علي سيف الرعيني _|الوسواس :العدو الذي يسكن خلف الافكار !

ليس كل عدو يأتيك من الخارج فبعض الأعداء يولدون في الداخل، في أكثر الأماكن قربًا منك، داخل ذلك العالم الصامت الذي نسميه العقل. وهناك، في الزوايا الخفية للوعي، يتربص الوسواس كضيف ثقيل لا يطرق الباب، بل يتسلل إلى الفكر متخفياً في هيئة سؤال صغير، ثم ما يلبث أن يتحول إلى عاصفة من الشكوك والخوف
يبدأ الأمر غالبًا بفكرة عابرة، فكرة لا تختلف كثيرًا عن آلاف الأفكار التي تمر في أذهان البشر كل يوم. لكن الوسواس يمتلك قدرة غريبة على انتزاع فكرة واحدة من بين الزحام، ثم تسليط الضوء عليها حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة التي تستحق الانتباه. وهنا تبدأ الدائرة المغلقة؛ سؤال يتبعه سؤال، وشك يلد شكًا أكبر منه، وبحث محموم عن يقين لا يصل أبدًا
إن الوسواس لا يتغذى على الأفكار بقدر ما يتغذى على الخوف منها. فكلما خاف الإنسان من فكرة ما، منحها أهمية أكبر مما تستحق، وكلما حاول مقاومتها بعنف، ازدادت تشبثًا به. يشبه الأمر محاولة الإمساك بالماء بين الأصابع؛ فكلما اشتدت القبضة، تسرب الماء أكثر. كذلك الأفكار الوسواسية، تزداد قوة كلما أصررنا على طردها بالقوة أو محاكمتها بلا توقف.
والمفارقة المؤلمة أن المصاب بالوسواس لا يبحث عن الوهم، بل عن اليقين. إنه يريد الاطمئنان الكامل، والإجابة النهائية، والضمان المطلق. لكنه لا يدرك أن الحياة نفسها لا تقوم على اليقين المطلق. فجزء كبير من وجودنا قائم على تقبل الاحتمالات والغموض والأسئلة المفتوحة. وعندما يرفض العقل هذه الحقيقة، يبدأ سباقًا مرهقًا خلف سراب الطمأنينة الكاملة
في أعماق التجربة الإنسانية، ليست المشكلة دائمًا في الفكرة نفسها، بل في العلاقة التي نبنيها معها. فالفكرة ليست أمرًا، وليست نبوءة، وليست انعكاسًا دقيقًا لشخصيتنا. إنها مجرد حدث عقلي عابر، يظهر ثم يختفي كما تمر الغيوم في السماء. لكن الوسواس يقنع صاحبه بأن كل فكرة تحمل معنى خطيرًا، وأن تجاهلها مخاطرة لا تُحتمل.
ومن هنا تنبع أهمية الوعي. فالوعي ليس أن نمنع الأفكار من الظهور، بل أن نتعلم رؤيتها دون أن نذوب فيها. أن ندرك أن العقل ينتج أفكارًا باستمرار، بعضها منطقي وبعضها عبثي، وبعضها مخيف بلا سبب. وعندما نتوقف عن خوض معركة يومية مع كل فكرة مزعجة، تبدأ تلك الأفكار بفقدان نفوذها تدريجيًا
التحرر من الوسواس لا يعني القضاء على الشك نهائيًا، فذلك أمر لا يملكه أحد. بل يعني أن نتوقف عن عبادة اليقين، وأن نتصالح مع حقيقة أن بعض الأسئلة ستبقى بلا إجابة كاملة. إنه انتقال من محاولة السيطرة على العقل إلى فهمه، ومن مطاردة الأفكار إلى مراقبتها، ومن الخوف منها إلى إدراك طبيعتها العابرة
في نهاية المطاف، يكتشف الإنسان أن الوسواس لم يكن عملاقًا بقدر ما كان ظلًا تضخم بفعل الخوف. وكلما ازداد النور داخل الوعي، تراجع ذلك الظل خطوة بعد أخرى. وحين يدرك المرء أن الفكرة ليست سجنه وأنه أكبر من كل ما يمر في ذهنه، تبدأ رحلة السلام الحقيقي سلام لا يأتي من العثور على يقين مطلق، بل من القدرة على العيش مطمئنًا رغم غياب ذلك اليقين !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...