حياة الجميلي - مقدمة كتاب : السيد الجميلي أسطورة العصر

قبل البداية أستأذن روح جاحظ العصر، وشيخ العلماء، الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، عميد كلية اللغة العربية الأسبق بجامعة الأزهر، بإستخلاص عنوان هذا الكتاب «السيد الجميلي أسطورة العصر» من مضمون دراسته القيمة الموضوعية بعنوان :
السيد الجميلي من أعلام المؤلفين والمحققين، والذى إستهله بفقرة بالغة البلاغة والدقة بقوله :
الدكتور السيد الجميلي الطبيب الشاعر، والمؤلف، والعالم، والمفكر، والكاتب الإسلامي، شخصية اسطورية، أسطورية حقاً، متعدد المواهب، متعدد الملكات، يكتب مجيداً، ويؤلف متقناً، وينظم الشعر ويحبره فى تفوق، وهو إلى هذا كله محقق من أعلام المحققين المعاصرين .. ثم يستطرد ويقول :
وماذا نقول عن هذا العالم الجليل، والطبيب النابه، والأديب الموهوب، والمحقق المبرز، الدكتور السيد الجميلي؟! .... الخ

وهذا الذي سطره الخفاجي لم يدع زيادة لمستزيد، لذلك إستأذنته مرّة أخرى مجدداً أن يكون عنوان هذا الكتاب «السيد الجميلي أسطورة العصر» ولستُ بالغة ما بلغت من توصيف أو تحليل أو تقويم، أن أتراقى بقلمي المتواضع إلى المستوى الذي يكتب به أستاذنا الدكتور خفاجي، وغيره من الأئمة من أعلام العصر المعتبرين على مستوى العالم عن السيد الجميلي، ورحم الله إمرءًا عرف قدر نفسه - ولكني بصفتى أقرب من تكون من هذا الرجل الأسطوري، فإنما عمدت إلى إستجلاء جوانب خطيرة من أخص خصوصياته التى خفيت على كثير من الناس، وهذا لزوم الإقتراب المباشر معه في البيت - وهي جوانب تكشف عن أبعاد حساسة تفسر هذه الشخصية، وتسهم في الولوج إلى عوالمها المحجوبة عن كثير من الناس، فتكون عوناً للباحثين والدارسين والكاتبين.

إنه رجل خُلِقَ مشغوفاً بالعلم، منهوماً بالفكر، ولوعاً بالثقافة والموسوعية إلى أبعد حد تتصوره، لا يكاد يضع القلم من يده، يواصل الليل بالنهار في نشاط متجدِّد، لا يعرف الفتور، إذ أن العلم فى كل مجالاته يستولى علي كل ذرة فى حياته، فهو يُضحى بماله وراحته وصحته فى سبيل العلم، فالجميلي كان طبيباً نابهاً بين كبار الأطباء، وأديباً مبرزاً وشاعراً فذاً بين كبار الشعراء والأدباء، وخطيبًا مفوهًا، ومحدثًا مؤثِّرًا بين كبار الخطباء والفقهاء، كان عالماً بصيراً بالحديث والرجال له تآليف مفيدة، ثقةً ثبتاً في الحديث، جامعاً، حجةً، عدلاً، ومفسراً متقناً للقرأن الكريم بين أعلام المفسرين، فضلا عن كونه عالماً متبحراً فى علوم اللغة والبيان، وإماماً حجة حافظاً واسع العلم كبير القدر بشهادة أعلام العصر من كبار العلماء والمحققين.

كان التليفزيون المصرى يسجل في بيتنا حلقة حول الأحجار الكريمة سنة ۱۹۹۸م وكان ضيوف الحلقة، المؤلف الكبير الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، والدكتورة فتحية البيجاوي ابنة المحقق الشهير على محمد البيجاوي رحمه الله - والدكتور ناصر وهدان.

وقد كانت المرة الأولى التي أرى فيها شيخ العلماء في بيتنا وقد تكلم على السيد الجميلي بعد الفراغ من الحلقة كلاماً يشير إلى إنبهاره به، وفرط إعجابه الفارط الذي بلغ حداً يجُلُّ عن الوصف، وتقدير لا مثيل له، وكان مما قاله في سياق حديثه الممتع «إن الجميلي هو أسطورة العصر بلا منازع».

والخفاجي هو أول مؤلف أزهرى موسوعى، ألَّف وحقق مئات الكتب، وهو الذى أشرف وناقش مئات الرسائل للماجستير والدكتوراه، ورئيس رابطة الأدب الحديث بجمهورية مصر العربية، والذي أطلق عليه كبار العلماء من تلاميذه لقب «جاحظ العصر» و «سيوطىّ العصر».

ويشهد له على ذلك، تاريخه المديد الحافل بالثراء العلمي المشهود، وكان الشيخ الشعراوى يفخر دائماً بأن الدكتور الخفاجي من أخلص العلماء وأقربهم منه.

