د. حسين عبدالبصير - مسجد الطنبغا المارداني… تحفة مملوكية تروي مجد القاهرة وروحها الخالدة

في قلب القاهرة التاريخية، وبين أزقة الدرب الأحمر العتيقة، يقف مسجد الطنبغا المارداني شاهدًا على زمن كانت فيه العمارة لغةً للقوة والجمال والخلود. ليس المسجد مجرد مبنى ديني شُيّد في العصر المملوكي، بل هو قصيدة حجرية هائلة كتبتها القاهرة في ذروة مجدها الحضاري، حين كانت المدينة عاصمة العالم الإسلامي ومركزًا للفن والعلم والسياسة والثراء الروحي.
شُيّد المسجد في عام 740هـ/1340م تقريبًا على يد الأمير الطنبغا المارداني، أحد كبار أمراء السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ذلك السلطان الذي بلغت القاهرة في عصره ذروة ازدهارها العمراني والفني. ويكشف المسجد منذ اللحظة الأولى عن شخصية صاحبه؛ فهو بناء مهيب، مترف، ممتلئ بالطموح، وكأنه محاولة معمارية لتحدي الزمن وإجبار التاريخ على الاحتفاظ باسم الأمير إلى الأبد.
حين يسير الزائر اليوم في شارع باب الوزير بالدرب الأحمر، ويقترب من المسجد، يشعر أنه لا يقترب من أثر صامت، بل من كائن حيّ يحمل ذاكرة قرون كاملة. فالحجارة هنا ليست جامدة؛ إنها تنطق بتاريخ المماليك، بصراعاتهم، وطموحاتهم، وولعهم الشديد بالفخامة والجمال. كانت القاهرة المملوكية مدينة تُنافس نفسها في الإبداع، وكل أمير أراد أن يخلّد اسمه بمسجد أو مدرسة أو سبيل أو قبة، لكن مسجد الطنبغا المارداني جاء مختلفًا، لأنه جمع بين الرهافة الفنية والجرأة المعمارية في آن واحد.
يقع المسجد في منطقة كانت تُستخدم قديمًا كمدافن، قبل أن يشتري الأمير الأرض ويبدأ مشروعه الضخم. وتذكر المصادر التاريخية، وعلى رأسها كتابات تقي الدين المقريزي، أن السلطان الناصر محمد نفسه قد دعم المشروع، ووفّر له مواد البناء والرخام والأخشاب، في دلالة واضحة على المكانة الاستثنائية التي كان يحظى بها المارداني في البلاط السلطاني. لقد كان الأمير صهر السلطان وأحد رجاله المقربين، وقد أراد أن يبني مسجدًا لا يقل فخامة عن منشآت السلطان نفسه.
ويبدو هذا الطموح واضحًا في كل تفاصيل المسجد. فعلى الرغم من أن مساحة المسجد ليست ضخمة مقارنة ببعض جوامع القاهرة الكبرى، فإن ثراءه الفني يجعله من أروع نماذج العمارة المملوكية في مصر كلها. بُني المسجد وفق تخطيط الجوامع ذات الصحن المكشوف المحاط بأربعة أروقة، وهو طراز ازدهر في العمارة الإسلامية، لكنه هنا اكتسب خصوصية لافتة بسبب مهارة التنفيذ وغنى الزخارف.
يتوسط المسجد صحن مكشوف تتلألأ في وسطه نافورة مثمنة الشكل، تمنح المكان روحًا من السكينة والجمال. وتحيط بالصحن الأروقة الأربعة، بينما يتصدر رواق القبلة المشهد بعمقه واتساعه وفخامته. وهناك يشعر الزائر أن العمارة لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت تجربة روحية كاملة؛ الضوء يتسلل عبر النوافذ الملونة، والرخام يعكس الألوان، والزخارف تتراقص فوق الجدران كأنها موسيقى بصرية صامتة.
