خالد صالح عطية - ما بعد احتكار الرواية غزة وأزمة المعنى في النظام الغربي

قبل أن تتصارع القوى على الأرض، تتصارع على المعنى .
فالتاريخ لا يُحكم بالقوة وحدها، بل باللغة التي تفسره. والحروب لا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في القدرة على تحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية، وما الذي يُعدّ عنفاً مشروعاً، وأيّ الآلام تستحق أن تُروى بوصفها جزءاً من الضمير الإنساني العام .
ولهذا فإن أكثر أشكال السلطة رسوخاً ليست تلك التي تفرض الوقائع بالقوة، بل تلك التي تنجح في تحويل تفسيرها للوقائع إلى ما يشبه الحقيقة البديهية. فعندما تصبح رواية معينة هي العدسة التي يرى العالم من خلالها نفسه، لا تعود بحاجة إلى الدفاع عن ذاتها باستمرار؛ إذ تتحول تدريجياً إلى الإطار الذي تُقاس من خلاله بقية الروايات .
لكن التاريخ يعرف لحظات نادرة تتعرض فيها هذه العدسات للتصدع .
ليست لأنها تفقد قوتها المادية بالضرورة، بل لأنها تفقد شيئاً من قدرتها على احتكار التفسير. ففي تلك اللحظات لا ينكشف حدث بعينه فقط، بل تنكشف اللغة التي اعتاد العالم أن يفهم بها ذلك الحدث. ولا يصبح السؤال: ماذا جرى؟ بقدر ما يصبح: لماذا فهمنا ما جرى بهذه الطريقة دون غيرها ؟
من هذا المنظور، تبدو غزة أكثر من مجرد حرب، وأكبر من مجرد مأساة إنسانية على فداحتها. فهي لا تضع السياسات والحسابات العسكرية موضع مساءلة فحسب، بل تضع تحت الاختبار البنية الأخلاقية التي حكمت تفسير العالم لنفسه طوال عقود .
فما يتعرض للاهتزاز اليوم قد لا يكون نظاماً سياسياً بعينه، بل يقينٌ أعمق: يقين الجهة التي امتلكت، زمناً طويلاً، سلطة تعريف الضحية والعدالة والشرعية، ومن ثم سلطة تحديد المعنى نفسه .

1. حين لا تكون السلطة سلطة قوة فقط

لم تكشف حرب غزة هشاشة النظام الدولي فحسب، بل أعادت طرح سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السلطة في العالم المعاصر: من يملك حق تعريف الواقع أخلاقياً؟ ومن يحدد من هو الضحية، وما هو العنف المشروع، وأي المآسي تستحق أن تُقدَّم بوصفها مآسي إنسانية كونية؟

اعتادت التحليلات السياسية النظر إلى الهيمنة الغربية بوصفها نتاجاً للتفوق العسكري أو الاقتصادي أو التكنولوجي. غير أن جانباً آخر من هذه الهيمنة ظل أقل ظهوراً، وهو القدرة على إنتاج المعنى نفسه. فالقوة لا تعمل فقط عبر الجيوش والأسواق، بل أيضاً عبر اللغة والسرديات والمؤسسات التي تحدد كيف يُفهم العالم وكيف تُوزَّع الشرعية الأخلاقية داخله.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكل نظام دولي جديد رفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي ومقاومة العنصرية. وقد أسهم هذا النظام في بناء منظومة معيارية مهمة في التاريخ الحديث، لكنه في الوقت نفسه لم يكن محايداً بالكامل في توزيع الاعتراف الأخلاقي. فبعض المآسي احتلت مركز الوعي العالمي، بينما ظلت مآسٍ أخرى هامشية أو جرى تأطيرها ضمن لغة سياسية وأمنية حدّت من قدرتها على الظهور بوصفها قضايا أخلاقية عالمية.

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بمن يمتلك القوة، بل بمن يمتلك القدرة على تحديد اللغة التي تُفهم من خلالها القوة نفسها. فالهيمنة لا تكتفي بإدارة العالم، بل تسهم في تعريف ما الذي يُعتبر ظلماً، وما الذي يُعتبر دفاعاً مشروعاً، ومن يستحق التعاطف، ومن يُقدَّم بوصفه تهديداً ينبغي احتواؤه أو السيطرة عليه.

هذه القدرة ليست نتيجة مؤامرة أو تخطيط مركزي بقدر ما هي نتاج تراكم طويل من المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية والأكاديمية التي تشكلت داخل مركز النظام الدولي الحديث. ومع مرور الوقت، تحولت بعض التصورات الأخلاقية إلى ما يشبه البديهيات التي يصعب مساءلتها، ليس لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها أصبحت جزءاً من الطريقة التي يرى العالم نفسه من خلالها.

ولهذا فإن الأزمات الكبرى لا تكشف فقط تناقضات السياسة، بل تكشف أيضاً حدود اللغة التي اعتادت السياسة أن تفسر بها نفسها. وحين يحدث ذلك، لا يكون السؤال المطروح متعلقاً بالوقائع وحدها، بل بالإطار الذي يمنح هذه الوقائع معناها.

