عرض محمد عباس محمد عرابي
هناك علاقة وطيدة بين الشعر العربي والقافية ، فلقد ارتبط الشعر العربي بالقافية ارتباطاً وثيقاً قلما نجده في غيره من الآداب الأخرى، وتعد فالقافية تعد مظهر اقتدار الشاعر ومدى تمكنه من فنه، وهي وإن كانت واحدة فهي أرفع من خط سائر البيت والقصيدة كما يقول ابن رشيق.
ومن هنا يقررون أن الإصابة والخطأ في القافية أظهر من سائر البيت ، وأن العناية بهذا الجزء يجب أن يكون أكثر من أي جزء آخر ( )
والقافية مرتبطة بالحالة النفسية والشعورية للشاعر ، شأنها في هذا شأن الوزن.
وهذا الارتباط النفسي عامل مهم ، من عوامل وحدة موسيقى الشعر بما تتضمنه من وزن وقافية. ولما كانت القافية ضابط الإيقاع في القصيدة ، وعنصرًا مهمًا من عناصر وحدتها الموسيقية ، فإن أي خلل يلحق بها ، يؤدي إلى زعزعة الوزن وانكساره.
وهذا يفسر لنا سر اهتمام القدماء بدراسة العيوب ، التي تلحق بالوزن والقافية وتعوقهما عن أداء وظيفتهما الفنية.
* الوزن والقافية:
وعلى أية حال ، فهذا كله يدلنا دلالة قاطعة على أن الوزن والقافية يمثلان عنصراً هاماً من عناصر الفن الشعري ، وقاعدة من قواعده الفنية الأصلية ، ولذا فإن تجاهل بعض الشعراء أو بعض النقاد المعاصرين ، لأهمية هذا العنصر الموسيقي ، يعد إخلالاً بقيمة الشعر باعتباره فنا من الفنون القولية المنغمة والخلط بينه وبين النثر ، بحيث يصعب علينا، أن نميز بين ما هو شعر وما هو نثر ( )
وهذا يكشف لنا عن المعزى الحقيقي وراء استهجان الذوق العربي الحديث والمحافظ بنوع خاص ، لهذا اللون من الشعر الجديد ، الذي يغفل هذا العنصر الموسيقي إغفالاً تاماً ، وينحو منحى فنياً شبيها بمنحنى النثر.
والذي ظهر نتيجة لهذه الدعوة الخاطئة للتحرر من هذا العنصر الموسيقي الذي بدا لبعض نقادنا المحدثين قيدا من القيود الفنية التي تقف عائقاً في سبيل لحاق الشعر بالنثر الحديث في رقيه وتطوره . ذلك لأن تطور الشعر ، لا ينبغي أن يكون على حساب فقده لأي عنصر من عناصره الفنية . وقد وضح لنا أن موسيقى الشعر ، هي أحد العناصر الفنية الهامة ، التي ينهض عليها هذا الفن القولي ، وبدونها يصبح فنا أعرج مبتور الساقين .
وقد فطن إلى هذه الحقيقة بعض ذوي الحس الفني الدقيق من دعاة التطور والتجديد الشعري في العصر الحديث ، حيث اقتصر تجديدهم لهذا العنصر الموسيقي ، على تعديله وتطويره ، وليس على التخلص منه.
وهذا التعديل يمس الوزن كما يمس القافية . ويتمثل هذا بوضوح في بعض أنماط من الشعر المرسل والشعر الحر التي بدأت تظهر في الأفق النقدي منذ أوائل القرن العشرين. فالشائع بين نقادنا المعاصرين ، أن أهم خصائص الشعر المرسل ، هي الإبقاء على الوزن مع التنويع في القوافي ، وأهم خصائص الشعر الحر ، هي عدم التزام الوزن التقليدي ، والاعتماد على وحدة التفعيلة ، بدلاً من وحدة البيت، مع التزام القافية أحياناً.
وقد مزج بعض ذوي الأصالة الفنية من شعراء مدرسة الشعر الحر المعاصرة في أشعارهم بين هذين النوعين ، وأصبح هذا المزج سمة غالبة على أشعارهم.
