سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ… إلى آخر الآية

عنوان هذه المقالة هو الآية رقم 53 من سورة فصلت. وهي موجَّهة، أصلاً، للمشركين والجاحدين الذين كانوا موجودين في عهد الرسالة التي كلف الله، سبحانه وتعالى، آخِرَ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، لتبليغِها للناس. غير أن هذه الآية، رغم أنها مخصَّصة للمشركين المعاصرين للرسول محمد (ص)، يمكن نقلُها إلى عصرنا الحاضر. فمَن هم المشركون؟ ومَن هم الجاحدون؟

المشركون هم الناس الذين يجعلون لله شريكا في العبادة، أي يعبدون هذا الشريك وحده. أما الجاحدون، فهم الناس الذين يعرفون، حقَّ المعرفة، أن اللهَ موجودٌ، لكنهم لا يعترفون به وبوجوده. والمشركون موجودون، كذلك، في عصرنا الحاضر. فمنهم مَن يعبد البقر ومنهم مًن يعبد الشجر ومنهم مَن يعبد الحجر ومنهم من يعبد الطبيعة والشمس والقمر…

والآية كاملة، هذا هو نصُّها : "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".

هذه الآية الكريمة نزلت على آخرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) لما أنكر المشركون القُرَشِيون رسالتَه وكذَّبوها، أي استَنكروها ولم يعترفوا بها ولا بالوحي الذي نزل على الرسول (ص)، والذي هو القرآن الكريم. لكن، كما قلتُ في إحدى مقالاتي، أن وراء كل آيةٍ من القرآن الكريم، يختبئ سؤالٌ أو تختبئ اسئلة، على مُتدبِّر القرآن أن يطرحَه/ها على نفسه. بمعنى أن مشركي قارات العالم، إما لم تصلهم الدعوة الإسلامية وإما لم يكونوا على علمٍ بها. وهذا غير صحيح ويُكذِّبه التقدُّم العلمي والتِّكنولوجي الحاصِل في مختلف مجالات المواصلات والتواصل بين القارات والشعوب.

وراءَ هذه الآية، يختبئ سؤالٌ من الأهمِّية بمكان. والسؤال هو : "هل هذه الآية تنطبِق على المشركين المعاصرين؟"

جواباً على هذا السؤال، الله، سبحانه وتعالى، يُعامل مشركي الماضي ومشركي العصر الحاضر، على قدم المساواة، لأنه عادل. ولهذا، أقول نعم، عالمنا المعاصر فيه مشركون، وتنطبِق عليهم هذه الآية الكريمة. والآن، دعونا نُحلِّل هذه الآية بكيفيةٍ عقلانية ومُتعقِّلة. لا أقول نفسِّر هذه الآية. لأن تفسيرَ آيات القرآن له قواعده وخصوصياتُه. ولهذا، أنا أحلِّلُ آيات القرآن ولا أفسِّرها. بالنسبة لي، التحليل ليس هو التفسير. وعادةً ومنطِقيا، التفسير يأتي بعد التحليل. هذا الأخيرُ، بالنسبة لهذه الآية، هو تفكيك عناصِرها، فكرياٍ، للخروج بفكرة واضحة عنها.

والتحليل، هنا، يبدأ بفعل "سَنُرِيهِمْ"، أي سَنُظهِرُ لهم فكرياً. والعنصر الثاني في الآية، هو "آيَاتِنَا"، أي علاماتِنا التي تُبيِّن لهم قدرتَنا على الإبداع والخلق. والعُنصر الثالث هو "فِي الْآفَاقِ"، أي في المستقبل، القريب أو البعيد. أما العنصر الرابع، فهو "وَفِي أَنفُسِهِمْ"، أي في ذاتهم البشرية. أما العنصُر الخامس، فهو "حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ…"، حتي يتيقَّنوا أن القرآن أو دينَ الإسلام، هو الحق، أي ما يُعتَمَد عليه في الحياة الدنيا. والعنصر الخامس، هو "أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"، أي أنه، سبحانه وتعالى، مُطَّلعٌ على كل ما يجري في الكون، بما في ذلك الأرض التي تحمل الإنسان، ككائنٍ حي عاقلِ.

وخلاصة القول، ما أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يُبلِّغَه لنا، نحن بشر العصر الحاضر، في هذه الآية، أي "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"، هو التقدم العلمي والتكنولوجي، الهائل، الذي أتاحه الله للبشرية منذ وفاة آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص). وهذا التقدُّم حصل في الحياة اليومية للناس، وفي أنفسِ البشر، أي في أجسامهم. فما هو هذا التقدُّم الذي حصل في أجسام البشر في عصرنا الحاضر؟

إنه التقدُّمٌ الطبي الهائلٌ والخارقٌ للعادة، معرفةً وتكنولوجياً. معرفةً، أي معرفة جسم الإنسان بدقة عالية، رغم التعقيد الذي يتميَّز به. وتكنولوجياً، أي الأجهزة الطبِّية التي اخترعها العقل البشري، نتيجةً لتقدُّمه في معرفة الجسم البشري.

وما يبيِّن أن التقدُّم الحاصل، في جميع مجالات الحياة المعاصِرة، هو فضل من الله، سبحانه وتعالى، ويدخل في كونه، عزَّ وجلَّ، يريد الخيرَ للناس، كيف ما كانت عقائدهم الدينية. يقول، سبحانه وتعالى، في هذا الصدد، في الآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". ويقول، كذلك، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 255 من سورة البقرة (آية الكرسي) : "...وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…".

ولهذا، فالتَّقدُّم العلمي والتكنولوجي الهائل والحاصل في مختلف مجالات الحياة اليومية للناس، في عصرنا الحاضر، هو فضلٌ من الله، سبحانه وتعالى، لينتفع به الناسُ وينفع بعضُهم البعضَ الآخر. وفضل الله على البشر، لا علاقةَ له بالدين أو التَّدين. والدليل على ذلك أن هذا التقدم يحصل في جميع مناطق العالم، مسلِمة وغير مسلِمة.

والدليل على ذلك، ما وَردَ في القرآن الكريم. وبما أن الله، سبحانه وتعالى، هو "رب العالمين" فإنه، عزَّ وجلَّ، يقول، في هذا الشأن، في الآيات التالية :

1."وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا" (هود، 6). الدابة هي كل كائن حي يمشي على بطنه أو على أربعة أرجُلٍ أو على رجلين، بما في ذلك الإنسان، مصداقا لما جاء في الآية رقم 45 من سورة النور : "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

2."كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا" (الإسراء، 20). المقصود ب"هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ"، المسلمون المؤمنون والكافرون.

3."قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" (الأغراف، 156). الله يُصيب بعذابه مَن يشاء لكنه رحمانٌ رحيم.

هذه الآيات الثلاثة تُبيِّن بأن عطاءَ الله للبشر غير محدود، بما في ذلك التَّقدُّم العلمي والتِّكنولوجي. وإذا التقى العطاءُ الإلهي العلمي la largesse divine scientifique بالعقل البشري، فإنهما يخلقان المعجزات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...