ومن هنا تكتسب القضية الفلسطينية مكانتها الخاصة. فالسؤال لا يتعلق فقط بما جرى للفلسطينيين تاريخياً، بل بالطريقة التي جرى بها تمثيل ذلك الحدث داخل الوعي الدولي. إذ لا يمكن فهم المكانة الخاصة التي احتلتها إسرائيل داخل المخيال السياسي الغربي بوصفها مجرد نتيجة لتحالفات استراتيجية أو حسابات أمنية. فالعلاقة أعمق من ذلك؛ لأنها ارتبطت أيضاً بالبنية الرمزية والأخلاقية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد نشأت إسرائيل في لحظة تاريخية كانت أوروبا تحاول فيها إعادة تعريف نفسها بعد الكارثة التي مثلها الهولوكوست والحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، أصبحت الدولة الجديدة جزءاً من سردية أوسع تتعلق بالخلاص التاريخي، وتعويض المظالم، وبناء عالم يفترض أنه تعلم دروس القرن العشرين. غير أن هذه السردية حملت منذ البداية توتراً عميقاً ظل يرافقها حتى اليوم: كيف يمكن لمشروع وُلد بوصفه استجابة لمأساة تاريخية أن يرتبط في الوقت نفسه بمأساة شعب آخر؟

هنا تحديداً يبدأ السؤال الفلسطيني.

فالمشكلة لم تكن فقط في وقوع النكبة، بل في الطريقة التي جرى بها استيعابها داخل النظام الدولي الناشئ. إذ بينما أصبحت بعض التجارب التاريخية جزءاً من الذاكرة الأخلاقية العالمية، بقيت النكبة، لعقود طويلة، على هامش هذا الاعتراف. لم تكن غائبة بالكامل، لكنها لم تُدمج في البنية الرمزية العالمية بالدرجة نفسها التي أُدمجت بها مآسٍ أخرى.

وهذا ما يجعل النقاش حول فلسطين مختلفاً عن كثير من النزاعات الأخرى. فهو ليس خلافاً على الأرض أو السيادة فحسب، بل خلاف على شروط الرؤية ذاتها؛ على اللغة التي يُعرَّف من خلالها الظلم، وعلى الإطار الذي يمنح الضحية صفة الضحية.

ولذلك، فإن فهم ما تكشفه غزة اليوم يقتضي العودة أولاً إلى تلك اللحظة التأسيسية التي تشكل فيها النظام الأخلاقي لما بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى الكيفية التي دخلت بها النكبة إلى التاريخ، لا بوصفها حدثاً وقع فحسب، بل بوصفها حدثاً ظل موضع نزاع حول معناه نفسه.

2. النكبة بوصفها أزمة في تعريف الضحية

إذا كانت مساهمة المؤرخ الإسرائيلي إيالن بابيه قد اكتسبت أهمية خاصة في النقاش حول فلسطين، فذلك لأنها لم تقتصر على إعادة فحص أحداث عام 1948، بل سعت إلى مساءلة الإطار المعرفي الذي جرى من خلاله فهم تلك الأحداث. فالسؤال الذي يطرحه بابيه لا يتعلق فقط بما حدث، بل بكيفية تحوله إلى رواية مقبولة داخل النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

وفقاً لهذه القراءة، لم تكن النكبة مجرد نتيجة غير مقصودة لصراع عسكري، بل عملية اقتلاع واسعة ارتبطت بمشروع سياسي سعى إلى إعادة تشكيل المجال الديمغرافي والجغرافي في فلسطين. وقد ناقش عدد من المؤرخين، من اتجاهات مختلفة، طبيعة السياسات التي رافقت تأسيس إسرائيل، وحجم التهجير الذي تعرض له الفلسطينيون، والدور الذي لعبته العمليات العسكرية في ذلك. لكن أهمية النقاش لا تكمن فقط في الوقائع التاريخية نفسها، بل في الطريقة التي جرى تمثيلها أخلاقياً وسياسياً.

ففي الوقت الذي أصبحت فيه مفاهيم مثل التطهير العرقي والعنصرية والاضطهاد الجماعي جزءاً من اللغة الأخلاقية الجديدة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُدرج المأساة الفلسطينية بالدرجة نفسها داخل هذا الإطار الرمزي العالمي. لم يكن ذلك نتيجة مؤامرة مركزية أو قرار واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين موازين القوى، والذاكرة الأوروبية، والتحولات الجيوسياسية التي أعقبت الحرب.

لقد خرجت أوروبا من الحرب العالمية الثانية مثقلة بإرث الهولوكوست وما كشفه من إمكانات العنف الكامنة داخل الحداثة الغربية نفسها. وكان من الطبيعي أن تحتل هذه التجربة مكانة مركزية في الوعي الأخلاقي الأوروبي. غير أن هذا التركيز، على أهميته التاريخية والإنسانية، ساهم في الوقت نفسه في تشكيل بنية أخلاقية أصبح من الصعب داخلها رؤية المأساة الفلسطينية بالوضوح ذاته.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في النظام الدولي الحديث. فبينما جرى بناء منظومة عالمية واسعة لمواجهة أشكال الاضطهاد الجماعي، بقيت بعض التجارب التاريخية خارج مركز هذا الوعي. ولم يكن الفلسطيني غائباً بالكامل عن المشهد الدولي، لكنه غالباً ما ظهر بوصفه لاجئاً أو مشكلة إنسانية أو قضية أمنية، أكثر من ظهوره بوصفه شعباً تعرض لعملية اقتلاع ذات أبعاد استعمارية وسياسية عميقة.