وكان بيتنا بالمعادى قبلة الأنظار للأئمة والأعلام من الأزهريين وأساتذة الجامعات والباحثين والدارسين وغيرهم في مختلف المشارب والتخصصات وكان صدره مفتوحاً للجميع.

لقد عانى ما عاناه وقاسى من الأهوال ما تزعزع له الجبال الرواسي، ولا تطيقه نفس ولا تحتمله أعصاب .. لکن کان فى کل الأحوال صابراً محتسباً، لم تهن له عزيمة، ولم تلن له قناة، ولم تهتز ثقته بنفسه طرفة عين، بل کان إيمائه بالله أقوى من كل شيء، في حين يتساقط كثير من الناس خانعين مستسلمين عند أول صدمة في حياتهم، بل يظلون مكتئبين طوال عمرهم لحدث إعترض حياتهم في وقت من الأوقات.

فهو يتلقى الطّعنات وينوء ويكبو ولا يلبث أن ينهض جلداً، في شجاعة وبطولة مذهلة، قوى الإرادة، ثابت العزيمة، يملك رصيد ضخم من الجلادة والإحتمال والصبر، وبعد الأناة، وقوة اليقين، وسعة الصدر، وقوة الشخصية مالا يسعف الخاطر، أو ينهض التعبير بوصفه.

كان عنيداً في الحق صلباً في غير بغى ولا عدوان فإذا إحتد أو إشتد فلابد أن يكون وراء هذا ما وراءه من حافز مثير، لكنه في أحرج لحظات إنفعاله وتوتره يكون مسيطراً سيطرة كاملة على طبعه، وكثيراً ما كان ينحنى للعواصف بهدوء وداخله بركان يحترق من كظم الغيظ الدفين ...

لقدا إستهدفه أهل الشر على رفعة طبقاتهم وسطواتهم، أطافوا به لينالوا منه، وعمدوا إلى تحطيمه ففشلوا ودارت الدوائر عليهم.

عمدوا إلى إستنزافه وإهدار طاقاته، لكنه لم يهتز في شموخ مذهل، وإباء مثير، وقوة في الذات، وصرامة في الطبع، وصلابة في التكوين، وفى كل عوامل القوة هذه الظاهرة تماماً في كل تصرفاته مع خصومه كانت لدرء الظلم وحسم الإفتراءات، لم يكن إلا مجنياً عليه، وكان في كل أحواله وهو في مصادماته مع خصومه كان حذراً من التعدى والتجاوز والظلم، ولم نرى فيه سوى الشفافية وهدوء الطبع المفرط، رغم ما يحتويه من دينامية وحركة داخلية تحتاج في تفسيرها وتحليلها إلى مجلدات وشروح وتفصيلات مطولات.

كان رجلاً فولاذياً يحمل نفساً هادئه، وبراءة قلب طفل، وديع لكن عند الإستثارة يكون من أقوى الأقوياء، بالحجة القاطعة والبرهان السديد، فى صدق وعلى حق، لكنه لا يستنكف أن يعترف بخطأ وقع فيه سهواً أو بغير قصد ويعتذر منه دون مكابرة.

فى حياته اليومية لم يكن مرفهاً ترفيهاً يناسب حجمة ووزنه وثقله، ذلك لأنه تعود حياة الجد والعمل الذي أعطى كله له.

وكانت حكمته التى يرددها دائماً : "العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك" كذلك تأثره الظاهر بنشأته الريفية التي أفاد منها كثيراً فى مجالات حياته ودائماً ما يتمثل بقول سقراط :
ليت شعرى أى شيء أدرك من فاته الأدب، وأي شي فات من أدرك الأدب؟!

لذلك أشاح عن الإغراق في المباحات والمتاحات ولم يكن له غرام بالموائد وأطايب المأكولات، فهو يتزجى ويتبلغ بأقل القليل يكفيه ويحمد الله كثيراً على هذا، وكان النظام والترتيب فى كل سمات حياته، كان يكره العشوائية والخبط والتخليط، إن أدق ما يوصف به أنه كان كتلة متداخلة من المشاعر والإحساسات ورقة الشعور والحساسية المرهفة، والقوة الصعبة المراس، مع السهولة في الطبع والميل إلى التسامح والمياسرة، ولا يلجأ إلى العنف إلا فى أضيق الحدود مضطراً إلى ذلك، إلا أنه سرعان ما يتراجع ويعود إلى هدوئه وبراءته نادماً على بوادر الحدَّة مهما كانت دواعيها ...

وكان أخلص محبيه من صفوة العلماء وكبار الرموز العلمية، فهو مطبوع على تقدير أهل العلم بلا إسثناء وإن خالفهم فى الرأى ...

إلا أن صفوة الصفوة لهم خصوصية ومكانة في ضميره ووجدانه، وأكثرهم ممن قرضوا مؤلفاته وتحقيقاته أمثال الشيخ جاد الحق، والشيخ عطية صقر، والشيخ للشعراوي، والدكتور حسين مؤنس، والأستاذ عبد السلام هارون، والدكتور شوقى ضيف رئيس مجمع اللغه العربية الأسبق، والأستاذ ابراهيم الأبياري، والدكتور أحمد شلبي، والدكتور على عبد العظيم، والدكتور على الخطيب وغيرهم وغيرهم ..

