هل نُصدِّق أرقامَك أم نصدِّق الواقعَ الكئيبَ للشعب المغربي

المقصود ب"أرقامك" في عنوان هذه المقالة، هي أرقام رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش الذي قدَّمَ، مُؤخَّراً، أمامَ البرلمان، بغُرفتيه، حصيلةَ le bilan الولاية الحكومية التي بدأت في شهر أكتوبر 2021 وتنتهي في شهر أكتوبر 2026.

ما يُثير الانتباهَ في هذه الحصيلةَ، هو أن الأرقام التي أدلى بها رئيسُ الحكومة، مشكوكٌ في صحَّتِها. بل إنها تتنافى مع الواقع الكئيب lamentable الذي يعيشه المغاربة في حيااتِهم اليومية. وأغرب من هذا وذاك، أن هذه الحصيلة كلها إيجابية، أي أن الحكومةَ الحاليةَ، بوُزرائها ورئاستها، أبانت عن رضاها عن هذه الحصيلة أو أبدَت رضا ذاتي une auto satisfaction مِثالي idéal. وهذا يعني أن تدبيرَ الشأنِ العام لم تعترضه أية مشاكل، أي أن حياةَ المواطنين (رجالاً نساءً) سارت وتسير على ما يُرام ولا تشوبُها أيةُ شائبة، مع العلم أن هذه الحياة مليئةٌ بالمشاكل، وعلى رأسها، غلاء المعيشة الذي أصبح لا يُطاق. بمعنى أن المواطِن (،رجلٌ وامرأةُ)، عندما يذهب إلى السوق لاقتناء بعض المواد الأساسية للحياة، بالمعنى البيولوجي، يجد نفسَه أمام تناقض صارخ un paradoxe criant مُتمثِّلٍ في عدم تلاؤم دخله اليومي أو الشهري مع غلاء الأسعار!

صحيحٌ أن تدبيرَ الشأن العام من طرف الحكومة الحالية مرَّ ويمرُّ في ظروف قاسية منها مُخلَّفات جائحة كورونا وسنوات الجفاف المتتالية وتداعِيات الحرب الروسية الأوكرانية ثم حرب إيران.

لكن، من المفروض، أن أية حكومة جرِّيئة وشُجاعة، ومؤلفة من وزراء مُحنَّكين ومن ذوي التَّجربة والخِبرة في المجال السياسي، وتُعطي لخدمة الصالح العام أولويةَ الأولويات، دورُها هو التَّكيُّف مع هذه الأوضاع والأزمات لتجاوُزِها. بل الحكومة الجرِّيئة والشجاعة هي التي، بإرادتِها القوية تُحوِّل المشاكل إلى فُرصٍ لاتِّخاذ القرارات التي يتطلبها الوضع. هذا هو دور الحكومات الجرِّيئة والشجاعة التي، إن لم تستجِبْ لتطلُّعات الشعب أثناء الأزمات، فمتى سيستفيد من وجودِها هذا الشعب؟ لأن أية حكومة جِرِّيئة وشجاعة تدَّخر، في جعبتِها، نوعين من تدبير الشأن العام : تدبير خاص بالأيام العادية وتدبيرٌ يتلاءم مع أيام ألأزمات.

والحقيقة، كل الحقيقة، إن الحكومة الحالية لم تستجب لتَّطلُّعات الشعب المغربي لا أثناء الأزمات ولا خارجها. لماذا؟

لأن الأرقامَ التي جاءت على لسان رئيس الحكومة أمام أعضاء البرلمان، بغُرفتيه، مشكوك، كما سبق الذكرُ، في صحتها. وهذه بعض الأمثلة لرقمين يبيِّنان بأن الحكومة الحالية فشلت في تدبير الشأن العام بما ينفع البلادِ والعبادَ.

أولا، لم يسبق أن بلغت نسبة البطالة % 13 إلا في ظل الولاية الحكومية الحالية. بل إن هذه النسبة ارتفعت إلى أكثر من 13% وأصبحت تتراوح بين 13,2% و 13,3%. إن دلَّ هذا الوضعُ على شيءٍ، إنما يدلُّ على أن كلَّ السياسات العمومية التي وضعتها الحكومة الحالية لتوفير مناصب الشغل، باءت بالفشل، علماً أن حزبَ التجمُّع الوطني للأحرار الذي يرأس الحكومة، حا١لياً، وعدَ الشعب المغربي، أثناءِ حملاتِه الانتخابية، بأنه، باستطاعتِه، أن يوفِّرَ مليون منصب شغل. فرفٌ شاسِع بين الوعود والواقع!

ثانياً، نفس الحزب وعد الشعب المغربي، أثناءَ حملاته الانتخابية، بأنه قادرٌ على جعل نسبة النمو تتراوح بين 4 و 5%، بل أحيانا بين 4 و 6%. والحقيقة كل الحقيقة أن هذه النسبة تجاوزت 5%، وبالضبط 5,2%، حسب التقديرات والتَّوقُّعات الوطنية، لكن بفضل انتعاش القطاع الفلاحي الذي استفادَ من التَّسقُطات المطرية الغزيرة الأخيرة. السؤال الذي يفرض نفسَه، هنا، هو : "كيف كانت ستكون هذه النسبة، لو استمرت سنوات الجفاف؟"

وهنا أفتح قوساً لأقول "كيف لحكومة أن تبنيَ نموَّ اقتصاد البلاد على شرط لا تتحكَّم في وقوعه؟". الحكومة الواقعية هي التي تبني نموَّ اقتصاد البلاد على أمورٍ تتحكَّم فيها وتضع من أجل ترجمتِها على أرض الواقع، سياسات عمومية نسبة نجاحها عالية. إن دلت هذه السياسة التي نهجتها الحكومة الحالية على شيءٍ، إنما تدل على فشلِها في التوفيق بين وعودِها الانتخابية والتصريح الحكومي الذي قدَّمته أمامَ البرلمان وبين طموحات وتطلُّعات الشعب المغربي.

فلا غرابةَ أن تحدثَ قطيعةٌ une rupture بين الشعب وحكَّامه، قطيعةٌ ناتِجة عن عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، وذلك، ليس بالنسبة، فقط، لأحزاب الأغلبية البرلمانية، ولكن بالنسبة للأحزاب السياسية، بصفة عامة. بمعنى أن الشعبَ يئس من تعاقُب هذه الأحزاب على تدبير الشأن العام بدون فائدة. وبالتالي، أن تحدثَ هذه القطيعة، شيءٌ مفروغٌ منه. فلا غرابةَ، كذلك، أن يفقدَ الشعب ثقتَه في أحزابه، بعد ولاياتٍ حكوميةٍ طالت لعدة عقود، وبدون فائدة، وخصوصا، بدأً من الستينيات. والدليل على ذلك، نسبة الناخبين الذين أدلَوا بأصواتِهم في صناديق الاقتراع.

حسب أرقام وزارة الداخلية، الناخبون الذين لهم الحق، قانونياً، في التصويت يناهز 22 مليون مواطن (رجالاً ونساءً)، بينما الناخبون الذين أدلوا، فعلياً، بأصواتهم في صناديق الاقتراع، يناهز 6 ملايين مواطن، أي أن نسبة المشاركة الفعلية في الانتخابات، لا تتجاوز 18%، بالنسبة للانتخابات التشريعية الأخيرة. فأين نحن من مشروعية الحكومة الحالية؟ بل أين نحن مما تتشدَّق به الأحزاب السياسية من ديمقراطية، وهي العدوُّ الأول لهذه الديمقراطية!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...