الدكتور حسين عبد البصير - العيد والطفولة في مصر.. ذاكرة الفرح الأولى التي لا تُنسى

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تتكرر، لكنها تظل حية داخله كأنها تحدث الآن. ومن بين هذه اللحظات، تظل أعياد الطفولة في مصر واحدة من أكثر التجارب رسوخًا في الذاكرة الإنسانية. فالعيد في طفولتنا ليس مجرد مناسبة، بل هو أول تعريف للفرح، وأول إحساس بالبهجة الجماعية، وأول لقاء مع فكرة "الانتظار الجميل".
في مصر، يبدأ العيد في وعي الطفل قبل أن يبدأ في الواقع. يبدأ بالترقب: ملابس جديدة تُجهَّز بعناية، حذاء لامع يُجرب مرات عديدة، كعك يُخبأ بعيدًا عن العيون الصغيرة، وعيدية موعودة تُذكر على سبيل التشويق. كل هذه التفاصيل تصنع عالمًا كاملًا داخل ذهن الطفل قبل أن يطل صباح العيد.
وعندما يأتي الصباح أخيرًا، يبدو كل شيء مختلفًا. الشوارع أكثر إشراقًا، الوجوه أكثر ابتسامًا، الأصوات أكثر خفة. يخرج الطفل من البيت وكأنه يدخل إلى مدينة جديدة لا يعرفها، مدينة اسمها “العيد”.
هذا الإحساس ليس جديدًا، بل يمتد جذوره إلى تاريخ طويل من الثقافة المصرية التي أولت الطفولة مكانة خاصة. ففي المجتمع المصري القديم، كان الأطفال جزءًا مهمًا من الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية. وقد اهتم المصري القديم بتصويرهم في مشاهد الأسرة والحياة والاحتفالات، باعتبارهم رمزًا لاستمرار الحياة وتجددها.
وكانت فكرة "البهجة" جزءًا أصيلًا من البناء الاجتماعي المصري منذ القدم. فالأعياد لم تكن فقط للكبار، بل كانت مساحة مفتوحة للأطفال، يشاركون فيها بالغناء واللعب والاحتفال، ويشاهدون الكبار وهم يعيدون إنتاج الفرح أمامهم.
ومع تطور التاريخ المصري، ظل الطفل هو مركز العيد الحقيقي. في العصر الفاطمي، ثم المملوكي، ثم العثماني، وحتى العصر الحديث، بقيت مظاهر العيد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفرحة الأطفال: الملابس الجديدة، والحلوى، والعيدية، والزيارات العائلية التي تمنح الطفل إحساسًا بالانتماء والأمان.
واللافت أن العيد في مصر يصنع ذاكرة حسية متكاملة لدى الطفل. فهو لا يُرى فقط، بل يُشم ويُسمع ويُلمس. رائحة الكعك، صوت الضحكات في الشوارع، ملمس الورق النقدي في اليد الصغيرة، وطعم الحلوى التي تُقدَّم في البيوت؛ كلها عناصر تبني ما يمكن تسميته بـ"أرشيف الفرح الأول".
هذه الذاكرة لا تختفي مع العمر. بل على العكس، كلما تقدم الإنسان في الحياة، عاد العيد ليعيده إلى طفولته. فالبالغ الذي يمنح العيدية اليوم، يتذكر لا شعوريًا اللحظة نفسها التي كان فيها هو المتلقي. وهكذا تستمر الدائرة الإنسانية للفرح.
وتلعب الأسرة المصرية دورًا محوريًا في تشكيل هذه التجربة. فالأب يمثل المفاجأة والكرم، والأم تمثل التحضير والدفء، والأجداد يمثلون الحنين والحكمة، بينما يظل الأطفال هم جوهر المشهد كله. داخل هذا الإطار العائلي، يتعلم الطفل معنى المشاركة، ومعنى الفرح الجماعي، ومعنى أن السعادة لا تُعاش وحدها.
أما في الشارع المصري، فإن العيد يتحول إلى مسرح مفتوح للطفولة. الألعاب، والبالونات، والزيارات، والحدائق، والرحلات إلى النيل أو البحر، كلها تشكل مساحة حرية نادرة يعيش فيها الطفل لحظة انفصال مؤقت عن روتين الحياة اليومية.
وفي المدن المصرية، من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن الدلتا إلى الصعيد، تتكرر المشاهد نفسها مع اختلاف التفاصيل. طفل يركض بملابسه الجديدة، وآخر يضحك لأول مرة بحرية كاملة، وثالث يمسك بيد أمه في طريقه إلى صلاة العيد، وكأن العالم كله يتسع له في تلك اللحظة.
والطفولة المصرية، رغم التغيرات الحديثة، ما زالت تحتفظ بجوهرها في العيد. صحيح أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من المشهد، وأن الألعاب الإلكترونية والمكالمات الرقمية دخلت على الخط، لكن اللحظة الإنسانية الأساسية ما زالت كما هي: الحاجة إلى الفرح الحقيقي، غير الافتراضي، الذي يُعاش في الواقع مع الآخرين.
ولهذا، فإن العيد في مصر ليس فقط احتفالًا اجتماعيًا، بل هو أيضًا مدرسة وجدانية تُعلّم الطفل أول دروس الحياة: الحب، والمشاركة، والانتظار، والامتنان، والفرح البسيط.
يمكن القول إن أعياد الطفولة في مصر ليست مجرد ذكريات، بل هي أساس البناء النفسي والإنساني للمجتمع كله. فمن طفل ينتظر العيد بشغف، إلى بالغ يستعيده بحنين، إلى أجيال جديدة تعيشه من جديد، تبقى دائرة الفرح مستمرة لا تنقطع.
وهكذا يظل العيد في مصر، في جوهره العميق، هو عودة دائمة إلى الطفولة. إلى تلك اللحظة الأولى التي عرف فيها الإنسان معنى أن يبتسم دون سبب، وأن ينتظر شيئًا جميلًا، وأن يؤمن بأن الحياة، رغم كل شيء، يمكن أن تكون بسيطة ومضيئة وجميلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...