* القافية مظهر من مظاهر الإيقاع:-
فالقافية لها دور كبير في موسيقية الشعر الجديد ، فجاءت فيه مشحونة بالتعبير منبثقة من الحس الفني ومنسجمة مع حالات الشعراء النفسية والشعورية . وقد أولاها النقاد قديما وحديثاً عناية خاصة فهي شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر الذي لا يسمى شعراً حتى يكون له وزن وقافية ، والوزن أعظم أركان حد الشعر وأولاها به خصوصية وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة ، وهذه النظرة القديمة للقافية لا تختلف عنها نظرة المعاصرين الذين يعدون القافية عنصراً أساسياً ومهما في بناء القصيدة وتوجيهها ، ويركزون على أهميتها الموسيقية ( )
فالوزن والقافية ركنان أساسيان من أركان القصيدة لا يمكن أن يقوم بناؤها إلا عليهما ويذهب محمد زغلول سلام إلى أنهما معا- الوزن والقافية – مفتاح القصيدة بما يشيعان في موسيقاها من وحدة وارتباط وإذ هما كذلك فإنهما وثيقا الصلة بالمعاني التي تدور في قلب الشاعر وتنبعث من أعماق تجربته إلى محض البيان ويرى عز الدين إسماعيل أن حركة الشعر الجديدة خرجت بتصور جيد للقافية يخلصها من كل عوامل الإملال والرتابة ، ويجعل منها عنصراً موسيقياً فعالاً ، غير أن نقاداً آخرين يرون أن الشعر الجديد أحدث تغييرا في وظيفة القافية الجمالية ، وعدل مفهوماتها لتكون مناسبة لخصائصه ، وتكاد تجمع آراء هؤلاء النقاد على أن القافية أنسب نهاية للشطر الشعري حيث تتيح للقارئ الوقوف والحركة ، وتدخل التلوين ، والتوزيع على موسيقى القصيدة ؛ لأنها متنوعة غير موحدة . ومن القيم النقدية البارزة في فهم دور القافية في الشعر الجديد إدراك العلاقة بين صورة القافية – كتشكيل موسيقي – وبين الحالة النفسية والشعورية ، ومن ثم في اختيار الكلمة الأخيرة المناسبة لذلك الانفعال بحيث تتنوع النغمات وفقا لتنوع المشاعر ، ودون أن تفقد القصيدة وحدتها الصوتية المتماسكة، وترابطها الواضح( )
ولم يتخل الشعر الجديد عن القافية، فالوزن والقافية هما الأساسان الفنيان في الشعر العربي قديمه وجديدة ، وهما السمتان المميزتان للشعر مهما اختلفت العصور وإذا كانت دعاوى المحافظين قد تمثلت في أن القافية وسيلة لإبراز الإيقاع، وقفل الوزن وختامه، وتحدد انتهاء البيت كوحدة موسيقية ومعنوية ، فهي فاصل زمني وموسيقي ومحطة استراحة للشاعر والسامع . على أن النظرة النقدية الثاقبة تكشف عن أن الشعر الجديد طور في القافية وأدخل عليها التعديل المناسب للدفقات الشعورية للشعراء كما فعل بالنسبة للوزن ، حيث ألغى الدور الموسيقي الرتيب لحرف الروي محافظاً على القافية ، وحفاظه عليها ارتبط بحالة الشاعر النفسية ، تلك الحالة التي تفرض عليه دفقة شعورية ونغمة موسيقية ، داخل السطر الشعري الواحد ، تنتهي بنهاية مريحة نفسياً تصلح تماماً ؛ لأن تكون خاتمة لتلك الدفقة ، ومتوازنة إيقاعياً مع الحركة الموسيقية داخل السطر الشعر ذاته دون الاعتماد على الحركة الرتيبة في حرف الروي ، بأن تجعل حرف الروي صوتا منفعلاً ، قد يختلف من سطر إلى آخر ، وقد يتفق وفقا لما يحتاجه الإطار الموسيقي العام للسطر أو الأسطر ، وبذلك صارت القافية هي أنسب كلمة أو صوت إلى السطر التالي فالقافية الجديدة إذن كلمة تتيح للقارئ الوقوف والحركة في آن واحد ، وبإحساس نقدي سليم يتابع عز الدين إسماعيل حديثه عن القافية مبرزاً الأسس الجمالية المرتبطة بموسيقى السطر الشعري ، وهي جماليات منبعها إحساس الشاعر الجديد بتجربته وبالشكل الذي يمكنه أن يفرغ فيه هذه التجربة دون تقييد بشكل البيت الشعري القديم. ويحمد له أن يجعل القافية الجديدة سمة من سمات الشعر الجديد " فهي قائمة في الشعر الجديد وإن أخذت شكلاً آخر هو في الحقيقة أصعب مراساً من القافية القديمة، وانتهى إلى أن الشعراء الجدد لم يتعمدوا إنهاء قصائدهم بلون واحد من الجرس الموسيقي.
- القافية- وأن هذا الجرس تنوع وفق تنوع أحاسيسهم وما ترتاح له. ولعل هذا أحد أسرار الجمال في الشعر الجديد ( )
والواقع أن النمط من الشعر الجديد الذي يمزج بين بعض خصائص الشعر المرسل ، وبعض خصائص الشعر الحر ، يعد امتداداً لأنماط شعرية أخرى ، سبقته إلى الوجود ، ولكنها لم تأخذ حظها من النضج الفني.
