عنوان هذه المقالة يطرحُ عليَّ أكثر من تساؤل. أول هذه التَّساؤلات، هو أن السياسةَ، كمفهوم، لا يمكن أن تقتلَ نفسها بنفسِها. لماذا؟
لأن السياسة عبارة عن مفهومٍ من صُنع الإنسان. وكمفهومٍ من صُنعِ الإنسان، الإنسان هو الذي يعرِف لماذا صنعها. وهنا، يُفرض علينا تساءلٌ آخرَ، وهو التالي : "هل مَن صَنَعَ السياسةَ، قادرٌ على قتلِها"؟
لكن، قبل الجواب على هذا التَّساءل، دعونا نقول كلمةً موجزةً عن متى ظهرت "السياسة"، وأصبحت مفهوماً un concept وتيارا فكريا مُتداولين.
السياسة، كمفهوم، ظهرت خلال العصر اليوناني مع المفكِّرين المشهورين، أرسطو Aristote وسقراط Socrate، اللذان ربطا هذا المفهوم بإدارة شؤون المدينة. والمدينةُ، في تلك الفترة من الزمان، كانت هي "أثينا" Athènes، المعروفة ب"مدينة-دولة" la cité-État. ولهذا، كان سقراط وأرسطو يعتبران السياسةَ هي "الفنٍّ" لتدبير شؤون المدينة" التي كانت بمثابة دولة تُدير شؤونَها السياسةُ. علماً أن مفهوم "الدولة" بدأَ في التشكيل، انطلاقا من القرن الثالث عشر ميلادي، واستمرَّ هذا التشكيل والتفكير، المُقرنين بالسياسة، إلى يومنا هذا حيث أصبحت هذه السياسة علماً أو علوما يُدرَّس/تدرَّس في الجامعات.
أما السياسة، كتيارٍ فكري comme un courant de pensée، فإنه، فعلا، بدأت نشأتُه في العصر اليوناني، واستمرّ، مع التَّطوُّر في المعنى، إلى يومنا هذا. والآن، سأُجيب على التَّساءل الذي طرحتُه على نفسي، أي "هل مَن صَنَعَ السياسةَ، قادرٌ على قتلِها"؟
نعم وبكل تأكيد أن مَن صنع السياسةَ، أي الإنسان، قادر على قتلها. والقتلُ، هنا، لا يجب أن يُدرَكَ بالمعنى المُعتاد، أي فقدان الحياة. بل يجب إدراكُ القتل بمثابة إِضعاف مفهوم "السياسة" وإدخالِه في الجمود الفكري، وبالتالي، عدم تطابُقِه مع ما يجري في الواقع اليومي للمواطنين (رجالاً ونساءً). وإضعاف مفهوم السياسة وإدخالُه في الجمود الفكري، لهما أسبابٌ كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :
1.السياسيون، أنفُسُهم، عندما ينعزلون عن المجتمع أو يقطعون صلتَهم به، لما يصلون إلى كراسي السلطة، قد يُساهمون في قتل السياسة، وذلك، بتفضيل مصالحِهم الشخصية أو المصالِح الحزبية les intérêts partisans على خدمة الصالِح العام. وبالتالي، عوض التَّفكير فيما ينفع البلادَ والعبادَ، فإنهم، بتصرُّفِهم هذا، يصنعون الظلمَ، ويتسبَّبون في توسيع الفوارق الاجتماعية. فهل يوجد حزبٌ سياسي واحد لا يلجأ إلى هذه المُمارسات؟
2.كل حزبٍ سياسي له همٌّ وحيد، وهو، الوصول إلى كراسي السلطة. بمعنى أن هذا الوصولَ قد يصبح أولويةَ الأولويات، وبالتالي، ينسى الحزبُ، عندما يتمكَّن من الوصول إلى كراسي السلطة، أنه أصبح يمثِّل الشعب برُمَّتِه، وليس، فقط، النَّاخبين الذين أوصلوه إلى كراسي السلطة. ومن الانعكاسات السِّلبية لهذا التَّصرُّف الحزبي، أن الحزبَ يعطي أهمِّيةً كبيرةً للأعيان الأثرياء الذين لهم نفوذٌ كبيرٌ في المجتمع وقادِرون على جلب أصواتٍ كثيرةٍ للحزب أثناء الانتخابات، وخصوصا، الانتخابات التَّشريعية التي، بإمكانها، تمكين الجزب من الوصول إلى كراسي السلطة. فهل يوجد، في مشهدِنا السياسي، حزبٌ واحدٌ لا يلجأ إلى هذه المُمارسات؟
