يحيى بركات - اقتصادٌ داخل القفص: قراءة في حديث سمير حليلة واتفاق باريس الذي لم ينتهِ

في منتصف التسعينيات…
حين كانت السلطة الفلسطينية تُبنى على عجل، وكانت كلمة “السلام” تُقال أكثر مما تُفهم، وجدتُ نفسي، بالصدفة تقريبًا، أمام تجربة لم أتوقعها.
كان هناك برنامج اقتصادي في تلفزيون فلسطين، يُعدّه ويقدّمه أكاديمي اقتصادي من جامعة بيرزيت، لكن ظروف السفر دفعته للاعتذار عن استكمال الحلقات الأخيرة من الدورة البرامجية، فانتقلت المهمة إليّ فجأة.
لم أكن اقتصاديًا.
ولم أقتنع يومًا أنني أصلح كمقدّم برامج اقتصادية.
لكنني اكتشفت شيئًا آخر:
أن الاقتصاد الفلسطيني لم يكن يومًا مجرد أرقام وضرائب وموازنات… بل كان سياسة مقنّعة بلغة المال.
في تلك المرحلة، كان اتفاق باريس يخيّم فوق كل نقاش.
وكنت، بحكم عملي وقربي من بعض دوائر القرار والمفاوضات، أسمع كثيرًا مما لا يُقال على الهواء:
كيف يمكن لاتفاق اقتصادي أن يتحول إلى أداة سيطرة؟
وكيف يمكن لمعابر وحدود وجمارك يتحكم بها الاحتلال أن تجعل أي “استقلال اقتصادي” مجرد عنوان نظري؟
لهذا كنت، وما زلت، من المعارضين البنيويين لاتفاق باريس، ليس لأنه نظّم العلاقة الاقتصادية فقط، بل لأنه قيّدها داخل ميزان قوة مختل، جعل الاقتصاد الفلسطيني يتحرك داخل قفص مفتوح الجدران… لكنه مغلق السيادة.
لهذا أيضًا قرأت مقابلة الدكتور سمير حليلة باهتمام خاص.
ليس فقط لأنه اقتصادي يمتلك خبرة عملية ومعرفة عميقة ببنية الاقتصاد الفلسطيني، بل لأنه أحد الذين شاركوا في تلك المرحلة المؤسسة، وعايشوا من الداخل كيف كُتب اتفاق باريس، وكيف تحوّل مع الزمن من “ترتيب انتقالي” إلى قدر اقتصادي دائم.
وأعتقد أن أهمية ما قاله اليوم لا تكمن فقط في تشخيص الأزمة، بل في اعتراف ضمني نادر بأن النموذج الاقتصادي الفلسطيني وصل إلى حدوده القصوى.
أتفق معه كثيرًا حين يقول إننا لم نعد أمام أزمة مالية عابرة، بل أمام حرب اقتصادية كاملة يقودها الاحتلال لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه.
وأتفق معه أكثر حين يربط الصمود الاقتصادي بالصمود الوطني، وحين يدعو إلى تخفيف العبء عن الناس مباشرة، لا الاكتفاء بخطاب الصبر الوطني.
فالفلسطيني الذي ينتظر نصف راتب، ويدفع ثمن الغاز والخبز والمواصلات بأسعار أعلى من قدرته، لا يحتاج خطابًا سياسيًا فقط… بل يحتاج أن يشعر أن هناك دولة، أو سلطة، أو منظومة، تحاول حمايته فعلًا.
وأعتقد أن طرحه حول تخفيض الضرائب على السلع الأساسية، وإعادة تعريف الأولويات الاجتماعية، يحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية في هذه اللحظة.
لكنني، في المقابل، شعرت أن المقابلة لامست جدران الأزمة… دون أن تذهب حتى النهاية في سؤالها الأخطر:
هل يمكن فعلًا بناء اقتصاد فلسطيني حقيقي تحت سيطرة الاحتلال على الحدود، والموانئ، والعملات، والمقاصة، والحركة، والاستيراد، وحتى النقد؟
هنا تكمن المعضلة الأصلية.
فالاقتصاد الفلسطيني، منذ باريس، لم يُبنَ كاقتصاد مستقل، بل كاقتصاد تابع مرتبط قسرًا بالسوق الإسرائيلية، يستهلك أكثر مما ينتج، ويعتمد على المقاصة أكثر مما يعتمد على دورة إنتاج وطنية حقيقية.
ولهذا فإن كل الحلول، مهما كانت ذكية، ستظل تدور داخل السقف نفسه ما لم يتحول التفكير من “إدارة الأزمة” إلى “تفكيك التبعية”.
وأظن أن الدكتور سمير حليلة يعرف هذه الحقيقة أكثر من كثيرين.
أعجبني حديثه عن الزراعة، والتصنيع الصغير، وإعادة تشغيل الاقتصاد “من الأسفل”، خصوصًا في غزة.
لأن هذا الكلام يعيد الاقتصاد إلى معناه الإنساني الحقيقي:
كيف يعيش الناس؟
كيف يأكلون؟
كيف ينتجون؟
كيف يتحول المجتمع من مجتمع ينتظر المساعدات… إلى مجتمع يحاول النجاة بيديه؟
لكنني كنت أتمنى لو ذهب أبعد في نقد النموذج الاقتصادي نفسه، لا فقط آليات إدارته.
فنحن اليوم لا نعيش فقط أزمة شيكل أو مقاصة أو ضرائب.
نحن نعيش أزمة فكرة اقتصادية كاملة بُنيت على وهم أن السياسة ستأتي لاحقًا لتحرر الاقتصاد… بينما الذي حدث هو العكس تمامًا:
الاقتصاد أصبح أحد أدوات السيطرة السياسية.
ومع ذلك…
تبقى أهمية حديث سمير حليلة أنه يحاول، وسط هذا الخراب، أن يعيد النقاش إلى الأرض.
إلى الخبز والغاز والزراعة والمخبز والنفايات والركام والعمل والإنتاج.
وهذا، بحد ذاته، مهم.
لأن الشعوب لا تصمد بالشعارات وحدها.
ولا بالموازنات وحدها.
بل بقدرتها على تحويل الحياة نفسها إلى شكل من أشكال المقاومة.
وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لأي اقتصاد فلسطيني قادم:
ليس حين نمتلك المال فقط…
بل حين نمتلك القدرة على كسر العلاقة التي تجعل حياتنا اليومية رهينة لخزائن الاحتلال وحدوده وموافقاته.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
25/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...