ومع أن موسيقى هذا النوع من الشعر الحر ، لا تختلف عن موسيقى شعرنا العربي التقليدي إلا في التنويع النغمي للإيقاع ، فإن تأثيرها في نفوس ( السامعين ، لا يصل إلى مدى ما يصل إليه تأثير موسيقى شعرنا التقليدي ، ذات الصوت القوي والإيقاع المنتظم. ( ) .
*وهناك العديد من الدراسات حول القافية والإيقاع منها :
دراسة شريف (2021م): ظاهرة الإيقاع الخارجي في قصائد شوقي الوطنية
يعتبر الإيقاع من أهم القضايا التي يقف عليها النقاد في تحليل الأشعار، ولهذا تهدف الدراسة إلى الكشف عن الإيقاع الموسيقي الخارجي في قصائد أحمد شوقي الوطنية التي كانت تحمل في ثناياها هموم الوطن وآماله وآلامه. حيث اعتمد الباحث هنا على المنهج الوصفي التحليلي؛ للوقوف على الظواهر الفنية والسمات الجمالية المتعلقة بالأوزان الشعرية والقوافي أيضا. وتوصلت الدراسة إلى أن شوقي حافظ على نهج "مدرسة الإحياء"؛ وقد استخدم البحور الخليلية في هذا النوع من الأشعار، مع كثرة الاعتماد على بحر الكامل في نظمها، بالإضافة إلى أنه كثيرا ما اختار روي القافية من الحروف التي كثر مجيئها رويا في الشعر العربي، كما أنه استغل فن التوشيح في بعض قصائده الوطنية بهدف التنويع في حرف الروي، معتمدا على الإيقاعية الكثيفة المتوسطة في القافية، والتي جرت غالبا على الصورة المشترطة، حيث لم نعثر إلا على بعض العيوب البسيطة، وقد ظهر على الشاعر نبوغه من خلال التزامه ببعض ما لا يلزمه في القافية، كما أنه أبدع في تصريع الطالع في أغلب أشعاره الوطنية.
• دراسة صالح (2021)إيقاع القافية في شعر كعب بن زهير
القافية ركن مهم من أركان القصيدة العربية، تمثل العلاقة بين الأبيات الشعرية، وهي النسق الصوتي الذي يتكرر في نهايات الأبيات، ويمثل وجودها سمة مهمة للإيقاع والنغم في القصيدة، والقافية شبيهة بالفاصلة الموسيقية التي تؤثر بالسامع، وتزيد من إحساسه بجمالية الإيقاع الشعري؛ وذلك بتكررها وترددها في الأبيات. وإيقاع القافية عند الشاعر كعب بن زهير يتمثل باتباعه القوافي السهلة غير المعقدة، إذ سار على نهج الشعراء السابقين في استعمالهم حروف الروي وأكثرها وروداً في الشعر القديم، وكان تركيز البحث في إيقاع القافية على حروف الروي وحركاتها في تشكيل الإيقاع الصوتي الذي يتناسب مع قريحة الشاعر، وانفعاله الذاتي إزاء موضوعه، فجاءت قوافيه مناسبة لشعوره لحظة إنشاده قصائده.
دراسة شكر(2007): الإيقاعية في شعر الجواهري رسالة ماجستير في اللـغة العربية وآدابها. تقدم بها
وقد حاولت هذه الدراسة أن تُجيل النظرَ بتأنٍّ وشمول في جوانب البنية الإيقاعية لشعر الجواهري، واستقام لها ذلك من خلال تمهيد وفصلين وملحق.
أمّا التمهيد فوقف عند مفهوم الإيقاع مُحاولاً استخلاصَه من طروحات النقاد المعنيين به، ثم عطف على ذكر أهميته في البناء الشعري، رابطاً ذلك بموقف الجواهري النظري منه الذي ألمع إليه في نصوصه.
وتوفّر الفصل الأول على دراسة الإيقاع الشعري الثابت، فبدأ بتمحيص المصطلحات المستخدمة في وصف أنماط الإيقاع ليختار منها أنسبها، ثم ثنّى بوصف البحور، وثلّث ببنية البيت الشعري ليقرأ في ضوئها إيقاعي التضمين والتدوير، مُنتقلاً بعد ذلك إلى إيقاع الزحافات والعلل، والضرورة الشعرية، ليأتي بعدها دور الوقفة عند إبدال الشاعر للبنية التقليدية في محور الخروج على العروض التقليدي، وكان المحور الأخير من حظِّ إيقاع القافية الذي لا يكتمل البحث في الإيقاع الثابت إلاّ بالنظر فيه.
