يحيى بركات - حين خرجت السياسة من القاعة

حين خرجت السياسة من القاعة
تأملات فلسطينية بعد المؤتمر الثامن…
من أزمة فتح
إلى سؤال المستقبل كله
في رام الله…
كانت القاعة ممتلئة.
الأعلام الصفراء ترتفع كأنها تحاول إقناع نفسها أن الزمن ما زال زمنها.
الصور القديمة معلّقة على الجدران:
عرفات يبتسم من ذاكرة بعيدة،
شهداء،
بنادق،
شعارات،
وأغانٍ تعرفها الحناجر حتى لو نسيتها السياسة.
في الخارج…
كانت غزة تُذبح.
والضفة تُقضم.
والمخيمات تُخنق بالفقر والانتظار.
وكان الفلسطيني، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا يسأل فقط:
من فاز؟
بل:
إلى أين نمضي أصلًا؟
وهنا تحديدًا…
لم يعد المؤتمر الثامن لحركة فتح مجرد مؤتمر تنظيمي.
ولا مجرد انتخابات لجنة مركزية ومجلس ثوري.
ولا حتى صراع أجنحة وخلافة ونفوذ.
بل تحوّل، دون أن يقصد كثيرون، إلى لحظة كشفت شيئًا أعمق بكثير:
كيف أصبحت السياسة الفلسطينية تُنتَج؟
ومن يملك حق تعريفها؟
وهل ما زلنا أمام حركة تحرر…
أم أمام بنية تُعيد إنتاج نفسها داخل سقف مغلق؟
لم يكن أكثر ما أثار الانتباه في المؤتمر هو النتائج.
فالنتائج كانت متوقعة عند كثيرين حتى قبل إعلانها.
ولم يكن أخطر ما فيه سقوط أسماء تاريخية أو صعود أخرى جديدة.
بل الأخطر…
أن المؤتمر بدا وكأنه يعرف نهايته منذ بدايته.
وهنا بدأ السؤال الحقيقي.
كيف يمكن لمؤتمر يُفترض أنه “سيد نفسه” أن يدخل إليه أعضاؤه وهم يشعرون أن كثيرًا من التفاصيل قد حُسمت سلفًا؟
في تاريخ الحركات الثورية…
حين يبدأ المؤتمر،
تسقط الألقاب مؤقتًا.
لا يعود الرئيس رئيسًا.
ولا عضو المركزية عضو مركزية.
ولا عضو المجلس الثوري عضوًا في الثوري.
الجميع يصبحون:
أعضاء مؤتمر.
ومن هنا جاءت العبارة القديمة:
“المؤتمر سيد نفسه.”
أي أن المؤتمر:
يناقش،
ويحاسب،
ويعدّل،
وينتقد،
ويصوغ البرنامج السياسي،
ويعيد تعريف المسار،
ويمنح أو يسحب الشرعية.
لكن ما جرى هذه المرة كان مختلفًا.
فالرئيس أُعيد بالتزكية والتصفيق قبل أن يبدأ النقاش أصلًا.
والبرنامج السياسي لم يُفتح فعليًا للنقاش.
والمراجعة لم تحدث.
والحوار الحقيقي غاب.
وكأن المؤتمر لم يُدعَ ليطرح سؤال:
إلى أين وصلت فتح؟
بل:
كيف تُدار المرحلة القادمة بأقل قدر من الاهتزاز؟
وهنا بدأت القاعة تفقد معناها السياسي…
وتتحول تدريجيًا إلى مسرح إدارة.
ولأن القاعة لم تتسع للأسئلة الثقيلة…
خرجت السياسة إلى الفيسبوك.
وهذا ما لم يفهمه كثيرون وهم يهاجمون “الغسيل الوسخ” على وسائل التواصل.
لم يخرج الغضب إلى المنصات لأن الفتحاويين يحبون الفوضى.
بل لأن البنية التنظيمية نفسها لم تعد تستوعب النقاش الحقيقي.
حين لا يجد العضو مساحة ليعترض داخل المؤتمر…
سيكتب خارجه.
حين لا يجد الكادر منبرًا يناقش فيه:
التمثيل،
والإقصاء،
وأوسلو،
والسلطة،
وغزة،
والفساد،
والتنسيق الأمني،
ومستقبل الحركة…
فإن الهاتف يتحول إلى قاعة بديلة.
وهنا كانت المفارقة المؤلمة:
فتح التي كانت يومًا تنتج السياسة في الخلايا والأقاليم والنقاشات الداخلية…
بات أبناؤها يبحثون عن السياسة على صفحات التواصل.
