يحيى بركات - انتخابات المجلس الوطني... حين يضيع الأفق خلف الجسر

أغلقت مقال الصديق محمد مشارقة عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.
ووضعت المقال جانباً.
ثم بقيت أحدق في النافذة.
لا في المقال.
ولا في الانتخابات.
ولا في المجلس الوطني.
بل في شيء أبعد من ذلك كله.
في سؤال قديم يعود كلما ظننت أنه غادر.
سؤال عمره نصف قرن.
في بعض الليالي يعود الماضي مثل فيلم قديم.
لا يبدأ من أوله.
ولا يخبرك إلى أين يريد أن يأخذك.
فجأة ترى طاولة صغيرة في زاوية مقهى جامعي.
وجوهاً فلسطينية شابة.
أكواب قهوة باردة.
دخان سجائر يملأ المكان.
وأصواتاً تتجادل حتى الفجر.
كان ذلك قبل أن تولد السلطة.
وقبل أن تصبح أوسلو عنوان مرحلة كاملة.
وقبل أن تتحول فلسطين إلى خرائط ملونة ومناطق تحمل حروف الأبجدية.
كنا مختلفين في أشياء كثيرة.
لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً.
كنا نعرف إلى أين نريد أن نذهب.
لم تكن فلسطين يومها سلطة.
ولا مؤسسات.
ولا موازنات.
ولا معابر.
كانت فكرة كبيرة.
وحلماً كبيراً.
وأفقاً كبيراً.
وكانت الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني جزءاً من ذلك الأفق.
لم تكن فكرة هامشية.
ولا فكرة مستوردة.
ولا اقتراحاً أكاديمياً جاء من جامعة غربية.
كانت جزءاً من الوعي الوطني الفلسطيني.
وكانت حركة فتح نفسها تتحدث عنها.
وكانت منظمة التحرير تتبناها.
وكان الفلسطيني، مهما اختلف مع الفلسطيني الآخر، يعرف أين تقف البوصلة.
ثم بدأت الرحلة الطويلة.
الحروب.
والمبادرات.
والبرنامج المرحلي.
والنقاط العشر.
والتسويات.
والمؤتمرات.
وكل تلك الاجتهادات السياسية التي قيل لنا إنها خطوات تكتيكية ضرورية لحماية المشروع الوطني الأكبر.
ولم يكن أحد يعترض على التكتيك.
فالتكتيك جزء من السياسة.
وجزء من النضال.
وجزء من إدارة الصراع.
لكن بعضنا كان يخشى شيئاً آخر.
كنا نخشى أن يطول عمر التكتيك أكثر مما ينبغي.
كنا نخشى أن ينسى الناس أن الجسر جسر.
وأن الطريق طريق.
وأن المرحلة مرحلة.
أتذكر النقاشات التي أعقبت زيارة السادات للقدس.
وأتذكر أحاديث كامب ديفيد.
وأتذكر ذلك التعبير الذي كان يثير غضب كثيرين:
"الخيانة الموضوعية".
وكان الناس يسألون:
كيف تكون هناك خيانة بلا خائن؟
وكنا نقول:
ليست القضية في النوايا.
القضية أن يتحول التكتيك مع الزمن إلى استراتيجية.
وأن تتحول المحطة المؤقتة إلى نهاية الرحلة.
وأن يصبح الدفاع عن الوسيلة أقوى من الدفاع عن الهدف الذي وُجدت الوسيلة من أجله.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، يعود السؤال نفسه أمام انتخابات المجلس الوطني.
ليس لأن الانتخابات غير مهمة.
بل لأنها ربما أهم استحقاق وطني جماعي يواجه الشعب الفلسطيني منذ عقود.
فالمجلس الوطني ليس مجلساً عادياً.
إنه، نظرياً على الأقل، المؤسسة التي تعلو على الجميع.
فوق السلطة.
وفوق الحكومة.
وفوق الفصائل.
وفوق الأشخاص.
لأنه يمثل الشعب الفلسطيني كله.
ويمثل المشروع الوطني قبل أن يمثل أي سلطة أو قيادة.
وأنا أقرأ مقال محمد مشارقة وجدت نفسي أتفق معه في نصف الطريق.
نعم.
نحتاج إلى شباب جدد.
ونحتاج إلى أصوات جديدة.
ونحتاج إلى نساء أكثر حضوراً.
ونحتاج إلى إعادة الاعتبار للسياسة بعد سنوات طويلة من الجمود.
لكن سؤالاً آخر ظل يجلس إلى جانبي وأنا أقرأ.
هل تكفي الوجوه الجديدة إذا بقي السقف القديم؟
هل تكفي دماء جديدة إذا كانت الشرايين نفسها لم تتغير؟
هل يكفي تبديل الركاب إذا كان القطار يسير على السكة ذاتها؟
ما زالت صور مؤتمر فتح الأخير حاضرة في الذاكرة.
