لكن أكثرَ الناس لا…

هذه العبارة، التي هي عنوان هذه المقالة، مُتضمَّنةٌ في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، وهي جزءٌ منها. في هذا الجزء من آيات القرآن الكريم، "لكنَّ" (بتشديد وفتح النون) تُعتَبر حرفُ استدراك. أما "اكثرَ الناس"، فتعني الأغلبية، أي أكثر من النَّصف بقليلٍ أو كثيرٍ. ثم، في نفس الجزء من العنوان، يأتي حرفُ "لا"، وهو حرف نفي. والنفي، في اللغة العربية، له أسبابُه.

من بين هذه الأسباب، أذكر، على سبيل المثال، الجهلُ، الجحود، التَّعنُّت، العناد… مثلا، الجهلُ، أي عدمُ العلمِ أو المعرفة بحقائق الأشياء أو الجهل بوجود الله وبوحدانيتِه. الجحود هو عدم الاعتراف بشيءٍ مع الإقرار بوجوده. أما التَّعنُّت أو العِناد، فهو التَّمسُّك بفكرةٍ من الأفكار رغم تناقضها مع الواقع ورغم مخالفتها للمنطق والعقل.

وما يُثيرُ الانتباهَ، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، استعمل َكلمة "الناس". وهذا الاستِعمالُ يعني أن الآيات التي وَرَدت فيها هذه العبارة، أي "…لكن أكثرَ الناس لا…:"، مُوجَّهةٌ للناس جميعآ بغض النظر عن عفيدتِهم الدينية وعن انتماءاتِهم الاجتماعية والثقافية.

أما الآياتُ التي ورَدَت فيها هذه العبارة، فجلُّها ينتهي ب : "...وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ". غير أن هناك آياتٍ أخرى تنتهي إما ب :"...وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ"، وإما ب: "...وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ".

غير أنه، سبحانه وتعالى، لا يُعطينا أسبابَ عدم العلم وعدم الشكر وعدم الإيمان. لكنه في أجزاء آياتٍ أخرى، يقول، سبحانه وتعالى، "لَّا يَعْقِلُونَ" و"أَفَلَا تَعْقِلُونَ". في هذه الآيات الكريمة الأخرى، يُخبِرنا، عزَّ وجلَّ، أن الناسَ لا يَستعملون عقولَهم التي ميَّزهم بها عن باقي مخلوقاته الحية لمعرفة ما أراد، سبحانه وتعالى، تبليغَه لنا.

أليست هذه الآيات وأجزاء الآيات دليلُ قاطعٌ على أن البشرَ يصيبون ويُخطئون. يُصيبون باستِعمال عقولهم en utilisant leur raison. ويخطئون بعدم استِعمال عقولهم، أي اتِّباع أهوائهم leurs caprices وغريزتِهم leur instinct. في هذه الحالة، أي عندما يُهمِل الإنسانُ استِعمالَ العقل، لا يوجد فرقٌ بينه وبين الحيوان.

لكن اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما يقول "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، على شكل تساءلٍ أو استفهام، فإنه، عزَّ وجلَّ، يوجه اللومَ للناس، عندما يُخطئون، أي بسبب عدم استعمال عقولهم لإدراك ما أراد أن يُبلِّغَه لنا من حكمةٍ وموعِظة. السؤال الذي على كل بشرٍ أن يطرحَه، هنا، على نفسِه، هو الآتي : "لماذا، سبحانه وتعالى، وجَّه ويُوجِّه اللومَ للناس حينما يخطِئون؟".

أولا، لأنه، سبحانه وتعالى، لم يخلق الإنسانَ ليُهينَه أو يُعذِّبه في الأرض. بل خلقَه ليُسعده فوق هذه الأرض، قبل أن يُسعٍدَه في الآخِرة. ثانياً، من هنا، يبرز، بوضوحٍ، دورُ الأنبياء والرسل في توعية الناس وهدايتِهم لما أراده الله لهم من خير وخروجٍ من عالم الجهل ودخولٍ في عالم الوعي وإدراك ما يجري في الواقع la réalité. فما هو الواقع؟

هناك نظرتان فلسفيتان تُمَفهِمان الواقع deux visions philosophiques qui conceptualisent la réalité. إذا كنا نقصد بالواقع الدنيا قبل ظهور الإنسان العاقل Homo Sapiens على وجه الأرض، فهذا الواقع، كما نراه اليوم، مستقل عن إرادتنا وعن عقولنا وأفكارنا، وخالِقه هو الله، سبحانه وتعالى. وهذه هي النظرة الفلسفية الأولى، التي لها أتباعها إلى يومنا هذا.

