في زمنٍ آخر…
كان يمكن للحرب أن تختبئ.
كان الجنرال يكتب روايته قبل أن يبرد الدم،
وكانت الإمبراطوريات تنتصر بالبيان العسكري،
وتخسر الشعوب مرتين:
مرة في الميدان…
ومرة في الصورة.
لكن شيئًا ما انكسر هذه المرة.
ليس في غزة فقط…
بل في عين العالم.
في غرفةٍ جامعية صغيرة في Boston…
طالبة أمريكية تضع سماعات الموسيقى، وتحاول أن تُكمل بحثها عن “حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين”.
على شاشة هاتفها…
يمرّ طفلٌ مغطى بالغبار كأنه خارج من باطن الأرض، لا من تحت بيت.
تتوقف الموسيقى.
وفي مدينة أوروبية بعيدة…
شاب لم يسمع من قبل باسم حي الشجاعية، يشاهد طبيبًا يضغط بيديه العاريتين على صدر طفل لأن الكهرباء انقطعت عن أجهزة الإنعاش.
وفي جامعة أخرى…
طالبة يهودية تبكي لأول مرة وهي تسمع جنديًا إسرائيليًا يضحك فوق أنقاض بيتٍ مدمر، كأن الركام نكتة ثقيلة.
هكذا بدأت الحكاية تتغير.
ليس بخطاب سياسي…
ولا بقرار أممي…
ولا بانتصار عسكري.
بل بتسلل الصورة إلى الضمير الإنساني مباشرة، دون إذن من أحد.
إسرائيل التي أمضت عقودًا تبني صورتها أمام الغرب كجزيرة ديمقراطية وسط “البرية”،
وجدت نفسها فجأة أمام كاميرا لا تطيعها.
كاميرا خرجت من جيب طفل.
ومن خوذة مسعف.
ومن هاتف صحفي يركض بين الجثث.
ومن بث مباشر لناشط أوروبي يرتجف خوفًا وهو يُسحب بالقوة من فوق سفينة مساعدات في عرض البحر.
هنا لم يعد المشهد سياسيًا فقط.
صار أقرب إلى انهيار قناع.
العالم لم يعد يرى جيشًا “يدافع عن نفسه”…
بل قوة هائلة تضغط بكل ثقلها على أجساد بشرية عارية إلا من الخوف.
ولهذا…
حين ظهر وزير متطرف مثل
Itamar Ben-Gvir
وهو يتباهى بالقمع والإذلال والاعتقال، لم يكن يدرك أنه لا يخيف الفلسطينيين فقط…
بل يخيف صورة إسرائيل نفسها داخل عقل الشاب الغربي.
ذلك الشاب الذي تربّى على أفلام الحرية، وحقوق الإنسان، وكرامة الفرد، رأى فجأة أن الذين يتحدثون باسم “الديمقراطية” قادرون على خطف متطوعين من المياه الدولية، وإهانة أطباء وناشطين ونساء أمام الكاميرات، فقط لأنهم حاولوا إيصال حليب لطفل محاصر.
وهنا بدأ الجيل الجديد يطرح السؤال الأخطر:
إذا كان هذا يحدث أمام العالم كله…
فماذا يحدث بعيدًا عن الكاميرا؟
المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست في المظاهرات.
المظاهرات تهدأ.
وليست في نائب تقدمي يفوز داخل الحزب الديمقراطي.
الانتخابات تتغير.
الخطر الحقيقي…
أن الوعي الغربي نفسه بدأ يتحرك ببطء.
ببطء… لكنه يتحرك.
ذلك الوعي الذي صُنعت طبقاته عبر عقود طويلة من السينما والإعلام والسياسة واللوبيات والجامعات، بدأ يشهد تصدعًا داخليًا لأول مرة منذ أجيال.
لأن الصورة هذه المرة كانت أقوى من الرواية.
وأكثر صدقًا من البيانات.
وأشد قسوة من قدرة اللغة على التبرير.
لكن السؤال الآن ليس:
هل تغيّر الغرب بالكامل؟
لا.
فالدول لا تغيّر مصالحها بهذه السرعة،
والإمبراطوريات لا تتخلى بسهولة عن قواعدها العسكرية المتقدمة.
