يحيى بركات - حين خافت إسرائيل من صورتها

حين خافت إسرائيل من صورتها
من فوز كريس راب إلى فضيحة بن غفير… شرخ جديد في الوعي الغربي
ليست كل الهزائم تأتي من الجبهة.
أحيانًا تبدأ الهزيمة من شاشة صغيرة،من لقطة لا يسيطر عليها الجنرال،من فيديو يخرج متسرعًا من هاتف وزير مأخوذ بغرور القوة،ثم يعود كرصاصة مرتدة إلى صدر الرواية التي حمت إسرائيل لعقود.
في تل أبيب يعرفون جيدًا كيف يتعاملون مع الصواريخ.
لديهم قبة حديدية، وطائرات، وغرف عمليات، وخبراء أمن، وحلفاء لا يتعبون من تزويدهم بالسلاح.
لكن ما لا يعرفون كيف يوقفونه الآن هو شيء آخر:
تغيّر النظرة.
لا نقول إن أمريكا تبدلت.ولا إن أوروبا انقلبت.ولا إن التحالفات الكبرى سقطت.
لكن شيئًا في الوعي الغربي بدأ يتحرك.
ببطء…لكن بثقل.
وهذا ما يخيف إسرائيل أكثر من بيان عابر أو مظاهرة تنتهي مع المساء.
فوز كريس راب في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في بنسلفانيا لم يكن زلزالًا بسبب المقعد وحده، بل بسبب الرسالة التي خرجت من الصندوق.
رجل يقول بوضوح إن الدعم العسكري لإسرائيل يجب أن يتوقف، وإن غزة تتعرض لإبادة، وإن النكبة يجب أن تدخل لغة الكونغرس، وإن نظام الاحتلال يحمل ملامح الفصل العنصري.
ثم يفوز.
هذه هي الجملة التي أقلقت تل أبيب:
لم يخسر لأنه قال ذلك.بل ربما فاز لأن جيلًا جديدًا صار مستعدًا لسماع ذلك.
هنا لا يعود الأمر مجرد انتخابات أمريكية.
بل اختبارًا مبكرًا لعلاقة إسرائيل بجيل لم تصنع ذاكرته نشرات الخمسينيات والستينيات، ولا أفلام “إسرائيل الصغيرة المحاصرة”، ولا خطابات الذنب الأوروبي القديم.
جيل رأى غزة مباشرة.
رأى لاجئًا يشرح للعالم معنى أن تُقصف الخيمة.رأى طبيبًا يخرج من غرفة العمليات كمن عاد من معركة بلا سلاح.رأى صحفيًا يواصل التصوير وهو يعرف أن الكاميرا قد تكون آخر ما يحمله.ورأى ناشطًا أوروبيًا يُسحب من سفينة إنسانية كما لو أن حمل الدواء جريمة أمنية.
ثم جاءت فضيحة أسطول الحرية لتفتح جرحًا آخر في الصورة.
في عرض البحر لم تكن إسرائيل تواجه مقاتلين.
كانت تواجه أطباء، وصحفيين، وحقوقيين، وطلابًا، ونشطاء من عشرات الدول، كثيرون منهم أوروبيون، حملوا معهم رسالة بسيطة لا تحتاج إلى ترجمة:
لا يجوز أن يموت شعب تحت الحصار لأن العالم تعوّد على موته.
لكن جنود الاحتلال تعاملوا مع هؤلاء كما يتعاملون مع الفلسطيني حين يظنون أن لا أحد يراه.
أيدٍ مقيّدة.أجساد على الأرض.إهانات.تهديد.ضرب.روايات عن تعذيب وإذلال.ثم وزير أمن إسرائيلي يظهر أمام الكاميرا لا ليعتذر، ولا ليحتوي الأزمة، بل ليحوّل الإهانة إلى عرض سياسي.
كان بن غفير يظن أنه يخاطب جمهوره الداخلي.
لكنه، دون أن يدري، كان يخاطب أوروبا كلها.
كان يقول للغرب بالصورة لا بالكلام:
هذه هي القوة حين تفقد خجلها.
ولهذا لم تكن ردود الفعل الأوروبية مجرد مجاملة دبلوماسية.
حين تستدعي دول سفراء إسرائيل، وحين تصدر بيانات غاضبة، وحين يعود النشطاء إلى بلدانهم ويتحدثون بلغاتهم عن الضرب والإهانة والخوف، يصبح المشهد أخطر من حادثة بحرية.
يصبح مرآة.
والمرآة هذه المرة لم تعكس الفلسطيني وحده.