ولعل هذا ما يفسر استمرار الجدل حول فلسطين حتى اليوم. فالنزاع لا يدور فقط حول الأرض أو الحدود أو السيادة، بل حول اللغة التي يُفهم من خلالها التاريخ نفسه. إذ تختلف النتائج باختلاف نقطة البداية: هل يُنظر إلى عام 1948 بوصفه لحظة تأسيس دولة، أم بوصفه أيضاً لحظة اقتلاع مجتمع كامل؟ وهل يمكن الجمع بين الروايتين في إطار تاريخي واحد، أم أن إحداهما تستبعد الأخرى بالضرورة؟

غير أن أهمية النكبة لا تكمن فقط في ما جرى عام 1948، بل في ما تلا ذلك من إعادة تشكيل للذاكرة والجغرافيا. فالمشروعات الاستيطانية لا تعتمد على السيطرة على الأرض وحدها، بل تسعى أيضاً إلى إعادة إنتاج معنى الأرض نفسها. ولهذا لم يكن تدمير القرى الفلسطينية مجرد أثر جانبي للحرب، بل جزءاً من عملية أوسع هدفت إلى إعادة تشكيل الفضاء الرمزي الذي يُفهم من خلاله المكان والتاريخ.

حين تتغير أسماء القرى والمدن، وتُعاد كتابة الخرائط، وتختفي الشواهد المادية لوجود سابق، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالماضي، بل بإعادة تنظيم الحاضر. فالمحو الرمزي لا يقل أهمية عن السيطرة المادية، لأنه يسعى إلى جعل واقع جديد يبدو طبيعياً ومكتمل الشرعية، بينما يتحول الوجود السابق إلى مجرد ذكرى بعيدة أو تفصيل تاريخي هامشي.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الذاكرة في التجربة الفلسطينية. فالتمسك بالرواية لا ينبع فقط من الرغبة في استعادة الماضي، بل من مقاومة عملية الإلغاء التي تستهدف شروط الوجود الرمزي نفسها. ولهذا ظلت الذاكرة الفلسطينية، على امتداد عقود، ساحة صراع لا تقل أهمية عن الأرض والسياسة.

لكن القضية لا تتعلق فقط بفلسطين. فالسؤال الذي تثيره النكبة يتجاوز الحالة الفلسطينية ليصل إلى طبيعة النظام الدولي ذاته. إذ تكشف هذه التجربة أن الاعتراف بالمأساة لا يتحدد دائماً بحجم المعاناة، بل أيضاً بالموقع الذي تحتله هذه المعاناة داخل خرائط القوة العالمية.

فالتاريخ لا يُكتب من خلال الوقائع وحدها، بل من خلال المؤسسات التي تمنح هذه الوقائع معناها. وبعض الأحداث لا تُهمَّش لأنها غير مهمة، بل لأنها لا تنسجم بسهولة مع الروايات الكبرى التي تحتاجها الأنظمة السياسية لفهم نفسها وتبرير شرعيتها.

لهذا يمكن النظر إلى النكبة بوصفها اختباراً مبكراً لحدود النظام الأخلاقي الذي نشأ بعد عام 1945. فهي تكشف أن المبادئ الكونية، مهما بلغت أهميتها، لا تعمل دائماً بمعزل عن التوازنات السياسية والتاريخية التي تحدد كيفية تطبيقها وتوزيعها.

وربما لهذا السبب ظل السؤال الفلسطيني حاضراً رغم مرور عقود طويلة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط باستعادة حقوق ضائعة أو تصحيح رواية تاريخية، بل بطرح سؤال أوسع حول من يملك حق تعريف الضحية، ومن يحدد اللغة التي تُروى بها المأساة، ومن يمتلك القدرة على تحويل تجربة بشرية معينة إلى قضية أخلاقية عالمية.

هذا السؤال ظل قائماً لعقود دون أن يهز البنية العامة للنظام الدولي بصورة جدية. لكن ما حدث في غزة خلال السنوات الأخيرة يشير إلى أن شيئاً ما بدأ يتغير. فالأزمة لم تعد تقتصر على مضمون الرواية، بل بدأت تمس قدرة الرواية نفسها على الاحتفاظ بموقعها المهيمن داخل الوعي العالمي.

وهنا تحديداً تبدأ أهمية اللحظة الراهنة. فغزة لا تعيد فتح النقاش حول فلسطين فحسب، بل تعيد فتح النقاش حول الآليات التي يُنتج بها العالم معاييره الأخلاقية، وحول ما إذا كانت الرواية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ما تزال قادرة على أداء الوظيفة نفسها التي أدتها طوال العقود الماضية.

3. من احتكار القوة إلى احتكار المعنى

اعتادت النظريات السياسية الكلاسيكية تفسير الهيمنة من خلال عناصر ملموسة نسبياً: القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والسيطرة على الموارد، والتفوق التكنولوجي. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير استقرار الأنظمة المهيمنة واستمرارها لفترات طويلة.

