من خلال بنائه غير التقليدي للنصوص (كثافة مفارقة دهشة)
أعترف وأنا أقرأ للأديب كاظم حسن سعيد أصل إلى وصف أسلوبه بجملة نقدية قصيرة :
"يكتب كمن يلتقط شظايا الواقع لا صورته الكاملة ثم يترك القارئ يجمع الزجاج وحده."
*قراءة نقدية في نص "مختبر
خفي"
لا يبدو نص "مختبر خفي" منشغلا بوصف حفل غنائي بقدر انشغاله بفعل الرؤية ذاته. فالنص منذ سطره الأول يضعنا داخل جهاز بصري يعمل باستمرار. نحن لا نقرأ حفلا، نحن نقرأ عينا تراقب حفلا..
العنوان وحده يفتح هذا الباب. فالمختبر لا يعني فقط مكان التجربة هو أيضا يعني وجود مراقب، وأدوات رصد وعينات تخضع للفحص. لكن المفارقة أن النص لا يعلن من هو الباحث الحقيقي، من يراقب من؟ هل الرّاوي يراقب الجمهور؟ أم أن الجمهور يراقب المؤدية؟ أم أن الجميع واقعون داخل شبكة مراقبة متبادلة؟!
لهذا تبدو القصيدة أقرب إلى "اقتصاد النظر" منها إلى الوصف التقليدي.فالنص يشتغل على تفكيك العين إلى مستويات متعددة، العين هنا ليست عضوا بيولوجيا بل وظيفة سردية: العيون تجحظ، تراقب، تغار، تندهش، تنفصل عن المشهد أو تذوب فيه. حتى الهواتف التي ترتفع عموديا وأفقيا ليست سوى امتداد تقني للعين البشرية، الهاتف هنا ليس جهازا؛ إنه عين إضافية.
ولذلك يمكن ملاحظة أن الشاعر يتعمد تهميش الصوت لصالح الصورة، رغم وجود الطبل والآلات والصخب، فإن القارئ لا يسمع كثيرا بل يرى أكثر مما يسمع. الصوت نفسه يتحول إلى خلفية كي يسمح للصورة بأن تتصدر المشهد. وهذا يقود إلى مفارقة جمالية ذكية: الشخصية المركزية في النص (المؤدية فوق المسرح) تكاد تكون الشخصية الأقل حضورا.فنحن لا نعرف ملامحها،
لا نعرف لباسها،لا نعرف صوتها،
لا نعرف حتى ماذا تغني...
نعرف فقط تأثيرها.
وكأن النص يريد القول: "إن الإنسان لا يعيش الأشياء ذاتها هو يعيش آثار الأشياء داخله."
ومن هنا تأتي كثافة التفاصيل الجسدية الصغيرة.
حمالة الصدر ،الشعر المتجعد،
الشفاه ،السبابات.هذه ليست إضافات واقعية فقط؛ إنها إعلان غير مباشر أن الجسد يفضح ما تحاول النفس إخفاءه. ففي لحظات الانفعال الجمعي يفقد الإنسان جزءا من هندسته الاجتماعية المعتادة، وتبدأ الإشارات الصغيرة بالتكلم نيابة عنه.
الأكثر إثارة أن النص يبني إيقاعه وفق قانون بصري لا لغوي.
كل سطر يبدو كأنه "قطع مونتاج".
لا توجد انتقالات تفسيرية.لا توجد روابط كثيرة.هناك فقط: لقطة، ثم لقطة، ثم لقطة.ولهذا يشعر القارئ أنه لا يقرأ قصيدة بالمعنى المألوف بل يشاهد شريطا بصريا سريع القطع.
أما النهاية فهي اللحظة التي يقلب فيها النص قواعد المشاهدة تماما.
فبعد أن يوهمنا أن العرض فوق المسرح، يعلن فجأة أن المتعة الحقيقية هي التقاط نبض الجمهور.وهنا تحدث المفارقة الكبرى:
لا المسرح ولا الجمهور،ولا حتى المؤدية كانوا مركز النص.
المركز الحقيقي كان
"فعل المشاهدة" نفسه.!
لذلك تنتهي القصيدة من حيث بدأت: بمجموعة بشرية تبدو واحدة لكنّها ليست كذلك.
فكل فرد يحمل عرضه الخاص،
وكل عين تشاهد مسرحا مختلفا،
وكل إنسان ــ حتى داخل أكثر الحشود صخباــ يبقى وحيدا بطريقته الخاصة.
