عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

من بين آلاف الكتب التي مرت بين يدي، وسمعت عنها حكايات لا تُحصى، بقيت هذه القصة من أجمل ما روي لي عن حب الكتب ، لأن بطلها كان كتابا واحدا فقط.
حكى لي أحد القراء الكرام أنه فتح عينيه على الدنيا في بيت أسرته على مجلد ضخم مهيب ، يقبع في المنزل كشيخ وقور يراقب الجميع بصمت ، اسمه " المنجد في اللغة والأعلام".
كبر الطفل والكتاب يكبر معه ، لم يكن مجرد مرجع يوضع في رف عال ، لكنه كانت له مكانة رفيعة ، كأنه فردا من أفراد الأسرة.
تدحرج معه في طفولته بين الغرف والأركان، وحمله أحيانا كلعبة ثقيلة أكثر منه كتابا ، تناقلته الأيدي جيلا بعد جيل، حتى تآكل غلافه، واصفرّت أوراقه، وتمزقت بعض صفحاته من كثرة ما لامستها الأصابع.
كان الكتاب كثير الأسفار داخل البيت؛ تراه مرة في المطبخ، ومرة في غرفة الأب، ثم ينتقل إلى صالة الضيوف أو إلى الحديقة أو الشرفة ؛ لم يكن مستقرا في مكان، كأنه يوزع علمه على أرجاء المنزل بالتساوي، ويحرص أن يترك أثرا في كل زاوية ، يتداوله جميع أفراد العائلة ، حتى الجيران في بعض الأحيان.
ومع مرور السنوات، بدأ الطفل يفك ألغاز ذلك السفر العظيم. تعلّم من صفحاته الأولى معنى الكلمات، ثم اكتشف لاحقا أن الكتاب يخفي عالما آخر لا يقل سحرا عن جزئه الأول ، قسم ثان يرشد إلى تراجم الأعلام ، هناك التقى بالمفكرين والعلماء، والشعراء والفلاسفة، والصحابة والمخترعين، والملوك والسلاطين، وكل أولئك الذين تركوا آثار أقدامهم على طريق الإنسانية الطويل.
كان يقرأ الأسماء كما يقرأ المسافر خرائط البلاد البعيدة، ويشعر أن العالم أكبر بكثير من حدود مدينته وشارعه ومدرسته.
وحين اشتد عوده وصار شابا، لم تنقطع صحبته لذلك المعجم العتيق ؛ كان يحمله معه في جل مراحل الدراسة المختلفة رغم ضخامته ، ويستعين به في تحضير الدروس والاستعداد للامتحانات ، رافقه إلى أن نال شهادة البكالوريا، ثم إلى مقاعد الجامعة، وصولا إلى بداية حياته العملية ، وكأن الكتاب كان يمسك بيده في كل منعطفات العمر.
وذات يوم، التفت إلى رفيق طفولته بعد سنوات طويلة من الخدمة والوفاء، فوجده منهكا مثل محارب قديم ؛ غلاف ممزق، وصفحات متعبة، وأثر الزمن واضح على ملامحه ، شعر نحوه بشيء يشبه الشفقة والامتنان معا ، كيف يترك كتابا منحه كل هذا النور يذبل بصمت؟
عندها اتخذ قرارا جميلا ، وفاء لذلك السفر العظيم ، عزم على أن يقتني نسخة جديدة منه ، لا ليحلّ محل النسخة الأولى، لكن من أجل مواصلة رسالتها ؛ أراد أن يكون ذلك القاموس أول كتاب يدخل بيته الجديد، وسيكون اللبنة الأولى في مكتبة يحلم أن يتركها لأبنائه من بعده.
حين أنهى قصته، أدركت أن بعض الكتب لا نقرؤها فحسب، لكنها تساهم في تربيتنا ، تكبر معنا، وتشيخ بصحبتنا ، وتحفظ أسرار أعمارنا بين صفحاتها.
ولعل أعظم ما يمكن أن يفعله كتاب ، هو بأن يتحول من مجرد أوراق مطبوعة إلى فرد من أفراد العائلة ، يربي طفلا ، ثم يساعده ، بعد أن يصير أبا ، على أن يورث أبناءه حب المعرفة قبل أن يورثهم الكتب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...