وأُفرد الفصل الثاني لدراسة الإيقاع المتحرك، وذلك من خلال مبحثين، كان الأول منهما مخصصاً لمتابعة إيقاع التكرار عبر ثلاثة تأسيسات هي تكرار الحروف وتكرار الكلمات وتكرار العبارات، في حين اختار المبحث الثاني إيقاع الموازنات الصوتية عنواناً له، مُبتغياً بذلك اختزال كثير من المصطلحات البلاغية ذوات القيم الإيقاعية التي أفرزتها النزعة التبويبية في البلاغة العربية.
ومن أبرز نتائج هذه الدراسة :
وكثيراً ما تتصالح بنية الإيقاع الثابت مع بنية الإيقاع المتحرك، إذ يدغمان معاً في ظل ظاهرة من ظواهر الموازنة هي التقطيع، وهذا التقطيع يعمل على وضوح النغم الإيقاعي وتقويته، حتى ليخيّل إلى الناظر فيه أن الشاعر كان يتمثل صورة البحر الإيقاعية أثناء عملية النظم؛ لذلك كانت الكلمات تأتي متوافقة مع التفعيلات في مواقعها من بنية الوزن.
ونبّه البحث على أن الموازنة الإيقاعية تأتي عادة في سياق التوازي الدلالي، سواء أكان التوازي الدلالي متمثلاً في التقابل بين المعنيين أو في التضاد بينهما، وأشار إلى أن الأخير هو أكثر حظّاً من الثراء الفني؛ لأنه يحمل تضاداً دلالياً في صورة توازن إيقاعي.
وقد سعى البحث إلى الوقوف على تلك المصطلحات البلاغية ذوات القيم الإيقاعية عند دراسته للموازنات الصوتية، وتحصّل له من ذلك، التطريز، والسجع المتوازي، والتشريع، والترصيع والتجنيس الذي كان للشاعر احتفاء خاصٌّ به. والملاحظة الخاصة باستعمال الشاعر لهذه الظواهر البلاغية الحاملة لقيم صوتية، هي أنه لا يُسرف فيها، ولا يتطلّبها على نحو يشعر به القارئ أن السياق مسخّر لخدمة هذه الظواهر، بل تأتي عفوية منسجمة في مواطنها من النص، وقد كانت هذه الظواهر معززة للصور الشعرية، فضلاً عن وظيفتها الأساسية التي هي تعزيز الإيقاع.
وزبدة القول إن الجواهري استطاع أن يوفِّر لشعره القيمةَ الجمالية والقيمةَ التعبيرية، من خلال بنيته الإيقاعية، بتحقيقه المبدأين الأساسين اللذين يحقق الإيقاع عبرهما ذلك، وهذان المبدآن هما النظام والتناسب، أمّا النظام فقد تبيّنت تجلّياته في الفصل الأول الذي يُعنى برصد الإيقاع الشعري الثابت، وأما التناسب فظهر في المظاهر الإيقاعية المتحركة التي كوّنت مادّة الفصل الثاني.
*إيقاعية القافية في شعر الدكتور مقداد رحيم
يهدف البحث إلى التعرف على الركن الثاني من أركان الموسيقى الشعرية بعد الوزن ألا وهو القافية متخذين من شعر الشاعر الدكتور مقداد رحيم في نمطيه العمودي والحر فضاء تطبيقياً، إذ تناولنا قافية الشعر العمودي سواء أكانت موحدة وهو الغالب أم متنوعة وهي القلة القليلة، و تقفية شعر التفعيلة وما فيها من محاور تضفيها على القافية، والاختلاف او التنوع الذي يحدثه النمطان في قافية الشعر العربي، وهل أجاد الشاعر فيهما، وفي أي منهما تميز معززين تحليلنا بالجداول الإحصائية
المراجع :. بيداء محيي الدين ميرو، خديجة كامل كاظم
إيقاعية القافية في شعر الدكتور مقداد رحيم. (2024). مجلة كلية التربية الاساسية, 29(122), 516-483.
Jan 29, 2024
DOI: Rhythmic rhyme in the poetry of Dr. Miqdad Rahim | Journal of the College of Basic Education
دراسة شريف (2021م): ظاهرة الإيقاع الخارجي في قصائد شوقي الوطنية، التجديد، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا
المجلد/العدد: مج25, ع50
ص ص 219 – 265
• دراسة صالح (2021)إيقاع القافية في شعر كعب بن زهير
صلاح أحمد صالح
جامعة الموصل / كلية الآداب / قسم اللغة العربية مجلد 1 عدد 43 (2021)
الإيقاعية في شعر الجواهري رسالة ماجستير في اللـغة العربية وآدابها. تقدم بها الباحث مقداد محمد شكر قاسم إلى كلية التربية للعلوم الإنسانية / جامعة صلاح الدين ـ أربيل عام 2007م بإشراف/ الأستاذ الدكتور جليل حسن محمد.
