يحيى بركات - حين تصبح الكاميرا وطنًا... تأملات فلسطينية في الفن… والحياد… والسجادة الحمراء فوق الركام

في زمنٍ امتلأت فيه الشاشات
بخبراء الحياد…
وبفنّانين يقيسون كلماتهم بميزان السوق والمنصّات والعقود والرعاة… يصبح للفنان الحقيقي معنى آخر تمامًا.
ليس الفنان الحقيقي ذاك الذي يبكي على الضحية فقط…
بل ذاك الذي يملك شجاعة النظر إلى القاتل أيضًا.
في مهرجان كان… تحدّث كثيرون عن الحب. عن الحياة. عن الأطفال. عن الخوف. عن الدموع.
وتحدثت نادين لبكي عن لبنان الذي يحاول أن يعيش تحت القصف، عن شعبٍ يقاوم الخراب بالكلمة والصورة والتمسك بالحياة.
كان خطابًا إنسانيًا مؤثرًا… وصادقًا في ألمه الإنساني بلا شك…
لكن شيئًا ما ظلّ غائبًا في قلب المشهد.
ففي زمن تتحول فيه غزة ولبنان إلى شاشات موت يومية… لا يعود السؤال فقط: كيف نتألم؟
بل: من يصنع هذا الألم أصلًا؟
وهنا يبدأ الفرق… بين فنانٍ يصف الحريق، وفنانٍ يشير إلى من أشعل النار.
الفن ليس دمعةً معقّمة تُعرض على سجادة حمراء ثم تعود إلى الفندق الفخم.
الفن الحقيقي… حين يولد من وطنٍ تحت القصف… يصبح شهادة. وموقفًا. ومرآةً أخلاقية للعالم.
ليس مطلوبًا من السينمائي أن يتحول إلى منشور حزبي… ولا إلى خطيب أيديولوجي فوق المنصة.
لكن حين يُنتزع الألم من سياقه السياسي والتاريخي… ويتحول الاحتلال والاستيطان والاقتلاع إلى مجرد “مأساة إنسانية” عائمة… فإن الضحية والجلاد يصبحان متساويين داخل رواية بلا ذاكرة.
وهنا تكمن الكارثة الأخلاقية للفن المعاصر.
أن يتحول القتل إلى “حدث مؤسف”… والاستعمار إلى “صراع معقّد”… والاقتلاع إلى “دوامة عنف”… بينما تُمحى يد الجلاد من الصورة بعناية لغوية باردة.
كل الاحترام للفنان عندما يتحوّل إلى ذاكرة شعبه… لا إلى مترجمٍ ناعمٍ لآلامه أمام الغرب.
كل الاحترام للفنان حين يحمل وطنه معه إلى المنصة… لا حين يتركه على باب المهرجان كي لا يزعج التصفيق.
في لحظات الخراب الكبرى… لا يعود السؤال: هل الفنان سياسي؟
بل: هل ما زال إنسانًا بما يكفي كي يسمّي الأشياء بأسمائها؟
فالسينما التي تخاف قول الحقيقة… تتحول إلى ديكور ثقافي جميل فوق المقابر.
وتتحول الكاميرا… من عينٍ للحقيقة… إلى أداة تجميل للكارثة.
أما السينمائي الحقيقي… فهو ذاك الذي يرى الكاميرا كعين شعبه، والصورة كوثيقة، والفيلم كفعل مقاومة ضد محو الذاكرة وتجميل الجريمة.
ولهذا… لم تكن الكاميرا يومًا مجرد آلة تصوير.
كانت دائمًا: سلاح ذاكرة.
من إيطاليا المقاومة بعد الحرب… إلى سينما أمريكا اللاتينية… إلى أفريقيا التي خرجت من الاستعمار… إلى السينما الفلسطينية التي وُلدت أصلًا من تحت الركام والمخيم والمنفى…
لم تكن الأفلام العظيمة عظيمة لأنها كانت “محايدة”… بل لأنها امتلكت شجاعة الانحياز للإنسان المقهور.