ثم جاءت التسريبات…
كأن الجدران نفسها بدأت تتكلم.
أصوات غاضبة، شتائم، كوتات، اتهامات، صراعات نفوذ، ومرارة تتسرب من خلف الستارة الثقيلة للمشهد التنظيمي.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في التسجيل ذاته.
ولا في أن سياسيًا غضب، أو أن مسؤولًا شتم آخر، أو أن خاسرًا اتهم فائزًا.
فهذه أعراض يمكن أن تحدث داخل أي حزب أو سلطة أو تنظيم في العالم.
المشكلة الأعمق…
أن الفلسطيني لم يعد يسمع داخل هذه التسجيلات لغة مشروع وطني يتصارع على المستقبل، بل لغة بنية سياسية تتصارع على إدارة ما تبقى من الحاضر.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر قسوة:
كيف تحوّلت الحركة التي كانت تنتج المعنى الوطني… إلى بيئة تُنتج التسريبات؟
وفي الحقيقة…
ما كشفته التسجيلات لم يكن أسرارًا كاملة.
فمعظم ما قيل… كان الفلسطيني يعرفه شعورًا قبل أن يسمعه صوتًا.
كان يعرف أن هناك: محاور، وترتيبات، وكوتات، وصراعات نفوذ، ومراكز قوة، وتنافسًا على ما بعد محمود عباس.
لكن الخطير أن يتحول كل ذلك إلى المشهد نفسه.
أن يصبح المشروع الوطني خلفية بعيدة… بينما يتقدم الصراع على المواقع إلى واجهة الصورة.
وهنا لا تعود الأزمة أزمة أشخاص.
بل أزمة انتقال طويل من:
“حركة تحرر”
إلى:
“نظام إدارة.”
والأخطر من التسريبات نفسها…
هو الطريقة التي التهمتها بها وسائل التواصل.
فخلال ساعات…
انتقل النقاش الفلسطيني من: أزمة التمثيل، ومستقبل منظمة التحرير، ومعنى الانتخابات، وموقع غزة، وأزمة الشرعية، والتحولات الإقليمية…
إلى:
من شتم من؟
وهنا تحديدًا يحدث التحول الأخطر في الوعي.
حين يصبح الشعب متفرجًا على السياسة… لا شريكًا في صناعتها.
وحين تتحول القضية من: سؤال مصير، إلى: مادة فرجة يومية.
وربما لهذا السبب بالذات…
لم يعد الخطر الحقيقي أن تختلف القيادات، ولا حتى أن تتصارع.
فالاختلاف جزء طبيعي من أي حركة حية.
الخطر الحقيقي…
أن تغيب المساحات السياسية القادرة على استيعاب هذا الاختلاف داخل المؤسسات نفسها.
وحين تغلق القاعة أبواب النقاش… يفتح الفيسبوك أبواب الانفجار.
وحين لا يجد الكادر منبرًا يتحدث فيه بحرية داخل المؤتمر… سيتحدث خارجه.
لا لأن وسائل التواصل بديل صحي، بل لأن المؤسسة نفسها فقدت قدرتها على احتواء السياسة.
كل المقالات التي كُتبت بعد المؤتمر تقريبًا، رغم اختلافها، كانت تقول الشيء نفسه بأشكال مختلفة.
هاني المصري قال إن:
“القديم السياسي بقي على قدمه.”
غانية ملحيس ذهبت أبعد من ذلك، وسألت:
كيف تُنتج السياسة الفلسطينية أصلًا؟
وكيف تحولت اللغة السياسية نفسها إلى جزء من استمرار البنية لا كسرها؟
محمد مشارقة تحدث عن:
تحول فتح من حركة تحرر إلى حزب سلطة.
جهاد حرب كشف آليات:
التحكم بالمدخلات لإنتاج مخرجات معروفة.
بكر أبو بكر رثى:
سقوط الروح التنظيمية والنضالية لصالح الولاء والانتهازية.
مروان طوباسي دق ناقوس الخطر حول:
انهيار ثقافة الحوار الداخلي.
أما أكرم عطالله ففتح بابًا أكثر إيلامًا:
فتح تنتخب… وحماس تنتخب… والشعب ينتحب.
وهنا تبدأ الصورة بالاكتمال.
المشكلة لم تعد فقط:
أزمة فتح.
بل أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية كلها.
أزمة انتقال طويل من:
“مشروع تحرر”
إلى:
“إدارة واقع.”
من:
سياسة تحاول تغيير التاريخ،
إلى:
سياسة تحاول النجاة داخله.