أما الفراسة الرهيبة، وسرعة البديهة، وعمق النظر، والتحليل النفسي البارع الدقيق، فكان خصيصة لا يفطن إليها أحد إلا القليلين، وكان أستاذ الأسائدة فيه .. فهو لديه حاسة سادسة رهيبة فى الإستشعار الفطرى عن بعد، يعرف كل تفاصيل من أمامه من كل الوجوه دون أن يدرى الآخر شيئاً عما خالجه من إنطباع فوري عنه - يكتمه فى نفسه ولا يبوح به إلا إذا إقتضت ضرورة المصلحة، فلديه قدرة سحرية عجيبة على تحليل الشخصية، من كلمة أو فقرة أو مقولة صادرة عن صاحبها أو إشارة خاطفة أو كلمه عابرة أو بادرة من البوادر عفو الخاطر ...

لكنه في كل الأحوال أريحي الطبع، لا يكشف سراً، ولا يهتك ستراً، ولا يمس المشاعر ولا الإحساسات، ولعل مقولته دائما ترن فى أذنی، كم وددت أن يعافينى الله من العداوات المفروضة عليّ ولكن قدَّّر الله وما شاء فعل.

وهو يكره كل أنواع الصراع، مهما كان واثقاً من النصر فيها، وكان أكره شيء لديه المكر والخديعة والإحتيال والكذب والغش والتدليس، ولتسعه مواقف في هذا الشأن تجل عن الحصر ...

وهو نموذج معتدل، وطراز نادر فى الوسطية، فهو يكره المكاشفة، ويحيل إلى الإغماص والتغاضى ما لم يكن هناك مفسدة واضحة، ويستهجن الحدَّة والعنف فى غير موجب إضطراري، وفى حالة اللجوء الإضطراري القسرى لا يلوذ به إلا إذا إفتقد البديل المُلاين المهدئ، ولكن في كل أطواره وأحواله يحترس ويحترز من ظلم الآخرين ...

وإنني أعرض بعضاً مما كتبة أعلام الرموز التارخية عن السيد الجميلي لتغطية الجواب المتعددة فى شخصيتة العلمية، وقدراته البحثية، ومنزلته التاريخية من أعلام عصره .

لقد تظاهروا جميعهم على أنه نسيج وحده، وقريع دهره، وأوحد زمانه، ربط بين مختلف العلوم والمعارف، إذ كان طبيباً مع الأطباء، وأديباً مع الأدباء، وشاعراً مع الشعراء، وباحثاً مع الباحثين، ونفسياً مع النفسيين، ومفكرا مع المفكرين ... الخ.

وخليق بمن كافح كفاحه، وصبر صبره، وجاهد جهاده بالفكر والقلم، وبذل بذله، أن يكسوه الله حلة الكرامة، ويسبغ عليه رونق المهابة، وأن يرفع شأنه، ويعلى درجته، ويجزيه بالرضى والرضوان في الدنيا والآخرة، وأن يجعل مساعيه في ميزان حسناته، ويلقيه الأمن والبشرى يوم تحصر الصدور وتتطاير الصحف وتطيش العقول وتطير الأفهام، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ...

أذكر أن فضيلة الشيخ محمد عد الله الحكمى أحد أعيان علماء اليمن جاء مصر لأول مرَّة مع كوكبة من تلاميذه العلماء وشرفنا بالزيارة أول وصوله أرض المطار وفي منزلنا وقف بصوت مرتفع يرتجل هذه الأبيات شعراً من حى الخاطر :
سأبحث مـا عشت عن عـالم *** يـمـثـل أحـمــد فـي أمـتـه
يـقـــول الصــواب ويـفـعـلـه *** ولا يـخـفـر الله في ذمـتـه
ترى النور فى وجهة سـاطعاً *** كـأن الـهـلال على غرتـه
وأقـسم إذ قـد ظـفــرت بـه *** سأوقف عمرى على خدمته

وكان لقاءً علمياً شائقاً بين العالمين الكبيرين وكان قد حضر االقاء بعض العلماء من داخل وخارج مصر الحبيبة ...

إنه الفخر كل الفخر أن أتخرج في جامعته التي أنهل منها سنوات وسنوات من الزمان، لقد عجب كثير من الناس أن يظل عَلَم عالمى كهذا تتجاوزة الجوائز العالمية الكبرى، مع إقرارهم بعلمه وفضله وتبريزه، لكن الأعجب من هذا العجب، أنها كانت لا تُلفت نظره ولا تُحرك فيه ساكناً لسبب واحد، وهو أنه في البداية والنهاية يحتسب أجره عند الله تعالى، وهذا فيه العوض كل العوض عن كل فائت في عالم البشر .. فهل ينهض هذا الكتاب كجائزة رمزية عوضاً عن الجوائز الكبرى لست أدرى؟ هذا والخير آردت ..

حياة الجميلي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...