يحيى بركات - الفلسطيني الذي خرج من الحصار إلى العالم

ليس شعبًا يُنظر إليه بدونية

حين يقول أحدهم إن الفلسطيني يُنظر إليه بدونية…
أشعر أن التاريخ كله يلتفت فجأة نحونا ويسأل:
أي فلسطيني تقصدون؟
هل تقصدون الفلسطيني الذي كان، قبل قيام دولة الاحتلال نفسها، من أكثر شعوب هذه المنطقة تعليمًا وثقافةً وحضورًا سياسيًا وفنيًا واقتصاديًا؟
فلسطين لم تكن مجرد أرض احتُلّت… بل كانت فكرة نهضة كاملة في المشرق العربي.
يافا لم تكن مجرد مدينة على البحر… كانت نافذة ثقافية مفتوحة على العالم. القدس لم تكن فقط مدينة مقدسة… بل مركزًا فكريًا وصحافيًا وتعليميًا حيًا. وحيفا كانت ميناءً للحياة، لا للحرب فقط.
في فلسطين وُلدت الصحف والمجلات ودور السينما والمسرح والحركات الوطنية والنقابات مبكرًا، بينما كانت المنطقة كلها تبحث عن شكلها الحديث.
ثم جاءت النكبة.
لكن الفلسطيني لم يخرج إلى المنافي كإنسان مكسور يحمل حقيبة لجوء فقط.
خرج حاملًا معه المدرسة… والكتاب… والأغنية… والمسرح… والوعي… والخبرة… وذاكرة شعب يعرف نفسه جيدًا.
ولهذا… حين وصل الفلسطيني إلى الأردن والخليج ولبنان وسوريا والعراق ومصر وتونس والجزائر وأوروبا… لم يكن هامشًا في هذه المجتمعات، بل كان جزءًا من نهضتها الحديثة.
من الذي ساهم في بناء التعليم والإدارة في الخليج؟ ومن الذي ملأ الجامعات العربية بالأطباء والمهندسين والأساتذة؟ ومن الذي ظل يتصدر نتائج الجامعات المصرية والسورية واللبنانية لعقود طويلة؟
حتى إن قصصًا كثيرة ظلت تتردد عن محاولات خفض نتائج الطلبة الفلسطينيين كي لا يحتكروا مراتب الشرف عامًا بعد عام.
وفي الفن… الحكاية أكبر.
في سوريا… كم من نجوم المسرح والدراما والتلفزيون كانوا فلسطينيين أو من أصول فلسطينية؟
في الأردن… كم من رواد الحركة الفنية والثقافية كانوا فلسطينيين؟
وفي لبنان… كم فلسطينيًا دخل الأغنية والموسيقى والشعر والصحافة والمسرح وترك أثره في الوعي العربي كله؟
الفلسطيني لم يكن يومًا مجرد لاجئ في هذه المنطقة… بل كان، في كثير من الأحيان، أحد صانعي وعيها الحديث.
وأنا أقول هذا لا من باب الحنين… بل من باب التجربة أيضًا.
أنا من جيل عاش الحركة الفنية والثقافية الفلسطينية في زمن الثورة. وكان لي شرف قيادة الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين في لبنان. وأقمنا أسابيع ثقافية فلسطينية من الخليج إلى أوروبا.
وأتذكر جيدًا كيف كان الفنان الفلسطيني يدخل المهرجانات العربية والدولية.
لم يكن يُستقبل بدونية.
بل كان يُستقبل باعتباره حامل قضية، وصاحب موهبة، وصاحب تجربة إنسانية استثنائية.
كنا نحصد الجوائز الأولى في المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية. ولم يكن ذلك بدافع الشفقة، بل لأن الفنان الفلسطيني كان مجتهدًا وحقيقيًا ويمتلك شيئًا لا يُدرَّس في المعاهد: روح الحكاية.
ولو تأملنا المشهد منذ التسعينيات حتى اليوم… سنجد أن الفلسطيني ما زال يتفوق في الغناء والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والأدب.
في مسابقات الهواة… في الدراما… في المهرجانات الدولية… وفي السينما العالمية…
كم اسمًا فلسطينيًا وصل إلى النجومية العربية والعالمية؟
كثر… إلى حد أن المساحة لا تكفي لذكرهم.
والمفارقة الأهم… أن كثيرًا من هؤلاء لم يخرجوا من دول مستقرة تمتلك صناعة فنية عملاقة وأسواقًا مفتوحة ومؤسسات ضخمة، بل خرجوا من المخيم… ومن المنفى… ومن الحصار… ومن مدن كانت تُقصف بينما كانوا يحاولون كتابة أغنية أو تصوير فيلم أو الصعود إلى خشبة مسرح.
حتى محمد عساف نفسه… أليس ابن هذه الحكاية؟
ألم يخرج من غزة المحاصرة ليصبح واحدًا من أكثر الأصوات العربية حضورًا وانتشارًا وتأثيرًا؟
هل استقبله الناس بدونية؟ أم استقبلوه كصوت يحمل فلسطين كلها في حنجرته؟
لهذا أقول إن محمد عساف ربما خانه التعبير أكثر مما خانه المعنى.
لأن غزة نفسها… غيّرت مكانتها في الوعي الإنساني العالمي خلال السنوات الأخيرة بشكل هائل.
اليوم… مجرد أن تقول في كثير من الأماكن: “أنا من غزة”… تشعر أن الوجوه تتغير.
ليس شفقةً… بل احترامًا.
احترام مدينة رأى العالم كيف تُسحق تحت النار… لكنها لم تفقد صوتها. ولا شعرها. ولا أغنيتها. ولا رساميها. ولا صحافييها. ولا أطفالها الذين يكتبون فوق الركام وكأنهم يكتبون ضد النهاية نفسها.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية مع المشروع الصهيوني.
فمعركتنا معه، في جوهرها، ليست عسكرية فقط… بل معركة رواية ووعي وذاكرة وثقافة.
الاحتلال استطاع أن يحتل الأرض… لكنه فشل في احتلال الحكاية.
وفشل، رغم كل ما يملكه من إعلام وقوة ونفوذ، أن يمنع الفلسطيني من التحول إلى حضور ثقافي وإنساني عالمي.
كل فيلم فلسطيني يصل إلى مهرجان دولي… هو انتصار على محو الرواية.
كل مسرحية… كل رواية… كل لوحة… كل أغنية… كل شاعر فلسطيني يعتلي منصة في العالم… هو هزيمة جديدة للمشروع الذي أراد لهذا الشعب أن يختفي.
ولهذا… أشعر أحيانًا أن المشكلة ليست في صورة الفلسطيني عند العالم.
المشكلة أن بعضنا، من شدة التعب والقهر والخذلان والانكسارات السياسية، بدأ يرى نفسه بعين الهزيمة لا بعين التاريخ.
بينما الحقيقة تقول شيئًا آخر تمامًا.
تقول إن الفلسطيني، رغم الاحتلال والمنفى والحصار والقتل والتشويه… ما زال حاضرًا بقوة في الفن والعلم والثقافة والوعي الإنساني.
وأن شعبًا استطاع أن يخرج هذا الكم من الفنانين والمبدعين والكتّاب والسينمائيين والموسيقيين تحت النار… ليس شعبًا يُنظر إليه بدونية.
هذا شعب… كلما حاولوا دفنه سياسيًا… عاد ليظهر في الفن، وفي الجامعة، وفي المسرح، وفي الرواية، وفي الأغنية، وفي السينما…
وكأن فلسطين نفسها ترفض أن تغيب.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي







23/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...