د. أحمد الحطاب - يستهدفون الأشخاصَ وليس الأفكار

مَن هم هؤلاء الناس الذين "يستهدِفون الأشخاص وليس الأفكار". إنهم الجاهلون والمُتطرِّفون الدينيون من سَلَفيين les salafistes وإخوانيين les frères musulmans، الذين، عندما يدخلون في حوارٍ مع الغير، لا يرون في مُحاوِرِيهم leurs interlocuteurs، باحثاً un chercheur او مُثقفا un intellectuel أو باحِثاً عن الحقيقة... ولهذا، فإن المُحاوِرين، عندما يدخلون في نقاشٍ مع هذا النوع من البشر، فهم، في الحقيقية، يدخلون في محاكمة وليس في نقاشٍ مفيدٍ ويُستفادُ منه. لماذا؟

لأن السلفيين والإخوانيين يعتبرون أنفسَهم مالكين للحقيقة المطلقة la vérité absolue. بينما يعتبِرون المُحاوِرَ زائغا عن الطريق السوي وتجب إعادتُه إليه. بمعنى أن السلفي يرى، في نفسِه، مُصلِحاً. بل .يرى في مُحاوريه أشخاصاً على باطلٍ، ويخالفونهم قي الرأي والرؤية للإسلام، وبالتالي، فهم يستحقُّون أن يُنعَثوا بالكفار والملحدين. فمَن هو الجاهل؟ ومَن هو السلفي؟ ومَن هو الإخواني؟

الجاهل هو الشخص الذي ليس في جُعبتِه علمٌ أو معرفة مَبنية على العقلانية la rationalité حول أمرٍ من الأمور الدينية أو الدنيوية، أو جاهل تام l'ignorant absolu الذي لا يعرف، ليس فقط الكتابة والقراءة، بل يتصرَّف في الحياة حسب أهوائه ses caprices أو حسب ما تُمليه عليه هذه الأهواء. وأقبح أو أخطر ما عند الجاهل من عيوب، هي أنه يظن أنه يعرف أو يعلَم أو له معلومات حول أمرٍ من الأمور الدينية أو الدنيوِية، وهو، في الحقيقية، لا يعرف ولا يعلم. حينها، قد ينشُرُ في الوسط الذي يعيش فيه معلوماتٍ خاطئةً أو قد يعرف الحقَّ ويتجاهله.

السلفي يصبُّ اهتمامَه على العقيدة. وقُدوتُه هم مَن يُسمِّيهم السلفيونَ "السلف الصالح"، أي الصحابة وأتباعُهم. والسَّلفي يفهَم ويُدرك الدينَ كما فهِمه السلف الصالِح، ولا يهمّه الزمانُ والمكانُ اللذان تم فيهما هذا الفهمُ أو هذا الإدراك. بمعنى أن السلفي يعيش في الحاضر بعقليةٍ ماضوية avec une mentalité psséiste، أي يُسقِط نظرةَ السلف الصالح للدين على الحاضِرِ، وكأن الدينَ ليس فيه متغيِّرات des variables تتطلَّب تكيُّفاً une adaptation مع الزمان والمكان.

أما الإخواني أو الإخوانيون، فإنهم يُركزون اهتمامَهم على العمل السياسي قصد الوصول إلى كراسي السلطة. والوصول إلى كراسي السلطة، بالنسبة لهم، له هدفٌ واحدٌ يتمثَّل في إصلاح الدولة. بالنسبة للإخوانيين، الدولة دولةٌ مارِقة لأنها لا تستمِدُّ قوانبنَها، وخصوصا، القوانين التي تنظِّم المجتمع، من الشريعة الإسلامية. والإخوانيون يتمنَّون بسطَ نفوذِهم على مؤسسات الدولة، أولا، لأسلمتِها pour son islamisation، ثانياً، لجعلِها خاضعةً لنظرتها السياسية الإيديولوجية. وفي نهاية المطاف، الإخوانيون لهم هدفٌ بعيد المدى يتمثَّل في استعادة "دولة الخلافة".