أما بالنسبة للنظرة الفلسفية الثانية، فلا وجودَ للواقع غير الذي يبنيه الإنسان بعقله. في هذه الحالة، الواقع من صُنعِ عقل الإنسان. وهذا صحيح! لأن عقل الإنسان، هو الذي حوَّل الدنيا المادية من حالتٍها الخامة (الفِطرية) إلى حالةٍ أفاد واستفاد منها. وهي النظرة التي، من خلالِها، الإنسان العاقل يُصيب ويخطئ. بل الصواب المُمارس، في الحياة اليومية للناس، أو في واقعِهم، هو مصدرٌ للمزيد من المعرفة. بينما الخطأ كان ويكون وسيكون مصدراً للتَّعلُّم une source d'apprentissage. وهكذا، فحياةُ البشرِ داخل المجتمعات مبنيةٌ على تصادم الصواب والخطأ. فما هو الصواب؟ وما هو الخطأ؟

الصواب هو ما اتفق عليه أفراد المجتمع الواحد، من أعراف وتقاليد وقوانين… أما الخطأ، فهو ما يُخالِف ما اتَّفقَ عليه أفراد نفس المجتمع. ورغم ذلك ومع مرور الوقت، أي مع طول الزمان، يصبِح الصوابُ والخطأ، معا، ثقافةً جماعيةً أو ثقافة شعبيةً une culture collective أو une culture populaire متداولة وتنتقِل بين الأجيال. لماذا؟

لأن هذه الثقافة أصبحت مُرسَّخة في الذاكرة الجماعية للناس، علماً أن الصواب المُتَّفق عليه بنَّاءٌ، والخطأ، كما سبق الذكر، يفتح البابَ للتَّعلُّم. لكن البشرَ لا يرون العالمَ بنفس النظرة. ولهذا، مع تغيير الزمان والمكان، قد يصبِح الصوابُ خطأً والخطأ صوابا. لماذا؟

لأن نظرةَ الناس للعالم لا تستنِد على منهجيةٍ دقيقة ومُدقَّقة une méthodologie précise et minutieuse. أما إذا أردنا أن تكون نظرتُنا للعالم مبنيةً على أرضية صلبة، فلا مفرَّ لنا من البحث العلمي الذي يستمِدُّ وجودَه من منهجيةٍ دقيقة ومُدقَّقة. حينها، لا مكانَ للخطأ.

وفي هذا الصدد، يقول المولى، سبحانه وتعالى، في الآية الكريمة رقم 108 من سورة يونس : "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ".

في هذه الآية، الخطاب الإلهي موجَّهٌ لآخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، طالِباً منه أن يبلِّغَ رسالة الإسلام للبشرية جمعاء. ونفس الآية تبيِّن بأن الناسَ يصيبون (فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) ويُخطئون (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا). وكلمة "الْحَقُّ"، في هذه الآية، تشمل كلَّ ما أراده الله من خيرٍ لجميع الناس، في حياتِهم اليومية أو في واقعهم اليومي. والدليل على ذلك، آيتان كريمتان تشهدان على أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ للبشرية جمعاء، الأولى، رقم 70 من سورة الإسراء : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا". والتكريم، في هذه الآية، هو التشريف والتَّعظيم، أي، بعبارةٍ أوضح، وَضَعَ، سبحانه وتعالى، البشرَ في مقامٍ مشرف وعظيم. والآية الثانية، فهي الآية رقم 20 من سورة لقمان : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ". في هذه الآية، التسخير هو وضعُ الأشياء الموجودة في السموات والأرض في متناول البشر، وبدون مقابل. فإذا التقى عقلُ البشرِ بالعطاء الإلهي، فهذا العقل يصنع المعجزات.

ومع ذلك، يبقى الإنسانُ فاعلَ خيرٍ تارةً، وفاعلَ شرٍّ تارة أخرى، كما خلقه اللهُ، سبحانه وتعالى، الذي يقول في هذا الشأن، في الآيتين رقم 7 و 8 : "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"(8). الفجور (أفعال الشر) والتقوى (أفعال الخير). بمعنى أن الإنسانَ، عندما يكون منهَمِكاً في أداء مهامه، في الحياة اليومية، قد يصيب وقد يخطئ. بمعنى أن حياةَ البشر عبارة عن صراع بين الخير والشر، إن على مستوى الأفراد أو الجماعات وحتى على مستوى الدول.

على مستوى الأفراد، الخير يكون لما يتطوَّع قردٌ ما لمساعدة الناس. والشر يكون لما يطغى القوي على الضعيف، أو الغني على الفقير. على مستوى الجماعات، طُغيان الكهنوت الديني للسيطرة على عقول الناس ومنعها من التفكير. على مستوى الدول، إلغاء الشعوب من طرف أنظِمة الحكم الاستبدادية.

أما ما وَرَدَ في القرآن الكريم، فهو اختيار الفرد لعقيدته ولأموره الدنيوية، أي هل سيتَّبِع طريق الخير أم طريقَ الشر. بقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 3 من سورة الإنسان : "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...