الوحدةاليمنية !!

لقد جاءت الوحدة اليمنية في زمنٍ لم تكن فيه التحديات سهلة، ولا الظروف مهيأة للبذخ السياسي، لكنها ولدت من حاجة الناس إلى وطنٍ يجمعهم، ومن رغبة شعبٍ أنهكته الانقسامات وأتعبته الحدود المصطنعة. كان المواطن البسيط يومها يرى في الوحدة نافذةً نحو الاستقرار، وحلمًا يعيد لليمن مكانته وهيبته بين الأمم، ولذلك استقبلها الناس بقلوبٍ مفعمة بالأمل، لا باعتبارها اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها عودة الروح إلى الجسد الواحد.
والوحدة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب الرنانة، بل بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق العدالة بين أبناء الوطن. ولهذا فإن الحديث عن عيد الوحدة لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بالماضي، بل مراجعة صادقة للحاضر، واستحضارًا لمعنى أن يكون الوطن بيتًا يتسع للجميع دون إقصاء أو تهميش أو كراهية.
لقد مرت اليمن خلال العقود الماضية بمنعطفات قاسية، وحروبٍ أنهكت المدن والقلوب معًا، حتى أصبح كثيرٌ من اليمنيين يشعرون بأن الوطن يتشظى تحت وطأة الصراعات. لكن رغم كل ذلك، بقيت فكرة الوحدة راسخة في وجدان الناس، لأن اليمني البسيط يدرك أن التمزق لا يبني وطنًا، وأن الخرائط المتنازعة لا تصنع مستقبلًا، وأن ما يجمع أبناء اليمن أكبر بكثير مما يفرقهم.
وفي عيد الثاني والعشرين من مايو، يحتاج اليمنيون إلى استعادة المعنى العميق للوحدة، لا بوصفها سلطةً أو نفوذًا، بل باعتبارها مصيرًا مشتركًا وهويةً جامعة. فالوحدة التي لا تحمي الفقير، ولا تمنح الشباب فرصة للحياة، ولا تصنع عدالةً بين الناس، تبقى ناقصة مهما ارتفعت حولها الأناشيد. أما الوحدة التي تُبنى على المواطنة والكرامة والاحترام المتبادل، فهي وحدها القادرة على البقاء في وجه العواصف.
إن اليمن، بكل جراحه، ما يزال وطنًا واحدًا يسكن في قلوب أبنائه. وصنعاء وعدن وتعز وحضرموت وإب والحديدة ومأرب وكل شبرٍ من هذه الأرض ليست أسماءً متفرقة، بل ملامح لروحٍ يمنية واحدة، مهما حاولت السياسة أن تزرع بينها المسافات.
ولعل أعظم ما يمكن أن يُهدى للوحدة اليمنية في عيدها المجيد، ليس الكلمات وحدها، بل أن يتصالح اليمنيون مع بعضهم، وأن يؤمنوا بأن الوطن لا يُبنى بالخصومة، بل بالشراكة، ولا ينهض بالكراهية، بل بالعدل والمحبة والعمل.
سيبقى الثاني والعشرون من مايو يومًا يذكّر اليمنيين بأن الوطن الكبير لا يموت، وأن الأحلام التي خرجت من قلب الشعب ستظل قادرة على النهوض مهما تعثرت، لأن اليمن لم يكن يومًا مجرد حدودٍ على الخريطة، بل حكاية شعبٍ عريق يؤمن أن وحدته هي الطريق الوحيد لعبور الألم نحو المستقبل!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...