أدب السيرة الذاتية سمير اليوسف - بداية ونهاية... واذاعة الشرق الاوسط من القاهرة

عصر كل يوم من صيف عام 1979، كنت أجلس قريباً من المذياع الرخيص الأحمر اللون مُنتظراً هتاف المذيعة المصريّة:
"إذاعة الشرق الأوسط من القاهرة تقدم
"بداية ونهاية"
قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ!"

بعد زمن قصير وجدت نفسي أمام "مكتبة نعمة" [في مدينة صور، جنوب لبنان] أحدّقُ في غلاف رواية "بداية ونهاية". لم تكن مكتبة نعمة متجراً للكتب بقدر ما كانت كشكاً لبيع الصحف والمجلات وإن كان هناك بعض الكتب. وفي ذلك الوقت احتلت الواجهة الزجاجية أغلفة روايات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ الصادرة عن "دار القلم" بالتصميم والإنتاج التجاري الرخيص نفسه.

كنت في الرابعة عشر من العمر وكنت قد انتقلت من قراءة الأدب التشويقي البسيط إلى أدب تشويقي أقل بساطة، بما جعل حركة القراءة، قلب الورقة والانتقال من صفحة إلى أخرى، أدنى سرعة. لم تعد القراءة مجرد متابعة لمجريات القصة والتلهف على معرفة ما سيجري في اللحظة التالية، وإنما أمست مزيجاً من المتابعة بشوقٍ لما يجري وفي الوقت نفسه تأملاً بما يجري والتعرف على بواطن الشخصيات. وكانت هذه تجربتي في قراءة روايات إحسان عبد القدوس التي قدمت لي البُعد النفسي للشخصية القصصية: "لا أنام" و"شيء في صدري" و"النظارة السوداء" و"أنا حرّة" وطبعاً رائعة "في بيتنا رجل".

بعد الإصغاء اليومي لمسلسل "بداية ونهاية"، في صيغته الإذاعية الدرامية البسيطة أو المُبسّطة، وأمام تماثل اغلفة روايات نجيب محفوظ بأغلفة روايات إحسان عبد القدوس، حسبت أن أسلوب محفوظ في الكتابة لا يختلف كثيراً عن أسلوب عبد القدوس. ابتعت الرواية وما أن عدت إلى البيت حتى شرعت في قراءتها.

كان السرد سلساً منذ السطر الأول ويحفز على الإستمرار في القراءة، بيد ان محفوظ كان رغم ذلك مختلفاً عن كل من قرأت من قبل، بل ومن سأقرأ خلال الأعوام القليلة اللاحقة، بمن في ذلك محمود تيمور وطه حسين وتوفيق الحكيم. بخلاف عبد القدوس، وكل من ذكرت، الجملة الخبرية أو الوصفية عند محفوظ لم تنطو على وعدٍ مثير بحصول مفاجأة في النهاية رغم أن السرد في "بداية ونهاية" ينطلق من مفاجأة- الموت المفاجئ لرب العائلة بما يؤدي إلى سقوط العائلة من قلب الطبقة المتوسطة إلى هامشها الأدنى.

أمورٌ كثيرة، بعضها صادم وفاضح، تحصل في حياة الشخصيات ولكن كان للجملة المحفوظة وظيفة أخرى غير تتبع مجريات سيرة عائلة تحاول جاهدة ألا تخسر طموحاتها وسمعتها وأن تبقى في مدار الطبقة التي تنتمي إليها أصلاً. بدت الجملة المحفوظية عبارة عن حجر في بناء ما انفك يرتفع حتى يكتمل في النهاية على صورة عالم بديل.

تنتمي "بداية ونهاية" الى مجموعة الروايات التي كتبها محفوظ ما بين رواياته التاريخية الأولى (وآخرها "كفاح طيبة" 1944) والثلاثية (1956-57) وهي جميعاً باستثناء "السراب" تجسّد الوعي الليبرالي لفن الرواية عند محفوظ. ليست هناك شخصية واحدة، شخصية رئيسية، محاطة بشخصيات أقل أهمية، ويدور السرد حولها، وإنما هناك شخصيات متعددة، وإن بدا بعضها أهم حضوراً من بعضها الآخر. لا يأتي السرد على شكل خيط واحد وإنما مجموعة خيوط متقاطعة ومتشابكة. إنها الرواية التي عُرفت بـاسم "الواقعية الإجتماعية".

استغرقت قراءة "بداية ونهاية" من الوقت ثلاثة أضعاف ما كانت تستغرقه رواية من روايات عبد القدوس. لم يكن بسبب الإحساس بالملل وأنما لان قراءتها كانت تتطلب البطء. بعد أعوام عديد سأدرك بأن القراءة البطيئة من متطلبات النصّ الأدبي مهما كان السرد فيه بسيطاً ورشيقاً. أحببت الرواية ولكنني لم أكن مستعداً بعد للقراءة البطيئة. لم أعد إلى قراءة محفوظ ثانية إلا بعد أكثر من خمسة أعوام حيث الجملة الأولى من رواية "بين القصرين":
"بدأت الحياة تدبّ في البيت دبيبها الخفي المعتاد.." كانت بمثابة بداية شغفٍ بأعمال هذا الكاتب العظيم لم ينضب حتى الآن.
.

كتاب السيرة الذاتية

[غلاف الرواية في طبعتها الصادرة عن دار القلم في بيروت]



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...