ولهذا بقي اسم مصطفى أبو علي أكبر من كثير من نجوم المهرجانات… لأن كاميرته خرجت من الخندق لا من صالونات العلاقات العامة.
ولهذا بقيت صورة هاني جوهرية وهو يستشهد بالكاميرا… أصدق من ألف خطاب إنساني منزوع السياسة.
الكاميرا التي تسقط مع شهيد… ليست مجرد كاميرا.
إنها وطنٌ كامل يحاول أن يبقى حيًا داخل الصورة.
الفنان الحقيقي لا يحمل وطنه كزينة فولكلورية إلى المهرجانات. يحمله كجرح. كهوية. كمعركة أخلاقية.
ولهذا… يبقى السينمائي المقاوم أكبر من مجرد صانع أفلام.
إنه شاهد عصر.
وحين يقف فنان على منصة عالمية… ويعلن أن وطنه ليس مجرد “مأساة إنسانية”… بل وطن يقاوم استعمارًا واقتلاعًا واحتلالًا… فهو لا يمارس خطابًا سياسيًا فقط…
بل يستعيد المعنى الأخلاقي للفن نفسه.
لأن أخطر ما يريده العالم اليوم… ليس إسكات الضحية فقط…
بل تحويلها إلى ضحية صامتة… تبكي بأناقة… وتتألم دون أن تشير إلى من يقتلها.
شرقٌ متألّم… لكن منزوع السياسة. منزوع الذاكرة. ومنزوع القدرة على تسمية قاتله.
وفي الجهة الأخرى من المشهد…
كانت Bella Hadid تمشي فوق السجادة الحمراء في كان… لكنها لم تمشِ كعارضة أزياء فقط.
كانت تمشي كفلسطينية تحمل وطنًا كاملًا فوق عنقها.
خارطة فلسطين. ومفتاح العودة.
ليس كإكسسوار موضة… بل كذاكرة شعب.
وهنا تحديدًا… تصبح الصورة أخطر من خطاب طويل.
لأن ما يجعل تجربة Bella Hadid مختلفة… ليس فقط أنها نجمة عالمية تقف تحت أضواء أشهر منصات الموضة والسينما في العالم…
بل لأنها اختارت، عن وعي كامل، ألا تخلع فلسطين عند باب الشهرة.
في عالمٍ تُدار فيه العقود بالمليارات… وتُقاس الكلمات بميزان الشركات والرعاة والمنصات… كان الأسهل لها أن تصبح “نجمة محايدة”.
أن تصمت. أن تبتسم للكاميرات. أن تقول الجملة الباردة التي يهرب بها كثيرون: “أنا مع السلام للطرفين.”
لكنها لم تفعل.
كانت تعرف جيدًا ثمن ما تفعل.
تعرف أن كل كلمة قد تتحول إلى حملة تحريض. وأن كل صورة قد تكلّفها عقدًا أو منصة أو هجومًا إعلاميًا.
ويعرف اللوبي الصهيوني جيدًا كيف يغلق أبواب العمل والشهرة… وكيف يعاقب كل من يجرؤ على حمل فلسطين علنًا.
ومع ذلك… لم تهتز.
لأن هناك أبوابًا أخرى تُفتح دائمًا… حين لا يخون الإنسان ذاكرته.
وهذا ما يمنح موقف عائلتها كلها معنى خاصًا أيضًا.
فوالدها Mohamed Hadid لم يخفِ يومًا فلسطينيته، وكذلك شقيقتها Gigi Hadid التي أعلنت مواقفها أكثر من مرة رغم كل الضغوط.
في زمنٍ أصبح فيه كثيرون يخشون حتى ذكر اسم فلسطين… تصبح الشجاعة نفسها موقفًا.
وربما لهذا بدت صورة بيلا في كان… أكبر من مجرد لقطة سجادة حمراء.