هناك علاقة وطيدة بين الشعر العربي والقافية ، فلقد ارتبط الشعر العربي بالقافية ارتباطاً وثيقاً قلما نجده في غيره من الآداب الأخرى، وتعد فالقافية تعد مظهر اقتدار الشاعر ومدى تمكنه من فنه، وهي وإن كانت واحدة فهي أرفع من خط سائر البيت والقصيدة كما يقول ابن رشيق.
ومن هنا يقررون أن الإصابة والخطأ في القافية أظهر من سائر البيت ، وأن العناية بهذا الجزء يجب أن يكون أكثر من أي جزء آخر ( )
والقافية مرتبطة بالحالة النفسية والشعورية للشاعر ، شأنها في هذا شأن الوزن.
وهذا الارتباط النفسي عامل مهم ، من عوامل وحدة موسيقى الشعر بما تتضمنه من وزن وقافية. ولما كانت القافية ضابط الإيقاع في القصيدة ، وعنصرًا مهمًا من عناصر وحدتها الموسيقية ، فإن أي خلل يلحق بها ، يؤدي إلى زعزعة الوزن وانكساره.
وهذا يفسر لنا سر اهتمام القدماء بدراسة العيوب ، التي تلحق بالوزن والقافية وتعوقهما عن أداء وظيفتهما الفنية.
* الوزن والقافية:
وعلى أية حال ، فهذا كله يدلنا دلالة قاطعة على أن الوزن والقافية يمثلان عنصراً هاماً من عناصر الفن الشعري ، وقاعدة من قواعده الفنية الأصلية ، ولذا فإن تجاهل بعض الشعراء أو بعض النقاد المعاصرين ، لأهمية هذا العنصر الموسيقي ، يعد إخلالاً بقيمة الشعر باعتباره فنا من الفنون القولية المنغمة والخلط بينه وبين النثر ، بحيث يصعب علينا، أن نميز بين ما هو شعر وما هو نثر ( )
وهذا يكشف لنا عن المعزى الحقيقي وراء استهجان الذوق العربي الحديث والمحافظ بنوع خاص ، لهذا اللون من الشعر الجديد ، الذي يغفل هذا العنصر الموسيقي إغفالاً تاماً ، وينحو منحى فنياً شبيها بمنحنى النثر.
والذي ظهر نتيجة لهذه الدعوة الخاطئة للتحرر من هذا العنصر الموسيقي الذي بدا لبعض نقادنا المحدثين قيدا من القيود الفنية التي تقف عائقاً في سبيل لحاق الشعر بالنثر الحديث في رقيه وتطوره . ذلك لأن تطور الشعر ، لا ينبغي أن يكون على حساب فقده لأي عنصر من عناصره الفنية . وقد وضح لنا أن موسيقى الشعر ، هي أحد العناصر الفنية الهامة ، التي ينهض عليها هذا الفن القولي ، وبدونها يصبح فنا أعرج مبتور الساقين .
وقد فطن إلى هذه الحقيقة بعض ذوي الحس الفني الدقيق من دعاة التطور والتجديد الشعري في العصر الحديث ، حيث اقتصر تجديدهم لهذا العنصر الموسيقي ، على تعديله وتطويره ، وليس على التخلص منه.
وهذا التعديل يمس الوزن كما يمس القافية . ويتمثل هذا بوضوح في بعض أنماط من الشعر المرسل والشعر الحر التي بدأت تظهر في الأفق النقدي منذ أوائل القرن العشرين. فالشائع بين نقادنا المعاصرين ، أن أهم خصائص الشعر المرسل ، هي الإبقاء على الوزن مع التنويع في القوافي ، وأهم خصائص الشعر الحر ، هي عدم التزام الوزن التقليدي ، والاعتماد على وحدة التفعيلة ، بدلاً من وحدة البيت، مع التزام القافية أحياناً.
وقد مزج بعض ذوي الأصالة الفنية من شعراء مدرسة الشعر الحر المعاصرة في أشعارهم بين هذين النوعين ، وأصبح هذا المزج سمة غالبة على أشعارهم.