عكست أوروبيًا يشبه جمهوره، يحمل جواز سفره، ويتحدث لغته، ويعود إليه منكسرًا من يد القوة نفسها التي طالما قُدمت له كحليف حضاري وديمقراطي.
وهنا وقع الارتباك داخل إسرائيل.
ليس لأنهم اكتشفوا فجأة بشاعة ما يفعلون.
بل لأن البشاعة صارت مكلفة.
حين ينتقد وزير الخارجية الإسرائيلي سلوك وزير الأمن، فليس ذلك بالضرورة دفاعًا عن كرامة النشطاء، بل خوفًا من فاتورة الصورة.
خوف من أن يتحول بن غفير من ورقة داخلية رابحة في سوق التطرف، إلى عبء خارجي على ما تبقى من “هاسبارا”.
خوف من أن يرى الأوروبيون بأعينهم ما كان الفلسطينيون يقولونه منذ عقود.
خوف من سؤال بسيط قد لا يحتاج إلى لجنة تحقيق:
إذا كان هذا ما يحدث لمواطن أوروبي أمام الكاميرا، فماذا يحدث للفلسطيني بعيدًا عنها؟
هذا هو السؤال الذي لا تريده إسرائيل.
لأن السؤال حين يدخل الجامعة لا يخرج منها كما دخل.وحين يدخل النقابة يغيّر لغة البيان.وحين يدخل البرلمان ينتظر لحظة التصويت.وحين يدخل السينما والأدب والفن، يصبح ذاكرة.
وهنا تتضح مسؤوليتنا نحن الفلسطينيين.
لا يكفي أن نفرح بتصدع الصورة الإسرائيلية.ولا يكفي أن ننتظر أن يقوم الشباب الغربي بما عجزت عنه السياسة العربية والرسمية الفلسطينية.
هذه اللحظة تحتاج إلى عقل بارد وقلب مشتعل.
تحتاج إلى عمل فلسطيني منظم داخل الجامعات، والنقابات، والبلديات، والبرلمانات، والمهرجانات، والمنصات الرقمية.
كل ناشط من أسطول الحرية يجب أن يصبح شاهدًا.كل طبيب عاد من غزة يجب أن يصبح وثيقة ناطقة.كل صحفي رأى الجثث قبل أن تصبح أرقامًا يجب أن يُسمع.كل فلسطيني في الشتات يجب أن يفهم أن الجالية ليست مجرد ذاكرة بعيدة عن الوطن، بل جسر سياسي وأخلاقي إلى العالم.
الحركة الصهيونية لم تبن نفوذها في الغرب بالصلاة على حظها.
اشتغلت طويلًا.على الجامعة.على السينما.على الصحافة.على المال السياسي.على مراكز البحث.على صورة الضحية التي تحولت إلى رخصة مفتوحة للقوة.
ونحن اليوم أمام لحظة نادرة.
ليست لحظة انتصار نهائي.وليست لحظة وهم.بل لحظة شرخ.
والشرخ، إن لم يدخل منه الضوء، يعود جدارًا أشد قسوة.
لذلك لا يجوز أن نترك الصور وحدها تعمل ثم ننام.
لا يجوز أن يعود الطبيب إلى بيته وينتهي دوره.ولا أن يعود الناشط الأوروبي إلى بلده وتبقى شهادته على صفحته الشخصية.ولا أن يبقى غضب الجامعات موسمًا ينتهي مع العطلة الصيفية.
يجب تحويل هذه الشهادات إلى ذاكرة منظمة.
إلى أفلام.إلى محاضرات.إلى ملفات قانونية.إلى حملات ضغط.إلى منصات شبابية.إلى لغة سياسية جديدة تقول للعالم:
فلسطين ليست اختبارًا لموقفك من الشرق الأوسط.فلسطين اختبار لموقفك من الإنسان.
في النهاية، خوف إسرائيل اليوم ليس من كريس راب وحده.ولا من سفينة وحدها.ولا من ناشط عاد إلى بلاده مصابًا.
خوفها من أن تتصل هذه الصور ببعضها.
أن يرى الأمريكي فوز المرشح التقدمي كجزء من تحول أوسع.وأن يرى الأوروبي إهانة نشطائه كجزء من عقلية احتلال لا تستثني أحدًا.وأن يرى الشاب الغربي أن القيم التي تعلمها في كتبه تُذبح في غزة ثم تُهان في البحر.
عندها لا يعود الخطر على إسرائيل في صورة عابرة.
بل في جيل كامل بدأ يربط المشاهد ببعضها.
وهذا ما تخشاه تل أبيب حقًا:
أن تتحول الكاميرا من أداة دعاية إلى شاهد.وأن يتحول الشاهد إلى وعي.وأن يتحول الوعي إلى سياسة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
23/5/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...