حركة فتح بين ضرورات المراجعة واستحقاقات النهوض الوطني

حركة فتح بين ضرورات المراجعة واستحقاقات النهوض الوطني

نحو حوار فتحاوي شامل يعيد بناء الثقة ويستنهض المشروع الوطني

المحامي علي ابوحبله

تمر حركة فتح اليوم بمرحلة مفصلية تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ انطلاقتها، ليس فقط بسبب التحديات الداخلية التي تواجهها، بل نتيجة التحولات العميقة التي تضرب القضية الفلسطينية برمتها، في ظل حرب مفتوحة على الوجود الوطني الفلسطيني، تستهدف الإنسان والأرض والرواية والهوية والمؤسسات معاً.

فما يجري في غزة من حرب إبادة وتجويع وتدمير، وما تتعرض له الضفة الغربية من استيطان وتهويد واقتحامات وتفكيك للجغرافيا الفلسطينية، وما تواجهه القدس من محاولات تغيير طابعها الوطني والديني والتاريخي، يؤكد أن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة عنوانها فرض الوقائع النهائية بالقوة، مستفيدة من الانقسام الفلسطيني، وتراجع النظام العربي، والتحولات الدولية المتسارعة.

وفي ظل هذه التحديات الكبرى، يصبح من الطبيعي أن تتصاعد داخل الأطر الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً داخل حركة فتح، أصوات المراجعة والنقد والمطالبة بالإصلاح وإعادة التقييم، ليس بهدف الهدم أو الانقسام، وإنما انطلاقاً من شعور وطني عميق بالخطر على مستقبل الحركة ودورها التاريخي ومكانتها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.

لقد أثبتت التجارب أن الحركات الوطنية الكبرى لا تُقاس فقط بتاريخها النضالي، بل بقدرتها المستمرة على التجدد واستيعاب التحولات وتصحيح الأخطاء وفتح المجال أمام الحوار الداخلي الحقيقي. فالحركة التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، ونجحت لعقود في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، تمتلك من الرصيد التاريخي والوطني ما يؤهلها للنهوض مجدداً، شريطة أن تمتلك شجاعة المراجعة والإصلاح والانفتاح على كل مكوناتها وكوادرها وأجيالها.

إن جوهر الأزمة التي تواجهها الحركة اليوم لا يكمن فقط في الخلافات التنظيمية أو نتائج المؤتمرات أو التباينات السياسية، بل في اتساع الفجوة بين القاعدة التنظيمية وبين مراكز القرار، وفي شعور قطاعات واسعة من الكوادر بأن الحركة بحاجة إلى إعادة بناء الثقة الداخلية واستعادة روحها الأولى كحركة تحرر وطني جامعة، لا كإطار مغلق تحكمه التوازنات والاصطفافات ومراكز النفوذ.

ومن هنا، فإن الحاجة باتت ملحة لإطلاق حوار فتحاوي شامل وعميق على كافة المستويات التنظيمية والسياسية والفكرية، حوار لا يقوم على الإقصاء أو التخوين أو تصفية الحسابات، وإنما على قاعدة الشراكة والاحترام المتبادل والاعتراف بأن قوة الحركة كانت دائماً في قدرتها على استيعاب التنوع داخلها، وتحويل الاختلاف إلى مصدر غنى لا سبب انقسام.

إن هذا الحوار المطلوب يجب أن يكون حواراً وطنياً استراتيجياً يعيد طرح الأسئلة الكبرى بشجاعة ومسؤولية:

كيف تستعيد الحركة دورها الطليعي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني؟

كيف يمكن إعادة بناء العلاقة بين التنظيم والسلطة بما يحفظ استقلالية القرار الوطني والتنظيمي؟

كيف يمكن تعزيز الديمقراطية الداخلية وتكافؤ الفرص والشفافية داخل المؤسسات الحركية؟

كيف يتم تمكين الكفاءات والطاقات الشبابية وإعادة الاعتبار للمناضلين وأصحاب الخبرة والتاريخ النضالي؟

كيف يمكن إعادة بناء الثقة مع الشارع الفلسطيني الذي يواجه يومياً الاحتلال والاستيطان والفقر والبطالة والإحباط؟

وكيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها المدخل الحقيقي لمواجهة المشروع الإسرائيلي؟

إن استنهاض الحركة لا يتحقق بالشعارات، بل عبر خطوات عملية تبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسة التنظيمية، واحترام النظام الداخلي، وتوسيع دائرة المشاركة، وتعزيز ثقافة الحوار والمساءلة والنقد المسؤول، بعيداً عن الشخصنة أو الاحتكار أو عقلية الغلبة.

كما أن إعادة بناء الحركة يجب أن ترتبط بإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، على قاعدة الجمع بين الصمود الشعبي والمقاومة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، بما يعيد للقضية الفلسطينية حضورها وفاعليتها في الساحات العربية والدولية.

لقد كانت حركة فتح عبر تاريخها الطويل مظلة وطنية جامعة استطاعت احتضان مختلف التيارات والشرائح الاجتماعية والسياسية، وكانت قوتها الحقيقية في مرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد بوصلتها الوطنية. ولذلك، فإن استعادة هذه الروح الجامعة اليوم باتت ضرورة وطنية، ليس لحماية الحركة فقط، بل لحماية المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله.

إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات، ومن ردود الفعل إلى بناء رؤية وطنية استراتيجية شاملة، تستند إلى وحدة الحركة وتجديد مؤسساتها وإحياء دورها التعبوي والجماهيري، خصوصاً في ظل محاولات الاحتلال استغلال حالة التراجع والانقسام لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق رؤيته الأمنية والسياسية.

وفي هذا السياق، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقع على عاتق الجميع؛ قيادةً وكوادرَ وأطرًا تنظيمية ونخبًا فكرية وشبابية، للعمل على حماية الحركة من الانقسام والتآكل، وإعادة إنتاج حالة وطنية جامعة قادرة على استنهاض الشارع الفلسطيني وتعزيز صموده وثقته بمؤسساته الوطنية.

فالحركات الوطنية العظيمة لا تسقط بسبب الأخطاء وحدها، وإنما عندما تفقد القدرة على الحوار والتجدد والمراجعة. أما حين تمتلك الشجاعة للاعتراف بالتحديات وفتح أبواب الإصلاح الحقيقي، فإنها تستطيع النهوض من جديد، أكثر قوة وصلابة وقدرة على مواجهة التحديات.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تعميق الانقسامات أو تكريس الإحباط، بل إطلاق ورشة وطنية فتحاوية شاملة تعيد بناء اللحمة الداخلية، وتستنهض الطاقات، وتعيد الاعتبار لقيم النضال والتضحية والشراكة والوحدة الوطنية، باعتبارها الطريق الوحيد لحماية الحركة وتعزيز حضورها واستعادة دورها التاريخي في قيادة النضال الوطني الفلسطيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...