* القافية مظهر من مظاهر الإيقاع:-
فالقافية لها دور كبير في موسيقية الشعر الجديد ، فجاءت فيه مشحونة بالتعبير منبثقة من الحس الفني ومنسجمة مع حالات الشعراء النفسية والشعورية . وقد أولاها النقاد قديما وحديثاً عناية خاصة فهي شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر الذي لا يسمى شعراً حتى يكون له وزن وقافية ، والوزن أعظم أركان حد الشعر وأولاها به خصوصية وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة ، وهذه النظرة القديمة للقافية لا تختلف عنها نظرة المعاصرين الذين يعدون القافية عنصراً أساسياً ومهما في بناء القصيدة وتوجيهها ، ويركزون على أهميتها الموسيقية ( )
فالوزن والقافية ركنان أساسيان من أركان القصيدة لا يمكن أن يقوم بناؤها إلا عليهما ويذهب محمد زغلول سلام إلى أنهما معا- الوزن والقافية – مفتاح القصيدة بما يشيعان في موسيقاها من وحدة وارتباط وإذ هما كذلك فإنهما وثيقا الصلة بالمعاني التي تدور في قلب الشاعر وتنبعث من أعماق تجربته إلى محض البيان ويرى عز الدين إسماعيل أن حركة الشعر الجديدة خرجت بتصور جيد للقافية يخلصها من كل عوامل الإملال والرتابة ، ويجعل منها عنصراً موسيقياً فعالاً ، غير أن نقاداً آخرين يرون أن الشعر الجديد أحدث تغييرا في وظيفة القافية الجمالية ، وعدل مفهوماتها لتكون مناسبة لخصائصه ، وتكاد تجمع آراء هؤلاء النقاد على أن القافية أنسب نهاية للشطر الشعري حيث تتيح للقارئ الوقوف والحركة ، وتدخل التلوين ، والتوزيع على موسيقى القصيدة ؛ لأنها متنوعة غير موحدة . ومن القيم النقدية البارزة في فهم دور القافية في الشعر الجديد إدراك العلاقة بين صورة القافية – كتشكيل موسيقي – وبين الحالة النفسية والشعورية ، ومن ثم في اختيار الكلمة الأخيرة المناسبة لذلك الانفعال بحيث تتنوع النغمات وفقا لتنوع المشاعر ، ودون أن تفقد القصيدة وحدتها الصوتية المتماسكة، وترابطها الواضح( )
ولم يتخل الشعر الجديد عن القافية، فالوزن والقافية هما الأساسان الفنيان في الشعر العربي قديمه وجديدة ، وهما السمتان المميزتان للشعر مهما اختلفت العصور وإذا كانت دعاوى المحافظين قد تمثلت في أن القافية وسيلة لإبراز الإيقاع، وقفل الوزن وختامه، وتحدد انتهاء البيت كوحدة موسيقية ومعنوية ، فهي فاصل زمني وموسيقي ومحطة استراحة للشاعر والسامع . على أن النظرة النقدية الثاقبة تكشف عن أن الشعر الجديد طور في القافية وأدخل عليها التعديل المناسب للدفقات الشعورية للشعراء كما فعل بالنسبة للوزن ، حيث ألغى الدور الموسيقي الرتيب لحرف الروي محافظاً على القافية ، وحفاظه عليها ارتبط بحالة الشاعر النفسية ، تلك الحالة التي تفرض عليه دفقة شعورية ونغمة موسيقية ، داخل السطر الشعري الواحد ، تنتهي بنهاية مريحة نفسياً تصلح تماماً ؛ لأن تكون خاتمة لتلك الدفقة ، ومتوازنة إيقاعياً مع الحركة الموسيقية داخل السطر الشعر ذاته دون الاعتماد على الحركة الرتيبة في حرف الروي ، بأن تجعل حرف الروي صوتا منفعلاً ، قد يختلف من سطر إلى آخر ، وقد يتفق وفقا لما يحتاجه الإطار الموسيقي العام للسطر أو الأسطر ، وبذلك صارت القافية هي أنسب كلمة أو صوت إلى السطر التالي فالقافية الجديدة إذن كلمة تتيح للقارئ الوقوف والحركة في آن واحد ، وبإحساس نقدي سليم يتابع عز الدين إسماعيل حديثه عن القافية مبرزاً الأسس الجمالية المرتبطة بموسيقى السطر الشعري ، وهي جماليات منبعها إحساس الشاعر الجديد بتجربته وبالشكل الذي يمكنه أن يفرغ فيه هذه التجربة دون تقييد بشكل البيت الشعري القديم. ويحمد له أن يجعل القافية الجديدة سمة من سمات الشعر الجديد " فهي قائمة في الشعر الجديد وإن أخذت شكلاً آخر هو في الحقيقة أصعب مراساً من القافية القديمة، وانتهى إلى أن الشعراء الجدد لم يتعمدوا إنهاء قصائدهم بلون واحد من الجرس الموسيقي.
- القافية- وأن هذا الجرس تنوع وفق تنوع أحاسيسهم وما ترتاح له. ولعل هذا أحد أسرار الجمال في الشعر الجديد ( )
والواقع أن النمط من الشعر الجديد الذي يمزج بين بعض خصائص الشعر المرسل ، وبعض خصائص الشعر الحر ، يعد امتداداً لأنماط شعرية أخرى ، سبقته إلى الوجود ، ولكنها لم تأخذ حظها من النضج الفني.