ليس بسبب من فاز ومن خسر.
بل بسبب سؤال أكبر.
هل فتح المؤتمر باباً جديداً للنقاش حول المشروع الوطني الفلسطيني؟
أم أعاد إنتاج السقف السياسي نفسه بوجوه مختلفة؟
ومن هنا يأتي قلقي من انتخابات المجلس الوطني.
ليس خوفاً من الانتخابات.
بل خوفاً عليها.
لأن المجلس الوطني أكبر من أن يكون نسخة موسعة عن أي مؤتمر تنظيمي أو فصائلي.
وأكبر من أن يكون إعادة إنتاج لأي توازنات قائمة.
إنه المؤسسة التي يفترض أن تمنح الشعب الفلسطيني حق إعادة طرح الأسئلة الكبرى.
لا أن تأتي محملة بإجابات جاهزة قبل أن تبدأ.
ومن غرائب التاريخ أنني، كلما فكرت في هذا الأمر، وجدت نفسي أنظر إلى الجهة الأخرى من الصراع.
إلى الحركة الصهيونية منذ مؤتمرها الأول.
إلى وعد بلفور.
إلى المنظمات الصهيونية المسلحة.
إلى قرار التقسيم.
إلى حروب 1948 و1967 و1973 و1982.
إلى كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.
إلى الاستيطان والجدار.
إلى ما يجري اليوم في غزة والضفة وسوريا ولبنان.
هناك تبدلت الحكومات.
وتغيرت الأحزاب.
وتصارع اليمين واليسار.
وسقط رؤساء حكومات.
ودخل بعضهم السجن.
ودفع بعضهم حياته ثمناً لمواقفه.
لكن شيئاً واحداً بقي حاضراً.
كان الخلاف دائماً يدور حول الوسائل.
أما الغاية فكانت تبقى حاضرة في الخلفية.
كان السؤال الذي يحكم النقاش هناك:
هل يخدم هذا التكتيك الاستراتيجية أم لا؟
فإذا أخفق التكتيك جرى استبداله.
وإذا فشلت الحكومة جرى تغييرها.
وإذا تعطلت الأداة جرى البحث عن أداة أخرى.
لكن الأداة لم تكن تصبح الهدف.
والتكتيك لم يكن يحل محل الاستراتيجية.
أما نحن، فأخشى أننا وصلنا في لحظة ما إلى النقطة المعاكسة.
لم نعد نسأل دائماً:
هل يخدم التكتيك الاستراتيجية؟
بل أصبحنا أحياناً ندافع عن التكتيك نفسه وكأنه الاستراتيجية.
وندافع عن المرحلة وكأنها الوطن.
وندافع عن المؤسسة وكأنها المشروع الوطني.
قبل سنوات قرأت كتاباً للباحثة الأمريكية فرجينيا تيلي تدافع فيه عن فكرة الدولة الواحدة.
ابتسمت يومها.
ليس لأن الفكرة جديدة.
بل لأنني شعرت أن التاريخ يدور دورة كاملة.
فالفكرة التي كانت تُناقش في الجامعات الفلسطينية والعربية قبل عقود عادت من أبواب أخرى.
وكأن الزمن يسألنا من جديد:
هل ما زلتم تعرفون إلى أين تريدون الذهاب؟
لهذا لا أرى انتخابات المجلس الوطني مجرد صندوق اقتراع.
ولا مجرد تنافس بين قوائم وأسماء.
بل أراها مرآة كبيرة.
مرآة يقف أمامها الفلسطينيون جميعاً.
لا ليسألوا من سينجح.
بل ليسألوا:
ما هي فلسطين التي نريد أن يمثلها هذا النجاح؟
لا أخشى أن تأتي الانتخابات بجديد.
أخشى أن تأتي بكل هذا الجديد...
ثم تضعه داخل القالب القديم نفسه.
أخشى أن تتغير الوجوه ويبقى السقف.
وأن تمتلئ المقاعد بينما يبقى المقعد الفارغ الأكبر هو مقعد المشروع الوطني نفسه.
أخشى أن نذهب إلى انتخابات نناقش فيها أسماء المرشحين، بينما السؤال الأكبر يقف خارج القاعة.
سؤال فلسطين نفسها.
فلسطين التي كانت يوماً أكبر من السلطة.
وأكبر من الفصائل.
وأكبر من المؤسسات.
فلسطين التي لم يكن الناس يسألون فيها أولاً: من سيقود الرحلة؟
بل كانوا يسألون:
إلى أين تتجه الرحلة؟
وربما لهذا السبب لا أبحث اليوم عن أسماء جديدة فقط.
ولا عن وجوه جديدة فقط.
بل عن تلك البوصلة القديمة التي كانت معلقة فوق رؤوسنا ونحن نجلس حول تلك الطاولة الصغيرة قبل نصف قرن.
يوم كان الطريق طويلاً.
لكن الأفق كان واضحاً.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
6/6/2026





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...