لكن التاريخ أحيانًا يبدأ من شرخ صغير في الوعي.
وهذا الشرخ ظهر فعلًا.
ولهذا فإن أخطر ما قد يفعله الفلسطيني اليوم…
أن يتعامل مع هذه اللحظة كأنها موجة عاطفية عابرة.
ما يحدث الآن يحتاج إلى عقل تاريخي طويل النفس.
يحتاج إلى أن نفهم أن المعركة لم تعد فقط على الأرض…
بل على من يروي الحكاية أولًا.
يجب أن يتحول كل طبيب خرج من غزة إلى شاهد عالمي.
وكل متطوع من “أسطول الحرية” إلى رواية حية داخل الجامعات الغربية.
وكل أم فلسطينية إلى صوت يسمعه العالم بلغته هو، لا بلغتنا فقط.
يجب أن تتحرك الجاليات الفلسطينية نحو الشباب، والفنانين، والنقابات، والجامعات، والتيارات التقدمية، لا بروح الضحية المستجدية، بل بروح الإنسان الذي يحمل قضية أخلاقية كبرى تخص العالم كله.
الحركة الصهيونية فهمت هذا مبكرًا.
دخلت السينما.
والإعلام.
والجامعات.
ومراكز الأبحاث.
وصنعت سرديتها بصبر طويل حتى أصبح كثير من السياسيين الغربيين يرون الدفاع عن إسرائيل جزءًا من هويتهم السياسية والأخلاقية.
واليوم…
يفتح التاريخ نافذة صغيرة للفلسطيني.
نافذة صنعتها دماء غزة، وقسوة الحرب، وغباء القوة حين تبالغ في استعراض نفسها أمام الكاميرا.
ويبقى السؤال الأخير:
هل سنفهم نحن الفلسطينيين أن الزمن تغيّر؟
وأن الطفل الخارج من تحت الركام ربما فعل للرواية الفلسطينية أكثر مما فعلته آلاف الخطب الطويلة؟
ربما للمرة الأولى منذ عقود طويلة…
لا يقف الفلسطيني وحيدًا تمامًا أمام الشاشة.
ثمة شاب أمريكي يهتف لفلسطين وهو لا يعرف العربية.
وثمة طالبة أوروبية ترفع صورة طفل من غزة كما لو أنه شقيقها الأصغر.
وثمة يهودي شاب في جامعة غربية يكتشف أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية.
وثمة جيل كامل بدأ يرى الإنسان الفلسطيني خارج القوالب القديمة التي صُنعت له بعناية طوال عقود.
لكن التاريخ لا يمنح الفرص مرتين بسهولة.
فالوعي مثل الضوء في السينما…
إن لم تعرف كيف تلتقطه في اللحظة المناسبة، ينطفئ، ويتركك وحيدًا في العتمة.
ولهذا فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نبكي ضحايانا،
بل أن نحوّل ألمهم إلى لغة يفهمها العالم،
وأن نحول الصورة إلى ذاكرة،
والذاكرة إلى وعي،
والوعي إلى موقف،
والموقف إلى تغيير طويل المدى داخل المجتمعات التي كانت يومًا ترى فلسطين من خلف الزجاج السياسي البارد.
المعركة القادمة لن تُحسم فقط بالصواريخ والدبابات…
بل بمن ينجح في حماية إنسانية الإنسان داخل هذا العالم المتوحش.
ومن ينجح في جعل الطفل الخارج من تحت الركام…
ليس مجرد صورة عابرة على هاتف،
بل شاهدًا أبديًا على زمنٍ رأى فيه العالم الحقيقة بأم عينيه.
وربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب أن يفهم فيها الفلسطيني أخيرًا…
أن روايته لم تعد حبيسة المخيم،
ولا أسيرة نشرات الأخبار،
ولا رهينة السياسيين.
لقد خرجت إلى العالم.
والسؤال الآن ليس:
هل يسمعنا العالم؟
بل:
هل سنعرف نحن كيف نحافظ على هذا الصوت حيًا…
قبل أن تبتلعه الضوضاء من جديد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
22/5/2026
كان يمكن للحرب أن تختبئ.