3.التَّعدُّدية الحزبية التي تتشدَّق بها أحزابُنا السياسية ليست إلا إدِّعاءً كاذِباً يُرجى منه تخدير العقول وإيهامُها بأن مشهدَنا السياسي مشهدٌ تسود فيه الديمقراطية. والحقيقة كل الحقيقة أن التَّعدُّدية، المُتشدَّق بها، ليست إلا نوعٌ من ذرِّ الرماد على العيون. كل أحزابِنا السياسية يمكن وضعُها في نفس الخندق. وبالتالي، لم يعد هناك فرقٌ يُذكر بين اليسار واليمين، وبين المعتدِل والمتطرِّف، وبين الليبرالي والاشتِراكي، وبين المرجِعية الدينية والحداثية. أحزابُنا السياسية تختلِف بعضُها عن البعض الآخر بالتَّسميات، فقط. أما الجوهر، المُتمثِّل، حصريا، في الوصول إلى كراسي السلطة، فهو مُتشابِه ومشترك بين الأحزاب. هل هناك حزبٌ سياسي واحد له حضور قوي في المشهد السياسي، بأفكارِه وشخصياتِه؟
4.كل أحزابِنا السياسية تدَّعي أنها تناضِل militent من أجل كرامة dignité الشعب وتدافع عن مصالِحه. لكن الواقعَ المُرَّ، المليء بالمشاكل، يكذِّب ادِّعاءها ويُظهِرها على حقيقتِها. أحزابُنا السياسية، بحُكم تفضيلِها للمصالِح الحزبية les intérêts partisans، تنسى النضالَ le militantisme حيث تطغى عليها الأنانِية الحزبية l'égoïsme partisan. هل هناك حزبٌ سياسي واحد برزَ وانفرد بنِضاله من أجل الدفاع عن قضايا الشعب الكثيرة؟
5.رغم تعاقب أحزابِنا السياسية على كراسي السلطة منذ الستينيات، لا تزال مشاكِل الشعب قائمةً، إذ لم يطرأ عليها أي تغييرٍ. من بين هذه المشاكل، أذكر على سبيل المثال، غلاء المعيشة، توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدلٍ وإنصاف، انتشار الفساد، الفقر، الأمية، جودة المنظومتين التَّعلمية والصِّحية، العزلة القروية…، علماً أنه مرَّت على استقلال البلاد ما يُناهِز 70 سنة، وعلماً، كذلك، أن بلدانا كثيرة، كانت في نفس الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أثناءَ الستينيات، وهي اليوم من أقوى البلدان اجتماعياً، اقتصادياً، علمياً، تكزةلوجياً…
هذه الأسباب ليست إلا نماذج تبيِّن بوضوحٍ، أن أحزابَنا السياسية فشلت في أداء مهامها الدستورية، وخصوصا، لما تتمكَّن من الوصول إلى كراسي السلطة، عن طريق الانتخابات. والغريب في الأمر أن دستورَ البلاد ينص، بالحرف، على أن هذه الأحزاب، بإمكانِها، أن تمارس أنشطتَها بكل حرية، وعلى رأس هذه الأنشطة تمثيلية représentativité الشعب عندما تصعد إلى كراسي السلطة.
خلاصة القول إن أحزابنا السياسية لم تصل بعدُ إلى مرحلة النُّضج السياسي la maturité politique. ولهذا، نراها تعيش في حالة نفاق سياسي une hypocrisie politique بامتياز. بمعنى أنها لم تستطع، إلى يومنا هذا، حلَّ أي مشكل من المشاكل العويضة التي يتخبَّط فيها المغربي منذ الاستقلال، خلافا لادِّعاءاتِها الكاذبة. وقد ذكرتُ البعض من هذا المشاكِل أعلاه. ولهذا، فالشعب المغربي فِقَدَ ثقتَه في الأحزاب السياسية، ولم يعد يرى فيها إلا مُمثلين لمسرحية كبيرة، بدأ إخراجُها منذ الستينيات، واستمر إلى يومنا هذا، علما أن أسوءَ ممثلي هذه المسرحية، هم الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحالية، البرلمانية والحكومية. وأسوء ما جاء في هذه المسرحية أن الأحزاب الثلاثة تبنَّت ليبراليةً مُتوحِّشةً un libéralisme sauvage أتت على الأخضر واليابس، مُتنكِّرةً لدستور البلاد وغير مُراعِية، إطلاقا، لمصالح الشعب المغربي الذي ظل ينتظر الفَرَجَ في قاعة انتظار كبيرة اسمها المغرب.
