تحاول الباحثة “لوسي ريزوفا”، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة برمينجهام، في كتابها “عصر الأفندية: ممرات الحداثة في مصر خلال فترة الهيمنة الاستعمارية وبناء الأمة الحديثة”
إعادة قراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي المصري في النصف الأول من القرن العشرين، بعيدا عن ثنائية الاحتلال البريطاني /الحركة الوطنية.
وتركز على صعود طبقة “الأفندية” حيث تعتبرهم الفاعل الاجتماعي والثقافي الأهم في تشكيل صورة مصر الحديثة.
وتعتمد ريزوفا في الكتاب علي منهج بحثي غير تقليدي تسميه “التأريخ من الوسط” وتستخدمه لتتبع تحولات التاريخ الاجتماعي والثقافي، وذلك خلافًا لـلتأريخ من أعلي.
[HEADING=2]أو التأريخ التقليدي المعتمد علي روايات السلطة،[/HEADING]
في هذا المنهج التاريخي تعتمد علي مصادر متنوعة مثل الأفلام والسير الذاتية والروايات والصور الفوتوغرافية وإعلانات الصحف والمجلات لإنتاج وصف غني للأفندية والحداثة المصرية.
مما أغنى الكتاب بالتفاصيل، ومنحه كثافة معرفية ويجعل القارئ يشعر بأنه يتجول داخل الحياة اليومية لمصر الحديثة وقت تشكلها.
[HEADING=2]ممرات الحداثة[/HEADING]
منذ الصفحات الأولى يتضح أن الكتاب يتعامل مع “الأفندي”، ككائن اجتماعي تشكل نتيجة للتقاطع بين التعليم الحديث، والدولة البيروقراطية، والصحافة، والجيش، والسكك الحديدية، وأنماط الاستهلاك الجديدة.
[HEADING=2]ولذلك تتعامل ريزوفا مع الأفندية باعتبارهم مشروعًا للذات المصرية الحديثة.[/HEADING]
من هنا يبدو عنوان “ممرات الحداثة” دقيقًا للغاية، فالحداثة هنا تأتي كتسلل بطيء عبر المؤسسات واللغة والطقوس اليومية.
وهي ليست حداثة أوروبية خالصة تم استيرادها جاهزة، ولكنها عملية تفاوض معقدة بين المحلي والاستعماري، بين التقليد والتحديث، بين الرغبة في التشبه بالغرب والخوف من فقدان الهوية.
وهنا ترى الباحثة أن الحركة الوطنية، لم تكن فقط مقاومة للاحتلال، بل كانت أيضًا مشروعًا لإنتاج المواطن المنضبط.
هنا يصبح التعليم، والنظافة الشخصية، والانضباط الزمني، واللغة الفصحى، وحتى طريقة الجلوس والحديث، جزءًا من مشروع الأمة الحديثة.
[HEADING=2]هنا تنجح ريزوفا في تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مفاتيح لفهم التحولات الكبرى[/HEADING]
حين تتحدث عن الطربوش أو عن صورة الموظف الحكومي أو عن ثقافة المراسلات والملفات الإدارية، فإنها تكشف كيف كانت الدولة الحديثة تعيد صياغة الإنسان المصري.
وهي كذلك لم تنظر إلى الاستعمار كقوة خارجية منفصلة عن المجتمع، بل تناولته كبنية متداخلة مع عملية بناء الدولة الحديثة.
فالبريطانيون، رغم كونهم قوة احتلال، ساهموا في تطوير جهاز إداري وتعليمي وبيروقراطي خلق طبقة من الأفندية أصبحت لاحقًا عماد الحركة الوطنية نفسها.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية، فالأدوات التي استخدمها الاستعمار للسيطرة أنتجت أيضًا الوعي الذي قاومه.
والأفندي نفسه كان يعيش هذا التناقض يوميًا، فهو يرتدي بدلة أوروبية لكنه يتحدث باسم الأصالة، يعمل في جهاز الدولة الحديثة لكنه يشعر بالاغتراب داخلها.
[HEADING=2]أيضا ترصد ريزوفا الثقافة البصرية المرتبطة بالأفندية.[/HEADING]
فالصور الفوتوغرافية، والملصقات، والمجلات، والرسوم الكاريكاتورية، كلها تتحول إلى وثائق أساسية لفهم تشكل الهوية الحديثة.
وبالتالي يبدو الطربوش رمزًا شديد الدلالة، فهو ليس مجرد غطاء رأس، ولكنه علامة على هوية هجينة تجمع بين العثماني والمصري والأوروبي، وحين اختفى الطربوش لاحقًا، كان إشارة إلى تحول أعمق في تصور الذات الوطنية.
[HEADING=2]الأفندي والمدينة[/HEADING]
كما يولي الكتاب اهتمامًا مهمًا بعلاقة الأفندية بالمدينة، خصوصًا القاهرة، فالشوارع، المقاهي، الترام، المدارس، المكاتب الحكومية، كلها أماكن تنتج أنماطًا جديدة من السلوك والإدراك.