كان الجنرال يكتب روايته قبل أن يبرد الدم،
وكانت الإمبراطوريات تنتصر بالبيان العسكري،
وتخسر الشعوب مرتين:
مرة في الميدان…
ومرة في الصورة.
لكن شيئًا ما انكسر هذه المرة.
ليس في غزة فقط…
بل في عين العالم.
في غرفةٍ جامعية صغيرة في Boston…
طالبة أمريكية تضع سماعات الموسيقى، وتحاول أن تُكمل بحثها عن “حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين”.
على شاشة هاتفها…
يمرّ طفلٌ مغطى بالغبار كأنه خارج من باطن الأرض، لا من تحت بيت.
تتوقف الموسيقى.
وفي مدينة أوروبية بعيدة…
شاب لم يسمع من قبل باسم حي الشجاعية، يشاهد طبيبًا يضغط بيديه العاريتين على صدر طفل لأن الكهرباء انقطعت عن أجهزة الإنعاش.
وفي جامعة أخرى…
طالبة يهودية تبكي لأول مرة وهي تسمع جنديًا إسرائيليًا يضحك فوق أنقاض بيتٍ مدمر، كأن الركام نكتة ثقيلة.
هكذا بدأت الحكاية تتغير.
ليس بخطاب سياسي…
ولا بقرار أممي…
ولا بانتصار عسكري.
بل بتسلل الصورة إلى الضمير الإنساني مباشرة، دون إذن من أحد.
إسرائيل التي أمضت عقودًا تبني صورتها أمام الغرب كجزيرة ديمقراطية وسط “البرية”،
وجدت نفسها فجأة أمام كاميرا لا تطيعها.
كاميرا خرجت من جيب طفل.
ومن خوذة مسعف.
ومن هاتف صحفي يركض بين الجثث.
ومن بث مباشر لناشط أوروبي يرتجف خوفًا وهو يُسحب بالقوة من فوق سفينة مساعدات في عرض البحر.
هنا لم يعد المشهد سياسيًا فقط.
صار أقرب إلى انهيار قناع.
العالم لم يعد يرى جيشًا “يدافع عن نفسه”…
بل قوة هائلة تضغط بكل ثقلها على أجساد بشرية عارية إلا من الخوف.
ولهذا…
حين ظهر وزير متطرف مثل
Itamar Ben-Gvir
وهو يتباهى بالقمع والإذلال والاعتقال، لم يكن يدرك أنه لا يخيف الفلسطينيين فقط…
بل يخيف صورة إسرائيل نفسها داخل عقل الشاب الغربي.
ذلك الشاب الذي تربّى على أفلام الحرية، وحقوق الإنسان، وكرامة الفرد، رأى فجأة أن الذين يتحدثون باسم “الديمقراطية” قادرون على خطف متطوعين من المياه الدولية، وإهانة أطباء وناشطين ونساء أمام الكاميرات، فقط لأنهم حاولوا إيصال حليب لطفل محاصر.
وهنا بدأ الجيل الجديد يطرح السؤال الأخطر:
إذا كان هذا يحدث أمام العالم كله…
فماذا يحدث بعيدًا عن الكاميرا؟
المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست في المظاهرات.
المظاهرات تهدأ.
وليست في نائب تقدمي يفوز داخل الحزب الديمقراطي.
الانتخابات تتغير.
الخطر الحقيقي…
أن الوعي الغربي نفسه بدأ يتحرك ببطء.
ببطء… لكنه يتحرك.
ذلك الوعي الذي صُنعت طبقاته عبر عقود طويلة من السينما والإعلام والسياسة واللوبيات والجامعات، بدأ يشهد تصدعًا داخليًا لأول مرة منذ أجيال.
لأن الصورة هذه المرة كانت أقوى من الرواية.
وأكثر صدقًا من البيانات.
وأشد قسوة من قدرة اللغة على التبرير.
لكن السؤال الآن ليس:
هل تغيّر الغرب بالكامل؟
لا.
فالدول لا تغيّر مصالحها بهذه السرعة،
والإمبراطوريات لا تتخلى بسهولة عن قواعدها العسكرية المتقدمة.