إذن، "مَن قتل السياسة؟". قتلها السياسيون وأحزابُهم السياسية. مَن قال ويقول عكسَ هذا، فلينظر الواقعَ!
لأن السياسة عبارة عن مفهومٍ من صُنع الإنسان. وكمفهومٍ من صُنعِ الإنسان، الإنسان هو الذي يعرِف لماذا صنعها. وهنا، يُفرض علينا تساءلٌ آخرَ، وهو التالي : "هل مَن صَنَعَ السياسةَ، قادرٌ على قتلِها"؟
لكن، قبل الجواب على هذا التَّساءل، دعونا نقول كلمةً موجزةً عن متى ظهرت "السياسة"، وأصبحت مفهوماً un concept وتيارا فكريا مُتداولين.
السياسة، كمفهوم، ظهرت خلال العصر اليوناني مع المفكِّرين المشهورين، أرسطو Aristote وسقراط Socrate، اللذان ربطا هذا المفهوم بإدارة شؤون المدينة. والمدينةُ، في تلك الفترة من الزمان، كانت هي "أثينا" Athènes، المعروفة ب"مدينة-دولة" la cité-État. ولهذا، كان سقراط وأرسطو يعتبران السياسةَ هي "الفنٍّ" لتدبير شؤون المدينة" التي كانت بمثابة دولة تُدير شؤونَها السياسةُ. علماً أن مفهوم "الدولة" بدأَ في التشكيل، انطلاقا من القرن الثالث عشر ميلادي، واستمرَّ هذا التشكيل والتفكير، المُقرنين بالسياسة، إلى يومنا هذا حيث أصبحت هذه السياسة علماً أو علوما يُدرَّس/تدرَّس في الجامعات.
أما السياسة، كتيارٍ فكري comme un courant de pensée، فإنه، فعلا، بدأت نشأتُه في العصر اليوناني، واستمرّ، مع التَّطوُّر في المعنى، إلى يومنا هذا. والآن، سأُجيب على التَّساءل الذي طرحتُه على نفسي، أي "هل مَن صَنَعَ السياسةَ، قادرٌ على قتلِها"؟
نعم وبكل تأكيد أن مَن صنع السياسةَ، أي الإنسان، قادر على قتلها. والقتلُ، هنا، لا يجب أن يُدرَكَ بالمعنى المُعتاد، أي فقدان الحياة. بل يجب إدراكُ القتل بمثابة إِضعاف مفهوم "السياسة" وإدخالِه في الجمود الفكري، وبالتالي، عدم تطابُقِه مع ما يجري في الواقع اليومي للمواطنين (رجالاً ونساءً). وإضعاف مفهوم السياسة وإدخالُه في الجمود الفكري، لهما أسبابٌ كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :
1.السياسيون، أنفُسُهم، عندما ينعزلون عن المجتمع أو يقطعون صلتَهم به، لما يصلون إلى كراسي السلطة، قد يُساهمون في قتل السياسة، وذلك، بتفضيل مصالحِهم الشخصية أو المصالِح الحزبية les intérêts partisans على خدمة الصالِح العام. وبالتالي، عوض التَّفكير فيما ينفع البلادَ والعبادَ، فإنهم، بتصرُّفِهم هذا، يصنعون الظلمَ، ويتسبَّبون في توسيع الفوارق الاجتماعية. فهل يوجد حزبٌ سياسي واحد لا يلجأ إلى هذه المُمارسات؟
2.كل حزبٍ سياسي له همٌّ وحيد، وهو، الوصول إلى كراسي السلطة. بمعنى أن هذا الوصولَ قد يصبح أولويةَ الأولويات، وبالتالي، ينسى الحزبُ، عندما يتمكَّن من الوصول إلى كراسي السلطة، أنه أصبح يمثِّل الشعب برُمَّتِه، وليس، فقط، النَّاخبين الذين أوصلوه إلى كراسي السلطة. ومن الانعكاسات السِّلبية لهذا التَّصرُّف الحزبي، أن الحزبَ يعطي أهمِّيةً كبيرةً للأعيان الأثرياء الذين لهم نفوذٌ كبيرٌ في المجتمع وقادِرون على جلب أصواتٍ كثيرةٍ للحزب أثناء الانتخابات، وخصوصا، الانتخابات التَّشريعية التي، بإمكانها، تمكين الجزب من الوصول إلى كراسي السلطة. فهل يوجد، في مشهدِنا السياسي، حزبٌ واحدٌ لا يلجأ إلى هذه المُمارسات؟