فالقوة لا تستطيع أن تعمل بكفاءة عبر الإكراه وحده. وحتى أكثر الإمبراطوريات عنفاً احتاجت دائماً إلى إنتاج سرديات تمنح وجودها معنى، وتبرر أفعالها، وتجعل النظام الذي تقوده يبدو طبيعياً أو ضرورياً أو أخلاقياً. ولهذا فإن الهيمنة المستقرة لا تقوم فقط على القدرة على فرض الواقع، بل على القدرة على تفسيره.

بهذا المعنى، يمكن القول إن أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي الحديث لم يكن احتكار العنف، بل احتكار تفسير العنف. أي امتلاك القدرة على تحديد متى يصبح العنف جريمة، ومتى يُقدَّم بوصفه ضرورة أمنية، ومتى يُنظر إليه كدفاع عن النفس، ومتى يُدان بوصفه انتهاكاً للقانون والأخلاق.

ولا يعني ذلك أن هذه التصنيفات كانت دائماً زائفة أو مصطنعة، بل يعني أن إنتاجها لم يكن منفصلاً عن علاقات القوة التي تحكم النظام الدولي نفسه. فالمفاهيم الأخلاقية لا تتحرك في فراغ، بل داخل فضاءات سياسية وثقافية تحدد شروط استخدامها وحدود تأثيرها.

ومن هنا تكتسب اللغة السياسية أهمية استثنائية. فاللغة لا تصف الواقع فقط، بل تسهم في تشكيله. وحين يُقدَّم فعل ما بوصفه “عملية أمنية”، فإن أثره في الوعي العام يختلف عن أثره لو قُدِّم بوصفه “عقاباً جماعياً”. وحين يتحول المدنيون إلى “أضرار جانبية”، فإن اللغة لا تخفف وقع الفعل فحسب، بل تعيد تنظيم إدراكه الأخلاقي.

لقد أدركت الأنظمة الحديثة هذه الحقيقة مبكراً. ولذلك لم تعد السيطرة تقتصر على إدارة الأرض والسكان، بل امتدت إلى إدارة المعنى نفسه. فالمؤسسات التعليمية، والإعلامية، والثقافية، والقانونية، لا تنتج المعرفة فقط، بل تنتج أيضاً الإطار الذي تصبح المعرفة داخله قابلة للفهم والتصديق.

وهنا تكمن إحدى السمات الأساسية للنظام الغربي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد امتلك هذا النظام، إضافة إلى تفوقه المادي، قدرة واسعة على إنتاج المعايير التي يُقاس العالم من خلالها. وكانت هذه القدرة أحد أهم مصادر شرعيته ونفوذه.

لكن نجاح هذه المنظومة لم يكن ناتجاً فقط عن قوتها الذاتية، بل أيضاً عن غياب بدائل قادرة على منافستها. فخلال عقود طويلة، بقيت المؤسسات الغربية الكبرى تحتل موقع المركز في إنتاج المعرفة والإعلام والثقافة والسياسة الدولية. ومن خلال هذا الموقع، استطاعت أن تحدد إلى حد كبير اللغة التي تُفهم عبرها القضايا العالمية الكبرى.

غير أن هذا الاحتكار بدأ يواجه تحديات متزايدة مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فالعولمة التي عززت النفوذ الغربي أسهمت، في الوقت نفسه، في إنتاج شروط تقويض بعض أدواته التقليدية. ومع انتشار الإنترنت والمنصات الرقمية، لم يعد تدفق المعلومات يخضع للآليات نفسها التي حكمته سابقاً.

صحيح أن موازين القوة لم تتغير جذرياً، لكن طبيعة المجال العام العالمي بدأت تتغير. وأصبح بإمكان فاعلين جدد، من خارج المؤسسات التقليدية، أن يشاركوا في إنتاج الروايات وتداولها ومنافستها. ومع الوقت، بدأت تتشكل فضاءات جديدة للمعنى خارج المراكز التي احتكرت هذه الوظيفة لعقود طويلة.

وقد تزامن ذلك مع تآكل تدريجي في الثقة التي كانت تتمتع بها بعض المؤسسات الغربية الكبرى. فالحروب التي رُوِّج لها باسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ثم كشفت نتائج مختلفة عن الوعود التي صاحبتها، تركت آثاراً عميقة في الوعي العالمي. ومن العراق إلى أفغانستان، ومن الأزمات المالية إلى تصاعد الشعبوية، تراكمت الشكوك حول قدرة الخطاب الغربي على تمثيل القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

لا يعني ذلك أن الغرب فقد مكانته أو نفوذه، كما لا يعني أن الروايات البديلة أصبحت أكثر صدقية بالضرورة. لكن ما حدث هو أن موقع الاحتكار بدأ يضعف. فالمشكلة لم تعد في وجود روايات أخرى، بل في أن هذه الروايات أصبحت قادرة على الوصول إلى جمهور واسع دون المرور بالكامل عبر البوابات التقليدية التي كانت تتحكم في تداول المعنى.