هنا تتحول القاهرة إلى مختبر ضخم للحداثة، حيث تتجاور الأحياء الشعبية مع العمارة الأوروبية، وتتجاور العادات التقليدية مع أنماط الحياة الجديدة.
[HEADING=2]كذلك لم يتعامل الكتاب مع “الأفندية” باعتبارهم جماعة متجانسة.[/HEADING]
فداخل هذه الفئة توجد تناقضات طبقية وثقافية وسياسية حادة.
وهناك أفندي فقير بالكاد يدبر قوت يومه، وهناك موظف حكومي يسعى للترقي الاجتماعي، وهناك مثقف قومي يرى نفسه حاملًا لمشروع النهضة.
كذلك ينجح الكتاب في ربط التاريخ الثقافي بالتحولات الاقتصادية. فصعود الأفندية ارتبط بتوسع التعليم والبيروقراطية، لكنه ارتبط أيضًا بتغيرات سوق العمل والاقتصاد الحضري.
وبالتالي يعتبر الحداثة بنية مادية خلقت احتياجات جديدة وأنماطًا جديدة للاستهلاك والطموح الاجتماعي.
[HEADING=2]وقد تعاملت ريزوفا مع الأدب والصحافة باعتبارهما جزءًا من صناعة الأفندي.[/HEADING]
فالروايات والمجلات مثلت أدوات لإنتاج نموذج الإنسان الحديث. فالأدب المصري في تلك المرحلة انشغل بفكرة التهذيب الاجتماعي، وبالصراع بين الريف والمدينة، ويمكن أن نرى أصداء ذلك في أعمال نجيب محفوظ المبكرة أو في كتابات محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم وغيرهم.
[HEADING=2]والأفندي، رغم موقعه الرمزي، كان يعيش هشاشة اقتصادية ونفسية واضحة.[/HEADING]
كثير من هؤلاء الموظفين كانوا يشعرون بأنهم ليسوا جزءًا من الطبقة الأرستقراطية القديمة، وليسوا مندمجون تمامًا في الطبقات الشعبية.
ولذلك فإن القلق الاجتماعي يصبح أحد الملامح الأساسية لهذه الشخصية، وبالتالي يصبح الأفندي شخصية مأزومة تحاول باستمرار إثبات جدارتها الاجتماعية والثقافية.
وربما لهذا السبب أصبحت هذه الشخصية مركزية في السينما والرواية المصرية لاحقًا، من الموظف الحالم عند نجيب محفوظ إلى المثقف المحبط في أدب الستينيات.
[HEADING=2]ملاحظات نقدية[/HEADING]
رغم أهمية الكتاب ومجهود الباحثة إلا تبدو أحيانا منحازة للمقاربة الثقافية على حساب التحليل السياسي المباشر، وبالتالي مرت بعض التحولات الكبرى سريعًا مقارنة بالتفاصيل اليومية الدقيقة.
كما أن التركيز على القاهرة والفضاء الحضري جعل الريف أقل حضورًا، رغم أن العلاقة بين الريف والمدينة كانت عنصرًا حاسمًا في تشكل الطبقة الوسطى المصرية.
كذلك نجد أن الكتاب يمنح “الأفندية” دورًا مركزيًا مبالغًا فيه، ويكاد يختزل فيهم وحدهم تاريخ مصر الحديثة، لكن رغم ذلك فالكتاب لا يضئ فقط فترة من التاريخ المصري الحديث، لكنه أيضا يساعدنا على فهم الحاضر.
فالكثير من أزمات الطبقة الوسطى المصرية الحالية تعود جذورها إلى تلك اللحظة التأسيسية التي يتناولها الكتاب.
ففكرة الوظيفة الحكومية باعتبارها مصدرًا للهيبة الاجتماعية، والهوس بالشهادات التعليمية، والتوتر بين الأصالة والتغريب.
حتى القلق المزمن من التدهور الطبقي، كلها عناصر ما زالت حاضرة بقوة في المجتمع المصري،.
وبالتالي كتابا عن كيفية تشكل الذات المصرية الحديثة، وعن الثمن الذي دفعته هذه الذات وهي تحاول العبور إلى الحداثة تحت الهيمنة الاستعمارية.
وهو أيضًا كتاب عن الأحلام الصغيرة، حلم الموظف بالترقي، حلم الطالب بالتعليم، وحلم الطبقة الوسطى بأن يتم بها.
وأخيرا ففي الكتاب تعيد “لوسي ريزوفا” ومن خلال تاريخ الأفندية، النظر في معنى الحداثة نفسها.
باعتبارها شبكة من التوترات والهويات القلقة. وربما لذلك يبدو الكتاب حيًا ومؤثرًا؛ لأنه يلتقط لحظة تاريخية لم تنتهِ آثارها بعد.