يحيى بركات - حين صار السؤال أكبر من التنظيم قراءة في مقال عريب الرنتاوي بين أزمة فتح ومفارقة حماس

ليلٌ فلسطينيٌّ ثقيل…
ثقيلٌ إلى الحد الذي تصبح فيه نشرات الأخبار أشبه بتقارير من كوكبٍ فقدَ توازنه.

غزة تحترق.
أطفالٌ يُنتشلون من الإسمنت البارد.
أمهاتٌ يبحثن عن أسماء أبنائهن بين أكياسٍ بيضاء.
وفي الجهة الأخرى من المشهد…
قاعات مضاءة، بطاقات تصويت، مؤتمرات، انتخابات، ولغةٌ خشبية تُحاول أن تبدو مطمئنة فيما التاريخ كله يرتجف تحت أقدام الجميع.
وفي الأسبوع ذاته تقريبًا…
كانت فتح تعقد مؤتمرها الثامن في رام الله، بينما كانت حماس تذهب إلى جولة ثانية لاختيار رئيس مكتبها السياسي.
مشهدٌ بدا لكثيرين كأنه مقارنة بين زمنين:
حركةٌ هرمت داخل السلطة…
وأخرى ما زالت تتحرك بعقل التنظيم المقاتل.
لكن السياسة، مثل السينما، تخدع أحيانًا من يكتفي باللقطة القريبة.