ولهذا فإن ما تكشفه غزة لا يمكن اختزاله في حجم المأساة الإنسانية وحده، على فداحتها. فالأهمية التاريخية للحظة الراهنة تكمن أيضاً في أنها وضعت النظام الذي طالما قدّم نفسه بوصفه مرجعاً أخلاقياً عالمياً أمام اختبار علني ومتواصل. ولم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بما يجري على الأرض، بل بالطريقة التي يُفسَّر بها ما يجري، وبمدى قدرة اللغة القديمة على احتواء التناقضات الجديدة.

ومن هنا يصبح الانتقال إلى غزة أمراً ضرورياً. فالحرب لم تكشف فقط أزمة سياسية أو إنسانية، بل كشفت أزمة في قدرة الرواية المهيمنة على تفسير نفسها بالفاعلية التي امتلكتها سابقاً. وما بدا لسنوات طويلة مستقراً ومحصناً بدأ يواجه أسئلة لم يعد من السهل تجاهلها أو احتواؤها بالوسائل التقليدية.

لهذا فإن غزة ليست مجرد فصل جديد في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل لحظة تتيح رؤية التحولات الأعمق التي تصيب النظام الدولي نفسه؛ لحظة يصبح فيها الصراع على المعنى جزءاً من الصراع على الواقع، ويغدو السؤال حول من يملك حق تفسير العالم سؤالاً سياسياً لا يقل أهمية عن السؤال حول من يملك القوة لتشكيله.

4.هل المشكلة في الهيمنة أم في الإقناع؟

غير أن الحديث عن احتكار المعنى يثير اعتراضاً جوهرياً لا يمكن تجاهله.

فقد يُقال إن الرواية الغربية لم تحتل موقعها العالمي بسبب القوة وحدها، بل لأنها نجحت في بناء مؤسسات معرفية وقانونية وثقافية امتلكت قدرة حقيقية على إنتاج المعرفة وإقناع الآخرين بها. ووفق هذا المنظور، لا يعود انتشار هذه الرواية دليلاً على الهيمنة بقدر ما يصبح دليلاً على نجاحها في تقديم تفسير أكثر تماسكاً للعالم.

ويزداد هذا الاعتراض أهمية إذا تذكرنا أن كثيراً من المفاهيم التي تشكل اليوم جزءاً من الضمير الإنساني العالمي — مثل حقوق الإنسان، ومناهضة العنصرية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها — خرجت أساساً من داخل الفضاء الفكري والسياسي الغربي نفسه. فكيف يمكن الحديث عن احتكار للمعنى داخل منظومة أنتجت في الوقت ذاته أدوات نقدها الذاتي؟

هذا السؤال يستحق التوقف عنده، لأنه يكشف حدود أي قراءة تختزل الهيمنة في القوة المجردة.

فالروايات الكبرى لا تستمر لعقود طويلة اعتماداً على الإكراه وحده. وحتى أكثر الأنظمة نفوذاً تحتاج إلى درجة من القبول والإقناع كي تحافظ على شرعيتها. ولهذا فإن مكانة الرواية الغربية لا يمكن تفسيرها فقط من خلال التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل أيضاً من خلال قدرتها على إنتاج قيم ومؤسسات اكتسبت جاذبية عالمية حقيقية.

لكن الاعتراف بذلك لا يلغي السؤال الآخر.

فالمشكلة لا تكمن في وجود هذه القيم، بل في الكيفية التي جرى بها توزيع تطبيقها والاعتراف بها.

إذ يمكن لفكرة ما أن تكون ذات قيمة أخلاقية حقيقية، وأن تُستخدم في الوقت نفسه بصورة انتقائية. ويمكن لمنظومة أن تنتج أدوات نقد ذاتي مهمة، وأن تعجز في لحظات معينة عن تطبيق معاييرها بالقدر نفسه على الجميع.

ولهذا فإن النقاش لا يدور حول صدق القيم المعلنة أو زيفها، بل حول العلاقة بين هذه القيم وبين البنية السياسية التي تتولى تفسيرها وتطبيقها.

ومن هنا تحديداً تكتسب غزة أهميتها.

فالقضية ليست أن العالم اكتشف فجأة وجود معاناة فلسطينية لم يكن يعرفها من قبل، بل أن قطاعات واسعة من الرأي العام بدأت تتساءل عما إذا كانت اللغة الأخلاقية السائدة تُطبَّق بالاتساق نفسه حين يتعلق الأمر بفلسطين.

وهذا سؤال مختلف تماماً عن رفض المنظومة بأكملها.

إنه سؤال يخرج من داخل القيم نفسها، لا من خارجها.

ولهذا تبدو الأزمة الراهنة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فما يتعرض للاهتزاز ليس مجرد موقف سياسي أو تحالف دولي، بل درجة الثقة في العلاقة بين المبادئ المعلنة وبين الممارسة الفعلية.

وربما هنا تحديداً تكمن حساسية اللحظة الراهنة.

فحين يبدأ الجدل حول اتساق المعايير لا حول وجودها، وحين يتحول النقاش من رفض القيم إلى مساءلة تطبيقها، يصبح التحدي المطروح على الرواية المهيمنة أعمق بكثير من مجرد خلاف سياسي عابر .

