دكتور حسين عبد البصير - فوانيس وأضواء.. كيف أحب المصريون الاحتفال منذ فجر التاريخ؟

منذ آلاف السنين، عرف المصريون معنى الضوء، ليس فقط باعتباره وسيلة لرؤية الطريق، بل باعتباره رمزًا للحياة والأمل والانتصار على الظلام. ولهذا لم يكن غريبًا أن ترتبط الأعياد والاحتفالات في مصر دائمًا بالمشاعل والأنوار والفوانيس والزينة التي تمنح المدن والبيوت روحًا مختلفة.
فعندما تسير اليوم في الشوارع المصرية خلال الأعياد والمواسم، وترى الأضواء المعلقة على الشرفات، والفوانيس التي تزين الأزقة، والأطفال الذين يركضون حاملين مصادر الضوء الصغيرة بفرح، فأنت في الحقيقة تشاهد امتدادًا لذاكرة حضارية قديمة جدًا.
في مصر القديمة، كان الضوء يحمل دلالات دينية وروحية عميقة. فقد ارتبطت الشمس بالإله رع، رمز الخلق والنور والنظام الكوني. وكان شروق الشمس كل يوم يُنظر إليه باعتباره انتصارًا للحياة على الفوضى والظلام. ولذلك امتلأت المعابد المصرية بالطقوس المرتبطة بالنور والنار المقدسة والبخور والمشاعل.
وكانت الاحتفالات الكبرى في المعابد تُقام غالبًا وسط أجواء مهيبة من الإضاءة والروائح العطرية والموسيقى. وفي بعض المناسبات الدينية، كانت المواكب تخرج ليلًا تحمل المشاعل والفوانيس البدائية، في مشهد يمنح الناس شعورًا بالرهبة والجمال والانتماء الجماعي.
وفي معابد مثل معابد الكرنك ومعبد إدفو ومعبد دندرة، لعب الضوء دورًا معماريًا ودينيًا مذهلًا. فقد صمم المصري القديم بعض المعابد بحيث تتسلل أشعة الشمس إلى أماكن محددة في توقيتات معينة من العام، في تعبير عبقري عن العلاقة بين الكون والدين والفن والهندسة.
وكان المصري القديم يحب الاحتفال بصورة واضحة. الموسيقى، الرقص، الولائم، العطور، الزهور، والزينة؛ كلها عناصر حضرت بقوة في الحياة اليومية والمناسبات الدينية والاجتماعية. وحتى البيوت البسيطة كانت تحاول أن تضيف لمسة جمال خاصة في الأعياد.
ومع دخول العصر الإسلامي، تطورت ثقافة الزينة والإضاءة بصورة كبيرة، خاصة في القاهرة الفاطمية التي عُرفت بحبها للمواكب والاحتفالات العامة. وقد أصبحت الفوانيس جزءًا أساسيًا من المشهد الاحتفالي المصري، خصوصًا في شهر رمضان والأعياد.
وتحمل الفوانيس المصرية حكايات طويلة من الفن الشعبي والجمال البسيط. فالفانوس لم يكن مجرد وسيلة للإضاءة، بل رمزًا للفرح الجماعي والدفء الإنساني. وكانت الأسواق القديمة تمتلئ بالفوانيس الملونة المصنوعة يدويًا، فيتحول الضوء إلى جزء من الذاكرة البصرية للمصريين.
وفي أحياء القاهرة القديمة مثل الجمالية والدرب الأحمر والسيدة زينب، كانت الزينات والأضواء تمنح الشوارع روحًا ساحرة خاصة في المناسبات الكبرى. الأطفال يرفعون الفوانيس، والبيوت تتزين، والمقاهي تبقى مفتوحة حتى ساعات متأخرة، بينما تمتزج أصوات الضحكات بالأغاني القديمة.
والمرأة المصرية لعبت دائمًا دورًا مهمًا في صناعة هذه الأجواء الاحتفالية. فهي التي تهتم بتزيين البيت، وترتيب التفاصيل الصغيرة، وإضافة اللمسات التي تجعل للمناسبات مذاقًا مختلفًا. ومن خلال هذه التفاصيل البسيطة، حافظت الأمهات والجدات على روح الفرح المصرية عبر الأجيال.
أما الأطفال، فكانت علاقتهم بالأضواء والفوانيس علاقة سحرية خاصة. فالطفل يرى في الضوء عالمًا من الأحلام والخيال والدهشة، ولذلك تبقى ذكريات الفوانيس والزينة من أكثر ذكريات الطفولة رسوخًا في الوجدان.
وربما تكمن عبقرية الشخصية المصرية في قدرتها على مقاومة القسوة بالجمال. فحتى في أصعب الفترات الاقتصادية والاجتماعية، يصر المصري على تعليق الزينة، وإشعال الأنوار، وصناعة لحظة فرح صغيرة داخل البيت أو الشارع أو الحارة.
إن الضوء بالنسبة للمصري ليس مجرد إنارة للمكان، بل إنارة للروح نفسها. ولهذا بقيت الأعياد في مصر مرتبطة دائمًا بالألوان والأنوار والزينة، وكأن المصري يقول للعالم منذ آلاف السنين إن الحياة تستحق الاحتفال مهما كانت الظروف.
إن الفوانيس والأضواء التي نراها اليوم ليست مجرد مظاهر احتفالية عابرة، بل امتداد طويل لحضارة آمنت بالنور والجمال والبهجة. حضارة فهمت أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى شعلة صغيرة من الفرح كي يو

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...