لكن التاريخ أحيانًا يبدأ من شرخ صغير في الوعي.
وهذا الشرخ ظهر فعلًا.
ولهذا فإن أخطر ما قد يفعله الفلسطيني اليوم…
أن يتعامل مع هذه اللحظة كأنها موجة عاطفية عابرة.
ما يحدث الآن يحتاج إلى عقل تاريخي طويل النفس.
يحتاج إلى أن نفهم أن المعركة لم تعد فقط على الأرض…
بل على من يروي الحكاية أولًا.
يجب أن يتحول كل طبيب خرج من غزة إلى شاهد عالمي.
وكل متطوع من “أسطول الحرية” إلى رواية حية داخل الجامعات الغربية.
وكل أم فلسطينية إلى صوت يسمعه العالم بلغته هو، لا بلغتنا فقط.
يجب أن تتحرك الجاليات الفلسطينية نحو الشباب، والفنانين، والنقابات، والجامعات، والتيارات التقدمية، لا بروح الضحية المستجدية، بل بروح الإنسان الذي يحمل قضية أخلاقية كبرى تخص العالم كله.
الحركة الصهيونية فهمت هذا مبكرًا.
دخلت السينما.
والإعلام.
والجامعات.
ومراكز الأبحاث.
وصنعت سرديتها بصبر طويل حتى أصبح كثير من السياسيين الغربيين يرون الدفاع عن إسرائيل جزءًا من هويتهم السياسية والأخلاقية.
واليوم…
يفتح التاريخ نافذة صغيرة للفلسطيني.
نافذة صنعتها دماء غزة، وقسوة الحرب، وغباء القوة حين تبالغ في استعراض نفسها أمام الكاميرا.
ويبقى السؤال الأخير:
هل سنفهم نحن الفلسطينيين أن الزمن تغيّر؟
وأن الطفل الخارج من تحت الركام ربما فعل للرواية الفلسطينية أكثر مما فعلته آلاف الخطب الطويلة؟
ربما للمرة الأولى منذ عقود طويلة…
لا يقف الفلسطيني وحيدًا تمامًا أمام الشاشة.
ثمة شاب أمريكي يهتف لفلسطين وهو لا يعرف العربية.
وثمة طالبة أوروبية ترفع صورة طفل من غزة كما لو أنه شقيقها الأصغر.
وثمة يهودي شاب في جامعة غربية يكتشف أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية.
وثمة جيل كامل بدأ يرى الإنسان الفلسطيني خارج القوالب القديمة التي صُنعت له بعناية طوال عقود.
لكن التاريخ لا يمنح الفرص مرتين بسهولة.
فالوعي مثل الضوء في السينما…
إن لم تعرف كيف تلتقطه في اللحظة المناسبة، ينطفئ، ويتركك وحيدًا في العتمة.
ولهذا فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نبكي ضحايانا،
بل أن نحوّل ألمهم إلى لغة يفهمها العالم،
وأن نحول الصورة إلى ذاكرة،
والذاكرة إلى وعي،
والوعي إلى موقف،
والموقف إلى تغيير طويل المدى داخل المجتمعات التي كانت يومًا ترى فلسطين من خلف الزجاج السياسي البارد.
المعركة القادمة لن تُحسم فقط بالصواريخ والدبابات…
بل بمن ينجح في حماية إنسانية الإنسان داخل هذا العالم المتوحش.
ومن ينجح في جعل الطفل الخارج من تحت الركام…
ليس مجرد صورة عابرة على هاتف،
بل شاهدًا أبديًا على زمنٍ رأى فيه العالم الحقيقة بأم عينيه.
وربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب أن يفهم فيها الفلسطيني أخيرًا…
أن روايته لم تعد حبيسة المخيم،
ولا أسيرة نشرات الأخبار،
ولا رهينة السياسيين.
لقد خرجت إلى العالم.
والسؤال الآن ليس:
هل يسمعنا العالم؟
بل:
هل سنعرف نحن كيف نحافظ على هذا الصوت حيًا…
قبل أن تبتلعه الضوضاء من جديد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
22/5/2026