"عظم الجمال في رحابك.."

همس روحيّ "عظم الجمال في رحابك.."
......
- في رحابك يا الله، تتسع الرّوح حتى تكاد تعانق الأفق، ويغدو الجمال لغةً صامتة لا تُقرأ بالعين وحدها، بل يُصغي إليها القلب قبل البصر. هناك، في حضرة البحر الممتدّ، وبين خضرة الطبيعة وهمس الأشجار، وتغريد الطيور التي تشقّ فضاء الصباح بأجنحة من طمأنينة، يشعر الإنسان أنّه يعود إلى فطرته الأولى، إلى ذلك النقاء الذي تكدّسه الحياة الحديثة تحت ركام
الضجيج والانشغال،وما أعجب هذا الكون الذي أبدعته يد القدرة! فكل شيء فيه يؤدي دوره في نظام بديع لا يختلّ؛ البحرفيه، ولا يتجاوز حدوده إلا بإذن خالقه، والرّيح تمضي في مساراتها الخفيّة، والطير تعرف طريقها في السّماء دون خرائط، والأشجار تقف في صمت الحكمة، تضرب جذورها في عمق الأرض وتمنح ظلّها وثمرها للجميع دون ضجيج أو منّة، كأنّ الطبيعة كلّها محرابٌ كبير، تُقام فيه صلاة الوجود منذ بدء الخليقة تكريما الكائنات وفي مقدمتها
الإنسان.وفي لحظة اختلاء نادرة مع النّفس، بعيدًا عن فوضى العالم، يكتشف الإنسان أنّ التأمل ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة روحية. فحين يجلس قرب ماءٍ ساكن أو أمام مشهد طبيعي أخّاذ، تبدأ الأسئلة الكبرى بالاستيقاظ: في داخله من أوجد كلّ هذا الجمال؟ ومن منح هذا الكون حقّ هذا الانسجام العجيب؟ وكيف يغفل الإنسان عن عظمة الخالق وهو محاطٌ بآياته في كلّ اتجاه؟
إنّ زمننا هذا، رغم كلّ ما فيه من تطوّر وتقنيات يظلّ الإنسان عاجزا عن وصف قدرة الخالق أمام مايثيرالدهشة في ذلك الكون البديع، وهو صار يمرّ أمام تلك معجزات وكأنّها أشياء مألوفة لا تستحق التّوقف؛ فيرى الشّروق فلا يتأمّل ميلاد الضوء، ويسمع زقزقة العصافير فلا يُنصت، ويقف أمام البحر فلا يسأل عن سرّ هذا الامتداد الذي يوقظ في النّفس ارهبةً والسكينةً معًا. إنّها غفلة العصر، حين ينشغل الإنسان بما صنعته يداه، وينسي ما أبدعته قدرة الله التي لا حدود لوصف ذلك الإبداع الأبدي الجميل الذي يبعث على الإكبار والإجلال .
وحين يصفو القلب في رحاب الطبيعة، يدرك الإنسان تلك الحقيقة العميقة أنّ الجمال ليس مجرد منظر، بل رسالة إلهية تُذكّرنا بأنّ وراء هذا الكون خالقًا عظيمًا يحب النّظام والانسجام والحياة. فكلّ زهرة هي قصيدة صامتة، وكلّ موجة تسبيحة عميقة، وكلّ طائر مهاجر هوآية من
آيات الحكمة والحرّية والثّقة بعظمة الله ، ولعلّ أجمل ما يمنحه الإنسان لنفسه في هذا الزّمن المضطرب، هوأن يسرق لحظة صفاء من ضجيج العالم، يجلس فيها وحيدًا أمام البّحر أو بين الأشجار، لا هربًا من الحياة، بل اقترابًا من معناها. هناك فقط، يشعر أنّ الكون بأسره يهمس له بخشوع لإنّ عظَمَة الجمال ليس في الأشياء ذاتها، بل في الخالق الذي أبدعها وجعلها سبيلًا إلى المعرفة والإيمان العميق بندي رحمته وعظمته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...