ومن أبرز ما يميز المسجد مئذنته الشهيرة، التي تُعد من أهم المآذن المملوكية في القاهرة. فهي أول مئذنة معروفة ذات تكوين مثمن بالكامل تقريبًا، كما أنها من أوائل المآذن التي توّجت بقمة على هيئة بصلة أو كمثرى بدل الشكل التقليدي المعروف بالمبخرة. وتقف المئذنة شامخة بجوار المدخل الرئيسي، كأنها إصبع حجري يشير إلى السماء، مزينة بالمقرنصات الدقيقة التي تكشف عن عبقرية الصناع المماليك وقدرتهم المذهلة على تحويل الحجر إلى زخرفة نابضة بالحياة.
أما داخل المسجد، فيمثل عالمًا آخر من الفن الإسلامي الراقي. فقد استُخدمت أعمدة جرانيتية جُلِبت من مبانٍ أقدم، بعضها يعود إلى العصر الفاطمي وربما إلى آثار مصرية قديمة، في ظاهرة معمارية شائعة في القاهرة الإسلامية، حيث كانت الأحجار والأعمدة تنتقل من عصر إلى عصر، حاملة معها ذاكرة الحضارات المتعاقبة. وتعلو منطقة المحراب قبة خشبية مذهبة، تُعد من أجمل القباب المملوكية، بما تحمله من زخارف هندسية ونوافذ ملوّنة تخلق حالة روحانية آسرة.
ويُعد المحراب نفسه تحفة فنية قائمة بذاتها؛ فهو مصنوع من الرخام متعدد الألوان، ومزين بفسيفساء دقيقة وزخارف نباتية وهندسية، بينما تتناثر حوله لمسات الزجاج الأزرق التي تضفي على المكان إحساسًا بالقداسة والترف معًا. وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بالمسجد عبر القرون، فإن بقايا الزخارف لا تزال تكشف عن مستوى مذهل من الإبداع الفني الذي عرفته القاهرة المملوكية.
ويحمل المسجد قيمة تاريخية كبيرة تتجاوز جماله المعماري. فهو يعكس طبيعة المجتمع المملوكي، حيث كان التنافس بين الأمراء يظهر بوضوح في العمارة. كان كل أمير يسعى إلى إثبات نفوذه وثروته عبر بناء منشآت أكثر فخامة وتأثيرًا. ولهذا يمكن قراءة مسجد الطنبغا المارداني بوصفه وثيقة سياسية واجتماعية بقدر ما هو أثر ديني وفني.
كما يرتبط المسجد بسيرة صاحبه المثيرة. فقد صعد الأمير الطنبغا المارداني بسرعة مذهلة في سلم السلطة، وارتبط اسمه بدهاليز السياسة المملوكية المعقدة، حيث التحالفات والمؤامرات والانقلابات. لكنه، مثل كثير من رجال عصره، انتهى نهاية مأساوية في المنفى بحلب بعد تقلّب الأحوال السياسية. وهكذا بقي المسجد وحده شاهدًا خالدًا على مجده القصير وحلمه الكبير.
وعبر القرون، تعرض المسجد للإهمال والتلف نتيجة الرطوبة وارتفاع المياه الجوفية والتلوث الحضري الذي أصاب القاهرة التاريخية. كما تعرضت بعض عناصره للسرقة، خاصة الأجزاء الخشبية الدقيقة في المنبر. ومع ذلك، ظل المسجد محتفظًا بجلاله وهيبته، إلى أن بدأت جهود ترميم حديثة بالتعاون بين الحكومة المصرية ومؤسسات دولية للحفاظ على هذا الكنز المعماري الفريد.
إن مسجد الطنبغا المارداني ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو رسالة حضارية متجددة تؤكد أن القاهرة كانت، وما تزال، مدينة قادرة على إنتاج الجمال. إنه شاهد على عبقرية المعماري المصري المسلم، وعلى قدرة الفن الإسلامي على الجمع بين الروحانية والفخامة، بين الوظيفة والجمال، بين الإيمان والإبداع.
وحين يقف الإنسان داخل هذا المسجد العريق، يشعر أن الزمن يتوقف للحظة. يسمع همسات التاريخ في الأحجار، ويرى انعكاس الضوء على الرخام كأنه صدى لقرون بعيدة لم تمت بعد. هناك، في الدرب الأحمر، لا يبدو المسجد مجرد مبنى أثري، بل قلبًا نابضًا لذاكرة القاهرة، وروحًا خالدة تحرس جمال المدينة القديمة في مواجهة النسيان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...