كأن فتاة فلسطينية تحمل وطنًا كاملاً فوق عنقها… وتمشي به وسط عالمٍ حاول طويلًا أن يجعل الفلسطيني يشرح إنسانيته قبل أن يُسمح له بالكلام.
لكن المفارقة الأكثر قسوة… أن الحديث هنا عن Bella Hadid، فلسطينية أمريكية، نجمة عالمية، تحمل جوازًا يحميها، وتعيش داخل منظومة قانونية تستطيع أن تحاسب أي مؤسسة أو شخص يحاول استهدافها بسبب أصلها أو هويتها أو مواقفها.
ولهذا… استطاعت أن تمشي بفلسطينيتها علنًا فوق أشهر السجادات الحمراء في العالم… دون أن تضطر للاعتذار عن اسمها أو ذاكرتها أو وطنها.
أما الفلسطيني العادي… فله حكاية أخرى تمامًا.
حكاية يعرفها الفلسطيني في المطارات والمعابر، وفي قوانين الإقامة والعمل، وفي أبواب كثيرة تُفتح ببطء أو تُغلق بصمت.
وهنا تحديدًا… ما قاله الفنان محمد عساف يلامس هذه المسافة المؤلمة بين صورتين:
صورة الفلسطيني حين يقف داخل فضاء غربي تحكمه قوانين واضحة، حتى لو وُجدت فيه لوبيات وضغوط سياسية وإعلامية…
وصورة الفلسطيني داخل جزء من الواقع العربي، حيث تصبح الحرية أحيانًا مرتبطة بموازين السياسة، وبحسابات الأنظمة، وبالخوف، وبالعلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة والسطوة الصهيونية على القرار السياسي في المنطقة.
الفلسطيني الناجح الذي ساهم في بناء مدارس وجامعات ومستشفيات وشركات في بلدان عربية كثيرة… ما زال يواجه أحيانًا تعقيدات لا يواجهها غيره.
ليس بسبب نقص في الكفاءة أو الموهبة… بل لأن السياسة تتسلل أحيانًا إلى تفاصيل الحياة اليومية نفسها.
وهذا ما حاولت في سيناريو فيلم “أشياء عادية” عذابات حملة وثائق السفر التقاطه منذ سنوات.
ليس عبر الشعارات… بل عبر التفاصيل الصغيرة:
نظرة موظف حدود. انتظار طويل في مطار. سؤال زائد عن الهوية. توتر في ختم عبور.
الفلسطيني متهم حتى يثبت براءته.
وإنسان يحمل حقيبته كأنه يحمل ملف دفاع كامل عن حقه في الحركة والحياة.
وربما هنا تبلغ المفارقة ذروتها.
أن الفلسطيني الذي أعادته غزة إلى مركز الوعي الإنساني العالمي… والذي فرض حضوره الأخلاقي والسياسي على الشارع الغربي… ما زال يواجه أحيانًا حصارًا نفسيًا وسياسيًا داخل أجزاء من محيطه العربي نفسه.
ولهذا تبدو صورة Bella Hadid وهي تحمل خارطة فلسطين ومفتاح العودة في قلب الغرب… صورة شديدة الرمزية.
كأن العالم الذي كان يُفترض أنه الأبعد عن فلسطين… صار أحيانًا أكثر قدرة على رؤية الفلسطيني كإنسان كامل الحقوق… من بعض البيئات القريبة منه جغرافيًا.
وهنا تحديدًا… نفهم الفرق بين من يستخدم الشهرة لحماية صمته… ومن يخاطر بشهرته كي لا يخون ذاكرته.
وهنا تحديدًا أيضًا… يصبح الفنان الذي يرفض الانبطاح… ويصرّ أن يحمل وطنه الحر المقاوم إلى الشاشة… أكبر من مجرد ممثل أو مخرج.
يصبح… جزءًا من ذاكرة الحرية نفسها.
وفي زمن الانبطاح الثقافي…
تصبح الكلمة الحرة فعل مقاومة.
وتصبح الصورة الوطنية الشريفة… أخطر من الرصاص أحيانًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26/5/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...