ومع أن موسيقى هذا النوع من الشعر الحر ، لا تختلف عن موسيقى شعرنا العربي التقليدي إلا في التنويع النغمي للإيقاع ، فإن تأثيرها في نفوس ( السامعين ، لا يصل إلى مدى ما يصل إليه تأثير موسيقى شعرنا التقليدي ، ذات الصوت القوي والإيقاع المنتظم. ( ) .
*وهناك العديد من الدراسات حول القافية والإيقاع منها :
دراسة شريف (2021م): ظاهرة الإيقاع الخارجي في قصائد شوقي الوطنية
يعتبر الإيقاع من أهم القضايا التي يقف عليها النقاد في تحليل الأشعار، ولهذا تهدف الدراسة إلى الكشف عن الإيقاع الموسيقي الخارجي في قصائد أحمد شوقي الوطنية التي كانت تحمل في ثناياها هموم الوطن وآماله وآلامه. حيث اعتمد الباحث هنا على المنهج الوصفي التحليلي؛ للوقوف على الظواهر الفنية والسمات الجمالية المتعلقة بالأوزان الشعرية والقوافي أيضا. وتوصلت الدراسة إلى أن شوقي حافظ على نهج "مدرسة الإحياء"؛ وقد استخدم البحور الخليلية في هذا النوع من الأشعار، مع كثرة الاعتماد على بحر الكامل في نظمها، بالإضافة إلى أنه كثيرا ما اختار روي القافية من الحروف التي كثر مجيئها رويا في الشعر العربي، كما أنه استغل فن التوشيح في بعض قصائده الوطنية بهدف التنويع في حرف الروي، معتمدا على الإيقاعية الكثيفة المتوسطة في القافية، والتي جرت غالبا على الصورة المشترطة، حيث لم نعثر إلا على بعض العيوب البسيطة، وقد ظهر على الشاعر نبوغه من خلال التزامه ببعض ما لا يلزمه في القافية، كما أنه أبدع في تصريع الطالع في أغلب أشعاره الوطنية.
• دراسة صالح (2021)إيقاع القافية في شعر كعب بن زهير
القافية ركن مهم من أركان القصيدة العربية، تمثل العلاقة بين الأبيات الشعرية، وهي النسق الصوتي الذي يتكرر في نهايات الأبيات، ويمثل وجودها سمة مهمة للإيقاع والنغم في القصيدة، والقافية شبيهة بالفاصلة الموسيقية التي تؤثر بالسامع، وتزيد من إحساسه بجمالية الإيقاع الشعري؛ وذلك بتكررها وترددها في الأبيات. وإيقاع القافية عند الشاعر كعب بن زهير يتمثل باتباعه القوافي السهلة غير المعقدة، إذ سار على نهج الشعراء السابقين في استعمالهم حروف الروي وأكثرها وروداً في الشعر القديم، وكان تركيز البحث في إيقاع القافية على حروف الروي وحركاتها في تشكيل الإيقاع الصوتي الذي يتناسب مع قريحة الشاعر، وانفعاله الذاتي إزاء موضوعه، فجاءت قوافيه مناسبة لشعوره لحظة إنشاده قصائده.
دراسة شكر(2007): الإيقاعية في شعر الجواهري رسالة ماجستير في اللـغة العربية وآدابها. تقدم بها
وقد حاولت هذه الدراسة أن تُجيل النظرَ بتأنٍّ وشمول في جوانب البنية الإيقاعية لشعر الجواهري، واستقام لها ذلك من خلال تمهيد وفصلين وملحق.
أمّا التمهيد فوقف عند مفهوم الإيقاع مُحاولاً استخلاصَه من طروحات النقاد المعنيين به، ثم عطف على ذكر أهميته في البناء الشعري، رابطاً ذلك بموقف الجواهري النظري منه الذي ألمع إليه في نصوصه.
وتوفّر الفصل الأول على دراسة الإيقاع الشعري الثابت، فبدأ بتمحيص المصطلحات المستخدمة في وصف أنماط الإيقاع ليختار منها أنسبها، ثم ثنّى بوصف البحور، وثلّث ببنية البيت الشعري ليقرأ في ضوئها إيقاعي التضمين والتدوير، مُنتقلاً بعد ذلك إلى إيقاع الزحافات والعلل، والضرورة الشعرية، ليأتي بعدها دور الوقفة عند إبدال الشاعر للبنية التقليدية في محور الخروج على العروض التقليدي، وكان المحور الأخير من حظِّ إيقاع القافية الذي لا يكتمل البحث في الإيقاع الثابت إلاّ بالنظر فيه.