وهذا هو التحول الأخطر.
منذ أوسلو…
بدأ شيء عميق يتغير بهدوء.
لم تعد السياسة تُقاس بقدرتها على:
فتح أفق جديد،
بل بقدرتها على:
إدارة الممكن المحدود.
تدريجيًا…
تحولت مفاهيم مثل:
الحوكمة،
الاستقرار،
بناء المؤسسات،
التنسيق،
الواقعية…
إلى سقف يفكر داخله الجميع.
حتى النقد نفسه…
أصبح أحيانًا جزءًا من استمرار البنية لا تجاوزها.
وهذا ما سمّته غانية:
“الانسداد المفاهيمي الناعم.”
لكن أخطر ما كشفه المؤتمر…
أن الديمقراطية نفسها قد تتحول أحيانًا إلى:
مشهد مضبوط.
وهنا يجب الانتباه جيدًا.
المشكلة ليست في الانتخابات.
ولا في المؤتمرات.
ولا في التصويت.
بل في:
من يحدد شروط اللعبة قبل أن تبدأ؟
حين تصبح المشاركة السياسية مشروطة مسبقًا بقبول سقف سياسي محدد…
وحين تُضبط مدخلات المؤتمر…
وحين تُحدد حدود النقاش سلفًا…
فإن السؤال يصبح:
هل نحن أمام ديمقراطية تغيّر الواقع؟
أم أمام تقنية لإعادة إنتاجه؟
وهنا ظهر ذلك الإحساس الفلسطيني الثقيل:
أننا أمام “فيلم ديمقراطي” أكثر من كوننا أمام لحظة تأسيس سياسي حقيقي.
مشهد كامل:
تصويت،
انتخابات،
تنافس،
نتائج،
صور،
تهاني…
لكن داخل مساحة مرسومة سلفًا.
لكن الخطر الأكبر…
لم يعد داخل فتح وحدها.
بل في احتمال أن يتحول هذا النموذج نفسه إلى الشكل الذي ستُبنى عليه الحياة السياسية الفلسطينية القادمة كلها.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من نتائج المؤتمر نفسه.
إذا كانت مدخلات المؤتمر قد ضُبطت،
وإذا كانت حدود النقاش قد رُسمت مسبقًا،
وإذا كانت الشرعية قد أُعيد إنتاجها داخل سقف سياسي معروف…
فكيف ستبدو:
الانتخابات التشريعية القادمة؟
والانتخابات الرئاسية؟
وإعادة تشكيل المجلس الوطني؟
وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية؟
هل سنكون أمام عملية وطنية تعيد إنتاج المشروع التحرري الفلسطيني؟
أم أمام إعادة توسيع للبنية نفسها…
لكن هذه المرة باسم “الشرعية الوطنية الشاملة”؟
هنا تحديدًا تكمن أخطر نقطة في المشهد كله.
لأن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد جهاز إداري تابع للسلطة.
كانت الحامل السياسي والمعنوي والتاريخي للشعب الفلسطيني كله.
داخل الوطن…
وفي الشتات…
وفي المخيمات…
وفي المنافي.
كانت أكبر من السلطة.
وأوسع من الحكومة.
وأعمق من أي بنية مؤقتة.
لكن ما يخشاه كثيرون اليوم…
أن يتحول المسار كله بالعكس.
أن تصبح:
منظمة التحرير،
والمجلس الوطني،
والانتخابات،
والفصائل…
كلها تدور داخل شروط السلطة،
لا داخل شروط مشروع التحرر الوطني.
أي أن تتحول السلطة — التي كان يفترض أن تكون أداة مؤقتة ضمن مشروع وطني أكبر — إلى المرجعية التي يُعاد تعريف المشروع الوطني نفسه داخل حدودها.
وهذا انقلاب كامل في المعنى.
بدل أن تكون السلطة جزءًا من المشروع الوطني…
يصبح المطلوب من المشروع الوطني كله أن يتكيف مع شروط السلطة واستمرارها.
ولهذا…
لم تعد المعركة الحقيقية:
من فاز في المركزية؟
بل:
من يملك حق تعريف السياسة الفلسطينية القادمة؟
هل هي السلطة؟
أم فتح؟
أم منظمة التحرير؟
أم الأجهزة؟
أم الشتات؟
أم الشارع؟
أم الأجيال الجديدة؟
أم الفضاء الرقمي؟
أم الوقائع التي تصنعها الحرب والإبادة والانهيار؟
ما يحدث الآن أخطر من مجرد انقسام تنظيمي.
إنه لحظة تآكل بطيء للشرعية القديمة.