بعد هذه التوضيحات، أعود إلى عنوان هذه المقالة، أي "يستهدفون الأشخاصَ وليس الأفكار". بمعنى أن السلفيين والإخوانيين لا يُفضٍِلون نِقاشَ الأمور الدينية والدنيوِية، كأفكار قابلة للأخذ والرد la discussion الإثبات la vérification والبرهنة la démonstration. بل إنهم، قبل بداية النقاش، يصنّفون مَن يُحاوِرهم، مباشرةً أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في خانة الكفر l'hérésie والإلحاد l'athéisme والشرك le polythéisme… وبصفة عامة، السلفيون والإخوانيون لا يقبلون النقاشَ le débat، لأنهم، أولا وقبل كل شيءٍ، يعيشون فكرياً في الماضي، وليس لهم أفكار des idées أو أدلة des preuves يُسايرون بها النقاشَ. فتراهم يفضِّلون اللجوءَ إلى أساليب المراوغة l'esquive. ومن بين هذه الأساليب، أذكر، على سبيل المثال، أسلوب نظرية المؤامرة.

هذه النَّظرية، غالباً ما يلجأ لها السلفيون والإخوانيون، عندما يدور النقاش حول أمورٍ دينية غير قطعية، أي أمورٌ تقبل الحوارَ. واللجوء إلى هذا الأسلوب في النقاش، هو، في الحقيقة، نوعٌ من المراوغة أو الهروب إلى الأمام، علماً أن هاتِه المُراوية وهذا الهروب إلى الأمام راجععَان إلى كون هؤلاء السلفيين والإخوانيين لا يملكون الأفكارَ والآراء لتبرير مواقِفِهم. فما هي نظرية المُؤامرة؟

نظرية المُؤامرة هي، في الحقيقة وكما سبق الذكرُ، هروبٌ من النقاش. والأساس فيها، هو أن المُحاورين يتلقَّون تعليماتٍ وتمويلا من جهةً تعمل في الخفاء، أي جهة سرِّية، لها خطةٌ أو لها خُطَطٌ تهدف، من ورائها، إلى الإساءة للإسلام. وغالباً ما تكون هذه الجهة التي تعمل في الخفاء، هي الصهيونية (إسرائيل) والولايات المتَّحدة الأمريكية. وما يثير الانتباهَ، هو أن السلفيين والإخوانيين مُتشبِّثون بوجود هذه الجهة السِّرية، ولو قُدِّمت لهم الأدِلَّة القطعية بعدم وجودها. لماذا؟

لأن السَّلييين والإخونيين لهم حُكمٌٌ مسبقٌ عن مُحاوريهم، يمكن تلخِيصُه في كون هؤلاء المُحاورين منحرفِين، كما سبق الذكرُ، عن الطريق الذي أتاحَه للسلفيين والإخوانيين فهمُهم للإسلام، وتجِب إعادتُهم له بالنُّصح والموعظة والإصلاح. ولهذا، نجد السلفيين والإخوانيين يُردِّدون في حديثِهم عبارة "اتَّق اللهَ يافلان" أو "عُدْ إلى الطريق السوي قبل فوات الأوان".

ولهذا، عَنونتُ هذه المقالة ب"يستهدفون الأشخاصَ وليس الأفكار". لماذا؟ لأن السلفيين والإخوانيين، عوض أن يصبُّوا اهتمامَهم على مناقشة الأفكار، فإنهم يركِّزون هذا الاهتمام على الأشخاص لنَعتِهم بأقبح الاوصاف من كفرٍ وإلحادٍ وزندقة وجحودٍ وضلالٍ… فضلا على أن هؤلاء السلفيين والإخوانيين لهم نظرة ماضوية une vision passéiste عن الإسلام. بل يعتبرون هذه النظرة هي الصحيحة، وبالتالي، هي النظرة الواحدة والوحيدة، ولا نظرة تأتي قبلها ولا بعدها. ولهذا، فالمُستهدفُ ليست الفكرة ولكن حامل الفكرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...