عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

رجل ستيني مهيب، لحية مشذبة بعناية، وطقم أنيق، تعلو رأسه قبعة توحي لأول وهلة بأن صاحبها من أولئك الذين عاشوا أعمارهم بين الفكر والكتب أكثر مما عاشوها بين ضجيج الدنيا ، جلس أمامي، ثم بدأ يحكي قصته بصوت هادئ تخفي نبراته وجعا عميقا.
قال إنه من أصول مغربية، لكنه أمضى عقودا طويلة من عمره في إحدى الدول الإسكندنافية، حيث شق طريقه بنجاح حتى بلغ مراتب اجتماعية ومهنية مرموقة ، غير أن أعظم ما كان يعتز به هو مكتبته ، لا تهمه الوجاهة ولا السؤدد .
منذ أكثر من ثلاثين سنة دخل في تحدّ مع نفسه، واتخذ قرارا لم يحد عنه يوما واحدا: ألاّ يمر يوم من أيامه إلا ويدخل بيته كتاب أو مجلة، مهما كانت الظروف والأحوال.
مرت السنوات، وتراكمت الثمار ؛ آلاف الكتب والمراجع والموسوعات والدوريات، في مختلف فروع المعرفة ، كتب بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية، إضافة إلى لغة البلد الذي يقيم فيه، خزانة عامرة تشهد على عمر كامل من القراءة والاقتناء والصبر ، لكن ما كان مصدر فخره تحول مع الأيام إلى قلقه الأكبر ، بحيث اكتشف أن أبناءه لا يحملون الشغف نفسه، ولا يشعرون بذلك الوله الذي كان يدفعه إلى اقتناء الكتب ، لا تلميحا ولا تصريحا وجد فيهم من يمكن أن يحمل عنه هذه الأمانة بعد رحيله.
وهنا بدأت الأسئلة الثقيلة تطرق قلبه: ما مصير هذه المكتبة؟ إلى أين ستذهب كل هذه النفائس والدرر التي جمعها صفحة صفحة، ومجلدا مجلدا، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود؟
حاول أن يبحث عن حل ، فقصد بعض الخزانات العمومية بالمغرب، وطرق أبوابا متعددة، لكنه عاد بخيبة أمل كبيرة ، أبواب موصدة، وإجراءات معقدة، وإعراض لا يليق بقيمة الكتاب ولا مكانة من أفنى عمره في خدمته.
كان يتحدث، وكأن قلبه يعتصر دما ، لم يكن يخشى على الكتب من الضياع المادي، بقدر ما كان يخاف عليها من اليتم.
بسط أمامي حكايته مستشيرا، فقلت له بكل بساطة: لا تجعل مصير المكتبة كلها معلقا بجهة واحدة ، اقسمها إلى قسمين ، أما الكتب العامة من غير العربية ؛ من موسوعات وروايات وقصص وكتب تاريخ وسير ونصوص أدبية، فلتكن هدية إلى الخزانات المدرسية في المدينة التي تعيش فيها، حتى تجد طريقها إلى أجيال جديدة من القراء ، وأما المراجع العلمية والكتب المتخصصة والدقيقة، فالأولى أن تُهدى إلى المكتبات الجامعية الكبرى ومراكز البحث، حيث ستظل تؤدي رسالتها العلمية سنوات طويلة بعد صاحبها ، وبالتحديد نصحته بجامعة ليدن بهولندا التي تعتبر من أعرق الجامعات في أوروبا ، فيها أقسام متخصصة في الدراسات الأدبية والانسانية باللغة العربية .
رأيته بعد ذلك يصمت قليلا ، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة بددت شيئا من ذلك القلق المزمن الذي كان يسكنه .

#حديث_الكُتَّاب #كُتَّابٌ_عَرَفتٌهُمْ #حديث_الكتب #للجميع #كتب #القراءة #tous #الكتاب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...