3.التَّعدُّدية الحزبية التي تتشدَّق بها أحزابُنا السياسية ليست إلا إدِّعاءً كاذِباً يُرجى منه تخدير العقول وإيهامُها بأن مشهدَنا السياسي مشهدٌ تسود فيه الديمقراطية. والحقيقة كل الحقيقة أن التَّعدُّدية، المُتشدَّق بها، ليست إلا نوعٌ من ذرِّ الرماد على العيون. كل أحزابِنا السياسية يمكن وضعُها في نفس الخندق. وبالتالي، لم يعد هناك فرقٌ يُذكر بين اليسار واليمين، وبين المعتدِل والمتطرِّف، وبين الليبرالي والاشتِراكي، وبين المرجِعية الدينية والحداثية. أحزابُنا السياسية تختلِف بعضُها عن البعض الآخر بالتَّسميات، فقط. أما الجوهر، المُتمثِّل، حصريا، في الوصول إلى كراسي السلطة، فهو مُتشابِه ومشترك بين الأحزاب. هل هناك حزبٌ سياسي واحد له حضور قوي في المشهد السياسي، بأفكارِه وشخصياتِه؟
4.كل أحزابِنا السياسية تدَّعي أنها تناضِل militent من أجل كرامة dignité الشعب وتدافع عن مصالِحه. لكن الواقعَ المُرَّ، المليء بالمشاكل، يكذِّب ادِّعاءها ويُظهِرها على حقيقتِها. أحزابُنا السياسية، بحُكم تفضيلِها للمصالِح الحزبية les intérêts partisans، تنسى النضالَ le militantisme حيث تطغى عليها الأنانِية الحزبية l'égoïsme partisan. هل هناك حزبٌ سياسي واحد برزَ وانفرد بنِضاله من أجل الدفاع عن قضايا الشعب الكثيرة؟
5.رغم تعاقب أحزابِنا السياسية على كراسي السلطة منذ الستينيات، لا تزال مشاكِل الشعب قائمةً، إذ لم يطرأ عليها أي تغييرٍ. من بين هذه المشاكل، أذكر على سبيل المثال، غلاء المعيشة، توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ بعدلٍ وإنصاف، انتشار الفساد، الفقر، الأمية، جودة المنظومتين التَّعلمية والصِّحية، العزلة القروية…، علماً أنه مرَّت على استقلال البلاد ما يُناهِز 70 سنة، وعلماً، كذلك، أن بلدانا كثيرة، كانت في نفس الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أثناءَ الستينيات، وهي اليوم من أقوى البلدان اجتماعياً، اقتصادياً، علمياً، تكزةلوجياً…
هذه الأسباب ليست إلا نماذج تبيِّن بوضوحٍ، أن أحزابَنا السياسية فشلت في أداء مهامها الدستورية، وخصوصا، لما تتمكَّن من الوصول إلى كراسي السلطة، عن طريق الانتخابات. والغريب في الأمر أن دستورَ البلاد ينص، بالحرف، على أن هذه الأحزاب، بإمكانِها، أن تمارس أنشطتَها بكل حرية، وعلى رأس هذه الأنشطة تمثيلية représentativité الشعب عندما تصعد إلى كراسي السلطة.
خلاصة القول إن أحزابنا السياسية لم تصل بعدُ إلى مرحلة النُّضج السياسي la maturité politique. ولهذا، نراها تعيش في حالة نفاق سياسي une hypocrisie politique بامتياز. بمعنى أنها لم تستطع، إلى يومنا هذا، حلَّ أي مشكل من المشاكل العويضة التي يتخبَّط فيها المغربي منذ الاستقلال، خلافا لادِّعاءاتِها الكاذبة. وقد ذكرتُ البعض من هذا المشاكِل أعلاه. ولهذا، فالشعب المغربي فِقَدَ ثقتَه في الأحزاب السياسية، ولم يعد يرى فيها إلا مُمثلين لمسرحية كبيرة، بدأ إخراجُها منذ الستينيات، واستمر إلى يومنا هذا، علما أن أسوءَ ممثلي هذه المسرحية، هم الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحالية، البرلمانية والحكومية. وأسوء ما جاء في هذه المسرحية أن الأحزاب الثلاثة تبنَّت ليبراليةً مُتوحِّشةً un libéralisme sauvage أتت على الأخضر واليابس، مُتنكِّرةً لدستور البلاد وغير مُراعِية، إطلاقا، لمصالح الشعب المغربي الذي ظل ينتظر الفَرَجَ في قاعة انتظار كبيرة اسمها المغرب.
إذن، "مَن قتل السياسة؟". قتلها السياسيون وأحزابُهم السياسية. مَن قال ويقول عكسَ هذا، فلينظر الواقعَ!