بو يوسف طه - رائحة الأرض...

جاء أجدادُنا إلى هذا العراء ، لاشيء يوحي بإمكان العيش هنا ، امتداد قاحل ، كما تتواتر الرواية من سلف إلى خلف . عائلة هربت ليلا من صراع بين قبيلتين ، واستقر بها المقام في خلاء شاسع . عشرة أفراد ، بقرتان ، عجل ، حمار ، نغل ، قطيع أغنام
أقاموا حوش سدر ونوالتين ، وبذلوا جهدا في حفر بئر . لم يكن ذلك يسيرا ، صارعوا الزمن لتوفير ظروف الإستقرار ... هذا الحيز هو نواة دوار الزمراني الذي ذاع صيته
تفتح الدوار كنوارة الشمس ، أو حقل مختلف الأعشاب ، بالتحاق نساء من دواوير كزوجات ، ورجال أغراب سُمح لهم بالإقامة ، في البداية ، كأعوان ... برز رجل سلطة مرتبط بالمخزن ، قوادة ، بغي ، فقيه ، ومن كان كَعَلَقٍ لايدرى شيئا . يُخيل للمرء وجود مؤلف خفي ، يكتب مسرحية ويوزع الأدوار بحكمة
كنت أزور صحبة أمي ووالدي حينا ، وجدتي حينا آخر الدوار ، تعجبني بساطة السكان ونمط عيشهم ، أخرُجُ إلى حقوله متمتعا بفُرشةِ سنابل القمح أو الشعير ، ومنظر الدواب والمواشي والأغنام وهي ترعى ، والرعاة الصغار وهم في حالة انتباه حذر ، والفتيات وهن يتناوبن على ملء جرارهن من البئر ، او ينتظرن ارتواء أبقارهن وأغنامهن . شمس المغيب يخفت ضوؤها وسط مهرجان من الألوان العالقة بالسماء
لما عم القحط لسنوات متتاليات ، عمت الهجرة إلى مدينة مراكش ، التحق من أهل الدوار أفراد ، كانوا ينعمون بالحرية في فضاء طلق ، ليصيروا عمالا عبيدا في المدن
لم تَنِ الهجرة عن التزايد حتى انقلب كل شيء على قفاه
كان اليومُ البدويُّ مقاوما للفراغ ، الأطفالُ يتوزعون بين الرعي والكتاب ، والبنات بين الرعي وحلب الأبقار والأغنام ، والنساء بين أعمال البيت ، والمساعدة في الحصاد والنسج . حياة مقاومة للفراغ
تجاوزت في الإستخدام ، حياةُ الآلة حياة الحيوان ، وحياةُ المزارعين الأغنياء حياة المزارعين الفقراء . حصد الموت أناسا ، والهجرة آخرين
الآن ، جفت الآبار ، غابت القطعان ، خلا الدوار من ساكنيه الذين علقت رائحة الأرض بأنوفهم وإلى الأبد ، لأن جذورهم هناك ، بقيت الأطلال كوشم في ظاهر اليد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...