فتح ما زالت الحركة الأكبر.
وما زالت تحمل تاريخًا لا يستطيع أحد محوه.
لكن السؤال الذي يطرق الباب الآن ليس:
هل انتهت فتح؟
بل:
هل تستطيع إعادة تعريف نفسها خارج شروط المرحلة التي أنتجتها؟
وهل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية كلها أن تعود:
مشروعًا للتحرر…
لا مجرد إدارة طويلة لأزمة مستمرة؟
وربما هنا تحديدًا…
يعود إدوارد سعيد من جديد.
ليس كأستاذ جامعي،
ولا كمفكر أدبي فقط،
بل كصوت مبكر حذّر طويلًا من اللحظة التي تتحول فيها السياسة إلى إدارة،
والتحرر إلى لغة تفاوض،
والقضية إلى بنية تعيش على استمرار الأزمة أكثر مما تعيش على حلّها.
كان سعيد يرى مبكرًا أن أخطر أشكال الاستعمار ليست فقط احتلال الأرض…
بل احتلال:
اللغة،
والمخيلة،
ومعنى الممكن السياسي نفسه.
ولهذا لم يكن يخشى فقط الهزيمة العسكرية…
بل انهيار قدرة الشعب على:
إنتاج المعرفة،
والخيال،
والثقة بالمستقبل.
وما يحدث اليوم في الفضاء الفلسطيني…
يكاد يكون التجسيد الأكثر قسوة لهذا التحول.
فبدل أن يتحول المؤتمر إلى لحظة مراجعة وطنية عميقة…
تحول جزء كبير من المشهد إلى:
تسريبات،
ومكالمات،
وشتائم،
وتخوين،
وتركيب أصوات،
وحروب رقمية،
وفوضى نفسية وسياسية.
وكأن الفلسطيني لم يعد يُدفع فقط نحو فقدان الثقة بقياداته…
بل نحو فقدان الثقة بنفسه أيضًا.
وهنا يجب الانتباه جيدًا…
لأن جزءًا من الحروب الحديثة لم يعد هدفه فقط إقناعك برواية معينة…
بل دفعك إلى الاعتقاد أن:
كل شيء فاسد،
كل شيء كذب،
كل شيء مؤامرة،
ولا إمكانية لأي مشروع وطني أو جماعي أو تحرري أصلًا.
وهذا بالضبط ما تريده منظومات الهيمنة الحديثة.
أن يتحول المجتمع إلى:
كتل غضب منفصلة،
تستهلك الفضائح،
وتفقد قدرتها على التفكير الجماعي،
وعلى إعادة بناء الثقة،
وعلى إنتاج حامل سياسي جديد.
وربما لهذا السبب…
لم تعد المعركة الحقيقية اليوم فقط حول:
من يقود؟
بل حول:
هل ما زال الفلسطيني قادرًا على تخيّل مستقبل مختلف أصلًا؟
وهنا تصبح كل دعوات النقاش التي ظهرت بعد المؤتمر — من غانية ملحيس، وهاني المصري، ومحمد مشارقة، وبكر أبو بكر، ومروان طوباسي، وخالد عطية، وغيرهم — محاولة لإنقاذ شيء أعمق بكثير من مجرد تنظيم سياسي.
محاولة لإنقاذ:
“المعنى السياسي الفلسطيني نفسه”
من الانهيار داخل الضجيج.
ولهذا…
ربما لا يبدأ التغيير من داخل القاعة وحدها بعد الآن.
ربما بدأ يتشكل:
في المجتمع،
وفي الشتات،
وفي الفضاء الرقمي،
وفي الأجيال التي لم تعش زمن الثورة الأولى،
وفي الفلسطيني الذي لم ينتخب منذ عشرين عامًا،
وفي السؤال الذي بات أكبر من الفصائل كلها:
كيف نستعيد السياسة بوصفها أفقًا للشعب…
لا مجرد نظام لإدارة البقاء؟
الخطر الحقيقي ليس أن تخسر فتح مؤتمرًا.
ولا أن تسقط أسماء وتصعد أخرى.
الخطر الحقيقي…
أن تتحول الحركة الوطنية كلها إلى بنية تجيد الاستمرار…
لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على الحلم.
فالشعوب لا تموت فقط حين تُهزم.
بل حين تفقد قدرتها على تخيّل مستقبل مختلف.
ولهذا…
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم:
كيف نواجه الاحتلال فقط؟
بل:
كيف نستعيد حقنا في إنتاج سياسة لا تُدار كسقف مغلق…
بل كأفق مفتوح للتاريخ؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...