5. غزة وتآكل احتكار المعنى

إذا كانت النكبة تكشف جانباً من الطريقة التي تشكلت بها البنية الأخلاقية للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، فإن غزة تكشف أزمة متزايدة في قدرة هذه البنية على الحفاظ على احتكارها السابق للمعنى.

فليست هذه هي الحرب الأولى التي يشهد فيها العالم مستويات مرتفعة من الدمار أو أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين. كما أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها السياسات الغربية لاتهامات بازدواجية المعايير. فقد رافقت هذه الاتهامات حروباً وأزمات عديدة، من فيتنام إلى العراق، ومن جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري إلى أزمات أخرى ظلت محل جدل طويل داخل الرأي العام العالمي.

لكن ما يجعل غزة مختلفة هو أن الأزمة لا تتعلق فقط بالفعل السياسي أو العسكري، بل بقدرة الخطاب المبرر له على الاستمرار بالكفاءة نفسها. فالتحدي المطروح اليوم لا يكمن في ظهور معلومات جديدة، بل في تراجع القدرة على احتواء هذه المعلومات داخل السردية التقليدية التي حكمت تفسير الصراع لعقود.

لقد اعتادت الأنظمة المهيمنة إدارة تناقضاتها عبر أدوات متعددة: إعادة تأطير الوقائع، والتحكم في اللغة المستخدمة لوصفها، وتحديد الأولويات الأخلاقية التي ينبغي أن تشغل الرأي العام. غير أن هذه الآليات تواجه اليوم بيئة مختلفة جذرياً عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.

ففي زمن الإعلام التقليدي، كانت المؤسسات الكبرى تمتلك قدرة واسعة على تنظيم تدفق الصور والمعلومات وتحديد السياقات التي تُفهم من خلالها. أما اليوم، فقد أدى الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التوثيق المباشر إلى تقليص المسافة بين الحدث والمتلقي. لم تعد الصورة تمر دائماً عبر المؤسسات الوسيطة نفسها، ولم يعد تفسيرها حكراً على النخب السياسية أو الإعلامية.

ولا يعني ذلك أن الفضاء الرقمي أنتج حقيقة خالصة أو حرر المعرفة من علاقات القوة، فهذه المنصات نفسها تخضع لاعتبارات سياسية واقتصادية وأيديولوجية معقدة. لكن ما تغير هو أن احتكار السرد أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو تراجع الثقة بالمؤسسات الغربية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. فالحروب التي شُنت باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، خصوصاً في العراق وأفغانستان، تركت أثراً عميقاً في صورة الخطاب الغربي عن نفسه. ومع كل أزمة جديدة، أصبح هذا الخطاب يواجه قدراً أكبر من الشك والتدقيق مقارنة بما كان عليه الحال في العقود السابقة.

ومن هنا يمكن فهم حجم الاحتجاجات التي شهدتها الجامعات والشوارع في أوروبا وأمريكا الشمالية. فالأهمية الحقيقية لهذه الاحتجاجات لا تكمن فقط في أعداد المشاركين فيها، بل في طبيعة الأسئلة التي تطرحها. إذ لم يعد النقاش مقتصراً على تقييم السياسات الإسرائيلية أو الفلسطينية، بل امتد إلى مساءلة المعايير التي يُقاس بها العنف، والحدود التي تقف عندها اللغة الحقوقية حين تتعارض مع اعتبارات القوة والمصالح.

وقد ظهر ذلك بوضوح داخل المؤسسات الأكاديمية والثقافية التي طالما اعتُبرت جزءاً من المجال الليبرالي الغربي. فالنقاشات التي دارت حول حرية التعبير، وحدود النقد السياسي، وتعريف معاداة السامية، لم تكن مجرد خلافات حول مصطلحات قانونية أو أخلاقية، بل كانت تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بمن يملك حق رسم حدود النقاش المشروع.

وفي هذا السياق، تكتسب الاحتجاجات الطلابية أهمية خاصة. فهذه الاحتجاجات لم تنطلق من الأطراف التقليدية المناهضة للغرب أو الرافضة لمنظومته السياسية، بل خرج جزء كبير منها من داخل المؤسسات التي ساهمت تاريخياً في إنتاج النخب الثقافية والسياسية الغربية نفسها. ولهذا بدا المشهد مختلفاً: لم يكن الاعتراض موجهاً إلى الغرب من خارجه فقط، بل من داخله أيضاً.

كما امتد الجدل إلى المجال الثقافي والفني. ففي عدد من المهرجانات والمؤسسات الثقافية الأوروبية، تحولت الحرب على غزة إلى موضوع خلاف علني حول حدود حرية التعبير، وحول ما إذا كانت بعض القضايا تُعامل بمعايير مختلفة عن قضايا أخرى. ولم يكن جوهر النقاش متعلقاً بفلسطين وحدها، بل بمدى اتساق الخطاب الليبرالي مع المبادئ التي يعلنها عن نفسه.

ومع ذلك، فإن من الخطأ المبالغة في تفسير هذه التحولات. فالتآكل الذي أصاب احتكار الرواية لا يعني انهيار النظام الذي أنتجها. فالتاريخ يبين أن البنى المهيمنة نادراً ما تسقط بمجرد انكشاف تناقضاتها. وغالباً ما تمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها عبر أدوات جديدة.