عريب الرنتاوي لم يكتب مقاله كصحفي يلاحق خبرًا.
كتب كرجل يرى الحكاية الفلسطينية كلها تدخل منعطفًا خطيرًا.
كان واضحًا أن الرجل لا يكتب بروح الشماتة، بل بروح الخيبة الثقيلة التي يحملها كثير من أبناء جيله…
جيل عرف فتح حين كانت فكرةً تمشي بين الناس، لا مؤسسةً محاطة بالبروتوكول والحراس والمكاتب.
وحين كتب:
“انتخاب هنا، معروفة نتائجه سلفاً، أقرب لمفهوم البيعة والولاء منه إلى معنى الانتخاب ومضامينه…”
فهو لم يكن يطلق شتيمة سياسية بقدر ما كان يصف شعورًا عامًا لدى قطاع واسع من الفلسطينيين.
نعم…
إعادة انتخاب الرئيس محمود عباس بالإجماع لم تُفاجئ أحدًا.
كما أن بنية المؤتمر نفسها أوحت لكثيرين بأن النتائج تدور داخل توازنات محسومة مسبقًا.
وهنا أصاب الرنتاوي جزءًا موجعًا من الحقيقة.
لأن الناس لم تكن تنتظر مجرد انتخابات تنظيمية…
كانت تنتظر لحظة مراجعة تاريخية كبرى بعد كل هذا الخراب الممتد من أوسلو حتى غزة.
كانت تنتظر أسئلة بحجم الكارثة:
كيف وصلنا إلى هنا؟
أين أخطأنا؟
كيف تآكل المشروع الوطني؟
كيف تحولت السلطة من أداة يفترض أن تخدم الفكرة… إلى فكرة بحد ذاتها؟
لكن، وفي المقابل، كان على الرنتاوي أن ينتبه إلى شيء آخر أيضًا.
فتح ليست حزبًا حاكمًا في دولة مستقرة.
إنها حركة تحرر وطني تعيش منذ سنوات داخل احتلال وانقسام وانهاك مالي وسياسي واجتماعي.
وهذا لا يبرر غياب الديمقراطية الكاملة…
لكنه يفسر خوف الحركة من الانفجار الداخلي أو الفوضى أو التشظي الكامل.
ثم يذهب الرنتاوي إلى مقارنة أخرى حين يكتب:
“فتح المستقرة والآمنة في ملاذها الانتقالي في رام الله والضفة، لا تعقد مؤتمراتها بانتظام، بينما حماس الملاحقة والمطاردة تميل لعقد مؤتمراتها وتجديد قياداتها بانتظام.”
وهنا أيضًا يلمس حقيقة مهمة.
فحماس، رغم الاغتيالات والحرب، أظهرت قدرة تنظيمية عالية في الحفاظ على آليات التداول الداخلي.
لكن المقارنة هنا تحتاج إلى عدسة أوسع.
لأن حماس ليست فقط حركة مقاومة…
إنها أيضًا حركة خرجت من رحم الإسلام السياسي، حيث يمتزج التنظيم بالعقيدة، والدعوي بالسياسي، والمقاومة بالرؤية الدينية للعالم.
وهنا تحديدًا تبدأ المنطقة الحساسة التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها.
أنا، مثل كثيرين، أستطيع أن أنحني احترامًا للمقاتل الذي يقاتل الاحتلال، سواء كان من حماس أو الجهاد أو فتح أو أي فصيل آخر.
الدم الفلسطيني لا يُقاس بالهوية الحزبية، والشهادة ليست بطاقة تنظيمية.
لكن احترام المقاومة لا يعني بالضرورة تبني مشروع “الدين السياسي”.
فهناك فرق كبير بين الإيمان كقيمة إنسانية وروحية تخص الإنسان ووجدانه…
وبين تحويل الدين إلى مشروع حكم وهوية سياسية مغلقة.
الدين لله…
والوطن للجميع.
وهذه ليست جملة إنشائية، بل خلاصة تجارب مريرة عاشتها شعوب كثيرة حين اختلط المقدس بالسلطة، وتحولت السياسة إلى معركة احتكار للحقيقة المطلقة.
لهذا بدا الرنتاوي أحيانًا وكأنه يذهب بعيدًا في الإعجاب بالنموذج التنظيمي لحماس، دون أن يمنح الأسئلة الكبرى حول الإسلام السياسي حقها الكافي.
فالديمقراطية داخل التنظيم لا تعني بالضرورة ديمقراطية في المجتمع.
والانضباط الحركي لا يكفي وحده لبناء مشروع وطني يتسع للجميع.
وفي المقابل…
فإن أكثر ما أصاب فيه الرنتاوي، كان حين كتب:
“أن السلطة ابتلعت فتح… تماماً مثلما كانت ابتلعت منظمة التحرير الفلسطينية.”
هذه ربما الجملة الأكثر دقة وخطورة في المقال كله.
فالسلطة التي كان يفترض أن تكون أداة من أدوات المشروع الوطني، تحولت تدريجيًا إلى مركز الثقل نفسه، وأصبح الحفاظ عليها أحيانًا أهم من تطوير المشروع الوطني ذاته.
لكن الرنتاوي حين يصف السلطة بأنها:
“كيان وظيفي في خدمة الاحتلال”
فهو يذهب إلى منطقة شديدة القسوة والتبسيط.
نعم، هناك تنسيق أمني وارتهان اقتصادي وسياسي وأخطاء كارثية.
لكن اختزال المجتمع الفلسطيني كله داخل السلطة بوصفه مجرد “وظيفة للاحتلال” يلغي التعقيد الحقيقي للمشهد.
فالسلطة ليست فقط سلطة…
إنها أيضًا مئات آلاف البشر الذين يعيشون داخل هذا الواقع المأزوم، بكل تناقضاته وأحلامه وخوفه واعتماداته.
ثم تأتي جملته القاسية الأخرى:
“هنا ترقد الحركة التي كنّا نعرف.”
جملة موجعة…
وأدبية…
لكنها ليست دقيقة بالكامل.
فتح لم تمت.
ولو ماتت فعلًا، لما بقيت حتى الآن العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية رغم كل ما أصابها.
المشكلة ليست أن فتح انتهت…
بل أن فتح الفكرة والحلم والكفاح والتنوع، تراجعت أمام فتح السلطة والإدارة والأجهزة والتوازنات.
وهذا فرق كبير.
فداخل الحركة ما زال هناك مناضلون حقيقيون، وأسر شهداء، وأسرى سابقون، وناس نظاف يؤمنون أن الحركة أكبر من المناصب والامتيازات…
لكن هؤلاء لم يعودوا يملكون الصوت الأعلى.
وفي الأردن تحديدًا، كما في أجزاء واسعة من العالم العربي، حدث خلال السنوات الأخيرة نوع من الربط العاطفي الكامل بين المقاومة وحماس وحدها، وكأن تاريخ المقاومة الفلسطينية بدأ مع الإسلام السياسي وانتهى عنده.
وهذا ظلم للحقيقة.
فالمقاومة الفلسطينية أقدم وأوسع وأعمق من أي تنظيم.
في جنوب لبنان…
وفي الأغوار…
وفي الانتفاضة الأولى…
وفي بيروت…
امتزج دم الفتحاوي بالشيوعي بالقومي بالإسلامي.
الرصاص لم يكن يسأل عن الأيديولوجيا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نصل إليه، هو أن تتحول فلسطين نفسها إلى مجرد ساحة صراع بين مشاريع أيديولوجية مغلقة، بدل أن تبقى قضية تحرر إنساني لشعب يريد الحرية والكرامة والعدالة.
القيمة الحقيقية في مقال الرنتاوي أنه فتح الجرح الفلسطيني الكبير دون خوف.
لكن الجروح الوطنية لا تُشفى فقط بالمراثي…
ولا بالمقارنات الحادة…
ولا بالحنين وحده.
بل بمشروع جديد يعيد الاعتبار للفكرة الفلسطينية نفسها:
فلسطين كقضية حرية…
لا كبيعة.
ولا كوراثة.
ولا كاحتكار للحقيقة باسم الدين أو باسم السلطة.
فالأوطان التي تتسع للجميع…
هي وحدها التي تستطيع النجاة من الخراب.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...