الفناء، حيث تتوزع وجهات النظر على خارطة من التناقضات بين النظرة المادية النفعية، والنظرة التجريدية الجمالية. إن الشاعر، ببراعته في استخدام "لغة الآلة" لفكك "المقدس الميتافيزيقي"، ينجح في تحويل الموت من رعبٍ أبدي إلى "عطلٍ في منظومة الإشارات". ومع ذلك، تظل خاتمة النص -بملامستها

نص الموت

المَوتُ
مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ المَوْتِ:
هُو إضَافةُ شَبَحٍ فِي قائمَةِ الأشبَاحِ
لشاعرٍ لَفَظَ روحَ المَجَازِ .
مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي:
هُو عُطْلٌ مِيكَانيكيٌّ
فِي مَنظومَةِ الاستعَارَاتِ المَكْنيَّةِ
وصِمَامَاتِ الشِّعرِ
وبوَّاباتِ المجازِاتِ البَلاغيّةِ .
مِن وِجْهَةِ نَظَرِ الزّوجةِ:
هُوَ التّخلُّصُ مِنْ عادةِ إعدادِ الطَّعَامِ
لمومياء ذكر
فَقَدَتْ الحَيَاةَ منذُ أكثر مِنْ خمسةِ آلافِ نصٍّ - ق . م
مِنْ وجهةِ نَظرِ الأبناءِ:
هُو نهايةُ ( أدمن )
أغلقَ رابطَ آدابِ اللغَةِ
والنَّحوِ وَالصَّرْفِ .
مِن وجْهةِ نَظرِ الحَيَاةِ:
هو رِهَانٌ عَلَى خُسَارةٍ لابدَّ مِنهَا.
مِن وجْهةِ نَظَرِ الزُّمَلاءِ:
هو فَقْدُ رَفِيقٍ مُنَافسٍ
قَدْ يستَحِقُّ التَّقْدِيرَ
ولكنَّ الحَتميّةَ تُرَتِّبُ المَرَاسِمَ .
مِن وِجْهَةِ نَظَرِ الحَاضِرينَ :
هُو زفافُ تَابُوتٍ خالٍ مِنَ الحَسَدِ وِالنِّزَاعَاتِ
منزوعُ التَّسَابقِ إلَى القِمَّةِ .
مِن وِجْهَةِ نَظَرِ المَقَابِرِ:
هُو صداعٌ يبدأُ بحَفْرِ لَحْدٍ في رأسِ المَعْنَى
وينتهِي بِضَجيجٍ ثَقِيلٍ مِنْ ضيوفٍ لا داعِيَ لِطَرْدِهمْ .
مِن وجهةِ نظرِ نبَّاشِ المَقَابرِ:
هُو الحُصولُ عَلَى جثَّةِ نصٍّ طَازَجَةٍ
لبَيْعِ أعْضَائِهَا البَشَريَّةِ عَلَى مَسْؤليّةِ النِّزاعِ .
مِنْ وجْهةِ نَظَرِ الشِّعْرِ:
هُوَ تَحَدٍ لإيجادِ البَدِيلِ
الَّذِي لايلْوِي عُنُقَ السّؤالِ بإجَابَاتٍ تُبْطِلُ وضوءَ الصِّورِ .
أمَّا مِنْ وجْهةِ نَظَرِ المَرْأَةِ الَّتِي أحَبَّتْنِي:
فهوَ اجتيازُ مَسَافةِ شوقٍ وَلَهفَتينِ
بأجْنحَةٍ تَعَطَّلَتْ فِيهَا بَوْصَلةُ التَّوَجُّهِ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...