بل ربما يكون ما نشهده اليوم بداية مرحلة مختلفة من إدارة الهيمنة، لا نهايتها. فحين تتراجع فعالية أدوات الإقناع التقليدية، تميل الأنظمة إلى تطوير وسائل أكثر مباشرة لضبط المجال العام وإعادة تنظيمه. وقد يظهر ذلك في التشريعات، أو في آليات الرقابة، أو في إعادة تعريف بعض المفاهيم السياسية والأخلاقية بحيث تستوعب التحديات الجديدة دون المساس بالبنية الأساسية للنظام.

ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الرواية القديمة قد انهارت بالكامل، بل ما إذا كانت قد فقدت وضعها السابق بوصفها الرواية الوحيدة القادرة على تعريف الواقع أخلاقياً وسياسياً. فالفارق بين الأمرين كبير. الأول يفترض نهاية مرحلة تاريخية، أما الثاني فيشير إلى بداية مرحلة أكثر تعددية وتنافساً في إنتاج المعنى.

وربما هنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة الراهنة. فغزة لم تُنهِ البنية التي تشكل داخلها النظام الدولي المعاصر، لكنها دفعت قطاعات واسعة من العالم إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت فهمها للعدالة والشرعية والضحية. ومن المبكر الجزم بالنتائج النهائية لهذا التحول، لكن من الصعب إنكار أن المجال الأخلاقي العالمي لم يعد اليوم كما كان قبلها.

ولهذا قد لا تكون القضية الأساسية هي ما إذا كانت غزة ستغير موازين القوى المباشرة، بل ما إذا كانت ستغير اللغة التي تُفهم من خلالها هذه الموازين. فالتاريخ لا يتحرك فقط عبر الجيوش والاقتصاد والسياسة، بل أيضاً عبر التحولات التي تصيب المفاهيم الكبرى التي تمنح تلك القوى شرعيتها ومعناها.

وفي هذه النقطة تحديداً، تنتقل القضية من كونها أزمة مرتبطة بحرب بعينها إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه: ماذا يحدث حين تفقد الرواية المهيمنة قدرتها السابقة على احتكار تفسير العالم؟

6. ما بعد الرواية الواحدة

وربما تكمن أهمية اللحظة الراهنة في أنها لا تكشف فقط حدود سردية سياسية بعينها، بل حدود مرحلة تاريخية كاملة كانت تقوم على افتراض ضمني مفاده أن مركزاً واحداً يمتلك القدرة على تعريف العالم أخلاقياً وتحديد اللغة التي تُفهم من خلالها الوقائع والأحداث.

لقد تأسس النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية على جملة من المبادئ التي لعبت دوراً مهماً في الحد من أشكال كثيرة من العنف والتمييز، وأسهمت في ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي والكرامة الإنسانية. غير أن هذا النظام حمل داخله، في الوقت نفسه، تفاوتات واضحة في توزيع الاعتراف والشرعية والاهتمام الأخلاقي.

ولسنوات طويلة، بدا أن هذه التفاوتات قابلة للإدارة. فقد امتلكت المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية المهيمنة قدرة كبيرة على تفسير التناقضات واحتوائها داخل سردية عامة تحافظ على تماسك الصورة الكلية. لكن الأزمات الكبرى تكشف عادة ما تعجز اللحظات العادية عن إظهاره، وغزة تبدو اليوم واحدة من تلك اللحظات الكاشفة.

ومع ذلك، فإن المبالغة في تقدير حجم التحول لا تقل خطراً عن التقليل من أهميته. فالتاريخ لا يعرف الانقطاعات الحادة بالقدر الذي يعرف التحولات البطيئة والمتراكمة. والأنظمة المهيمنة لا تفقد نفوذها لمجرد تعرضها للنقد أو لانكشاف تناقضاتها، بل غالباً ما تعيد إنتاج نفسها عبر مؤسسات وأدوات وخطابات جديدة.

ولهذا فإن الحديث عن نهاية احتكار الرواية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إعلاناً لانهيار نظام قائم أو ولادة نظام جديد بصورة فورية. فالمؤشرات الحالية تكشف عن شيء أكثر تعقيداً: تراجع القدرة على فرض تفسير واحد للأحداث، واتساع المجال أمام روايات وفاعلين جدد للمشاركة في إنتاج المعنى وتداوله.

لقد أصبحت القضية الفلسطينية، على نحو متزايد، جزءاً من نقاش عالمي أوسع حول العدالة والتمثيل والذاكرة والمعايير الأخلاقية التي تحكم العلاقات الدولية. ولم يعد هذا النقاش محصوراً في الدوائر الدبلوماسية أو الإعلامية التقليدية، بل امتد إلى الجامعات، والحركات الاجتماعية، والمنصات الرقمية، والشبكات الحقوقية العابرة للحدود.