وأُفرد الفصل الثاني لدراسة الإيقاع المتحرك، وذلك من خلال مبحثين، كان الأول منهما مخصصاً لمتابعة إيقاع التكرار عبر ثلاثة تأسيسات هي تكرار الحروف وتكرار الكلمات وتكرار العبارات، في حين اختار المبحث الثاني إيقاع الموازنات الصوتية عنواناً له، مُبتغياً بذلك اختزال كثير من المصطلحات البلاغية ذوات القيم الإيقاعية التي أفرزتها النزعة التبويبية في البلاغة العربية.
ومن أبرز نتائج هذه الدراسة :
وكثيراً ما تتصالح بنية الإيقاع الثابت مع بنية الإيقاع المتحرك، إذ يدغمان معاً في ظل ظاهرة من ظواهر الموازنة هي التقطيع، وهذا التقطيع يعمل على وضوح النغم الإيقاعي وتقويته، حتى ليخيّل إلى الناظر فيه أن الشاعر كان يتمثل صورة البحر الإيقاعية أثناء عملية النظم؛ لذلك كانت الكلمات تأتي متوافقة مع التفعيلات في مواقعها من بنية الوزن.
ونبّه البحث على أن الموازنة الإيقاعية تأتي عادة في سياق التوازي الدلالي، سواء أكان التوازي الدلالي متمثلاً في التقابل بين المعنيين أو في التضاد بينهما، وأشار إلى أن الأخير هو أكثر حظّاً من الثراء الفني؛ لأنه يحمل تضاداً دلالياً في صورة توازن إيقاعي.
وقد سعى البحث إلى الوقوف على تلك المصطلحات البلاغية ذوات القيم الإيقاعية عند دراسته للموازنات الصوتية، وتحصّل له من ذلك، التطريز، والسجع المتوازي، والتشريع، والترصيع والتجنيس الذي كان للشاعر احتفاء خاصٌّ به. والملاحظة الخاصة باستعمال الشاعر لهذه الظواهر البلاغية الحاملة لقيم صوتية، هي أنه لا يُسرف فيها، ولا يتطلّبها على نحو يشعر به القارئ أن السياق مسخّر لخدمة هذه الظواهر، بل تأتي عفوية منسجمة في مواطنها من النص، وقد كانت هذه الظواهر معززة للصور الشعرية، فضلاً عن وظيفتها الأساسية التي هي تعزيز الإيقاع.
وزبدة القول إن الجواهري استطاع أن يوفِّر لشعره القيمةَ الجمالية والقيمةَ التعبيرية، من خلال بنيته الإيقاعية، بتحقيقه المبدأين الأساسين اللذين يحقق الإيقاع عبرهما ذلك، وهذان المبدآن هما النظام والتناسب، أمّا النظام فقد تبيّنت تجلّياته في الفصل الأول الذي يُعنى برصد الإيقاع الشعري الثابت، وأما التناسب فظهر في المظاهر الإيقاعية المتحركة التي كوّنت مادّة الفصل الثاني.
*إيقاعية القافية في شعر الدكتور مقداد رحيم
يهدف البحث إلى التعرف على الركن الثاني من أركان الموسيقى الشعرية بعد الوزن ألا وهو القافية متخذين من شعر الشاعر الدكتور مقداد رحيم في نمطيه العمودي والحر فضاء تطبيقياً، إذ تناولنا قافية الشعر العمودي سواء أكانت موحدة وهو الغالب أم متنوعة وهي القلة القليلة، و تقفية شعر التفعيلة وما فيها من محاور تضفيها على القافية، والاختلاف او التنوع الذي يحدثه النمطان في قافية الشعر العربي، وهل أجاد الشاعر فيهما، وفي أي منهما تميز معززين تحليلنا بالجداول الإحصائية
المراجع :. بيداء محيي الدين ميرو، خديجة كامل كاظم
إيقاعية القافية في شعر الدكتور مقداد رحيم. (2024). مجلة كلية التربية الاساسية, 29(122), 516-483.
Jan 29, 2024
DOI: Rhythmic rhyme in the poetry of Dr. Miqdad Rahim | Journal of the College of Basic Education
دراسة شريف (2021م): ظاهرة الإيقاع الخارجي في قصائد شوقي الوطنية، التجديد، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا
المجلد/العدد: مج25, ع50
ص ص 219 – 265
• دراسة صالح (2021)إيقاع القافية في شعر كعب بن زهير
صلاح أحمد صالح
جامعة الموصل / كلية الآداب / قسم اللغة العربية مجلد 1 عدد 43 (2021)
الإيقاعية في شعر الجواهري رسالة ماجستير في اللـغة العربية وآدابها. تقدم بها الباحث مقداد محمد شكر قاسم إلى كلية التربية للعلوم الإنسانية / جامعة صلاح الدين ـ أربيل عام 2007م بإشراف/ الأستاذ الدكتور جليل حسن محمد.