برؤية نادية الإبراهيمي
أعترف وأنا أقرأ للأديب كاظم حسن سعيد أصل إلى وصف أسلوبه بجملة نقدية قصيرة :
"يكتب كمن يلتقط شظايا الواقع لا صورته الكاملة ثم يترك القارئ يجمع الزجاج وحده."
*قراءة نقدية في نص "مختبر
خفي"
لا يبدو نص "مختبر خفي" منشغلا بوصف حفل غنائي بقدر انشغاله بفعل الرؤية ذاته. فالنص منذ سطره الأول يضعنا داخل جهاز بصري يعمل باستمرار. نحن لا نقرأ حفلا، نحن نقرأ عينا تراقب حفلا..
العنوان وحده يفتح هذا الباب. فالمختبر لا يعني فقط مكان التجربة هو أيضا يعني وجود مراقب، وأدوات رصد وعينات تخضع للفحص. لكن المفارقة أن النص لا يعلن من هو الباحث الحقيقي، من يراقب من؟ هل الرّاوي يراقب الجمهور؟ أم أن الجمهور يراقب المؤدية؟ أم أن الجميع واقعون داخل شبكة مراقبة متبادلة؟!
لهذا تبدو القصيدة أقرب إلى "اقتصاد النظر" منها إلى الوصف التقليدي.فالنص يشتغل على تفكيك العين إلى مستويات متعددة، العين هنا ليست عضوا بيولوجيا بل وظيفة سردية: العيون تجحظ، تراقب، تغار، تندهش، تنفصل عن المشهد أو تذوب فيه. حتى الهواتف التي ترتفع عموديا وأفقيا ليست سوى امتداد تقني للعين البشرية، الهاتف هنا ليس جهازا؛ إنه عين إضافية.
ولذلك يمكن ملاحظة أن الشاعر يتعمد تهميش الصوت لصالح الصورة، رغم وجود الطبل والآلات والصخب، فإن القارئ لا يسمع كثيرا بل يرى أكثر مما يسمع. الصوت نفسه يتحول إلى خلفية كي يسمح للصورة بأن تتصدر المشهد. وهذا يقود إلى مفارقة جمالية ذكية: الشخصية المركزية في النص (المؤدية فوق المسرح) تكاد تكون الشخصية الأقل حضورا.فنحن لا نعرف ملامحها،
لا نعرف لباسها،لا نعرف صوتها،
لا نعرف حتى ماذا تغني...
نعرف فقط تأثيرها.
وكأن النص يريد القول: "إن الإنسان لا يعيش الأشياء ذاتها هو يعيش آثار الأشياء داخله."
ومن هنا تأتي كثافة التفاصيل الجسدية الصغيرة.
حمالة الصدر ،الشعر المتجعد،
الشفاه ،السبابات.هذه ليست إضافات واقعية فقط؛ إنها إعلان غير مباشر أن الجسد يفضح ما تحاول النفس إخفاءه. ففي لحظات الانفعال الجمعي يفقد الإنسان جزءا من هندسته الاجتماعية المعتادة، وتبدأ الإشارات الصغيرة بالتكلم نيابة عنه.
الأكثر إثارة أن النص يبني إيقاعه وفق قانون بصري لا لغوي.
كل سطر يبدو كأنه "قطع مونتاج".
لا توجد انتقالات تفسيرية.لا توجد روابط كثيرة.هناك فقط: لقطة، ثم لقطة، ثم لقطة.ولهذا يشعر القارئ أنه لا يقرأ قصيدة بالمعنى المألوف بل يشاهد شريطا بصريا سريع القطع.
أما النهاية فهي اللحظة التي يقلب فيها النص قواعد المشاهدة تماما.
فبعد أن يوهمنا أن العرض فوق المسرح، يعلن فجأة أن المتعة الحقيقية هي التقاط نبض الجمهور.وهنا تحدث المفارقة الكبرى:
لا المسرح ولا الجمهور،ولا حتى المؤدية كانوا مركز النص.
المركز الحقيقي كان
"فعل المشاهدة" نفسه.!
لذلك تنتهي القصيدة من حيث بدأت: بمجموعة بشرية تبدو واحدة لكنّها ليست كذلك.
فكل فرد يحمل عرضه الخاص،
وكل عين تشاهد مسرحا مختلفا،
وكل إنسان ــ حتى داخل أكثر الحشود صخباــ يبقى وحيدا بطريقته الخاصة.
برؤية نادية الإبراهيمي