وربما تكون هذه هي السمة الأبرز للحظة الراهنة: ليس انتقال السلطة من طرف إلى آخر، بل انتقال الصراع نفسه إلى مستوى أعمق. فلم يعد الخلاف يدور فقط حول السياسات والحدود والحروب، بل حول المفاهيم التي تُفهم من خلالها هذه القضايا كلها؛ حول معنى العدالة، وتعريف الضحية، وحدود الشرعية، والحق في رواية التاريخ.

ومن هنا تبدو غزة أكثر من مجرد مأساة إنسانية كبرى، على فداحة ما تحمله من ألم ودمار. إنها لحظة اختبار تاريخية لقدرة النظام الدولي على التوفيق بين القيم التي يعلنها والممارسات التي تصدر عنه، واختبار لقدرة المجتمعات المختلفة على إعادة التفكير في المسلمات التي حكمت رؤيتها للعالم طوال عقود.

لكن أهمية اللحظة لا تكمن فقط في ما تكشفه من تناقضات، بل في ما تفتحه من إمكانات. فحين تتعرض الروايات الكبرى للاهتزاز، لا ينشأ فراغ كامل، بل تبدأ عملية إعادة تفاوض طويلة حول المعاني الأساسية التي تنظّم الحياة السياسية والأخلاقية. وفي مثل هذه اللحظات يصبح التاريخ أقل استقراراً، لكنه يصبح أيضاً أكثر انفتاحاً على احتمالات جديدة.

ولعل ما نشهده اليوم هو بداية هذا النوع من التحولات. فالسردية الفلسطينية لم تعد تتحرك فقط عبر القنوات الدبلوماسية أو الخطابات الرسمية، بل عبر شبكات معرفية وثقافية وحقوقية عابرة للحدود، وعبر جيل جديد لا يتلقى الروايات الجاهزة بالطريقة نفسها التي تلقتها الأجيال السابقة. وهذا لا يعني أن موازين القوة قد انقلبت، لكنه يعني أن السيطرة على تعريف الحقيقة لم تعد أحادية كما كانت.

ولا يزال من المبكر معرفة الاتجاه الذي ستسلكه هذه التحولات. فقد تنجح البنى القائمة في استيعابها وإعادة دمجها داخل منطقها التقليدي، وقد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل أوسع للمجال الأخلاقي والسياسي العالمي. لكن ما يبدو واضحاً حتى الآن هو أن السؤال لم يعد مطروحاً على هامش النظام الدولي، بل في قلبه.

فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمن يملك القوة، بل بمن يملك حق تعريف القوة نفسها. ولم تعد تتعلق فقط بمن يُعدّ ضحية، بل بمن يملك سلطة تحديد معنى الضحية. ولم تعد تتعلق فقط بتفسير حدث بعينه، بل بتحديد اللغة التي يُفهم عبرها العالم.

وربما لهذا السبب تحديداً تبدو غزة، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر من حرب وأكبر من أزمة عابرة. فهي ليست فقط ساحة صراع على الأرض، بل ساحة صراع على المعنى ذاته؛ على من يروي التاريخ، ومن يحدد شرعية الألم، ومن يمتلك الحق في تعريف العدالة والإنسان.

ولا يتعلق الأمر هنا بفلسطين وحدها. فكل نظام دولي يستمد جزءاً من استقراره من قدرته على إقناع الآخرين بشرعية القيم التي يقوم عليها. وحين تتعرض هذه الشرعية للاهتزاز، لا تظهر الأزمة في السياسة فقط، بل في اللغة التي تفسر السياسة، وفي المفاهيم التي تمنحها معناها الأخلاقي.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه غزة اليوم ليس ما إذا كانت ستغير خريطة القوى في العالم، بل ما إذا كانت ستغير الطريقة التي يفكر بها العالم في نفسه. فالتاريخ لا يتغير فقط عندما تتبدل موازين القوة، بل أيضاً عندما تتبدل الروايات التي تمنح تلك القوة مشروعيتها.

وإذا كانت العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية قد شهدت صعود رواية كبرى امتلكت قدرة استثنائية على تعريف الضحية والعدالة والشرعية، فإن اللحظة الراهنة قد تكون بداية مرحلة يصبح فيها هذا التعريف موضع نزاع مفتوح للمرة الأولى منذ زمن طويل.

ليس لأن النظام قد انهار، ولا لأن رواية جديدة حلت مكانه بصورة نهائية، بل لأن اليقين الذي رافق الرواية المهيمنة بدأ يفقد شيئاً من صلابته.

وهذا، في جوهره، هو التحول الأهم.

فحين تفقد البنى المهيمنة احتكار المعنى، لا يسقط العالم فوراً، ولا تتغير الوقائع بين ليلة وضحاها. لكن شيئاً أكثر عمقاً يبدأ بالحدوث: يصبح التاريخ نفسه قابلاً لإعادة القراءة، وتصبح الشرعية موضع مساءلة، وتدخل المفاهيم التي بدت مستقرة لعقود في طور جديد من التفاوض والصراع.

وربما لهذا السبب تبدو غزة، في هذه اللحظة التاريخية، ليس فقط مأساة إنسانية كبرى، بل لحظة كاشفة لحدود الرواية الواحدة، ولعالم بدأ، ببطء وتردد، يخرج من يقيناته القديمة نحو أسئلة لم تُحسم بعد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...