علجية عيش.. تأملات في التجربة الإصلاحية في المشرق الإسلامي في القرن الـ: 19

مركز الشهاب للبحوث و الدراسات لـدى "ج ع م ج" في مجالس الفكر

سؤال: كيف يمكن تجاوز الجمود الفكري الفلسفي الراهن و إعطائه صبغة حضارية لا هي حداثية و لا هي تقليدية؟

شهد العالم العربي الإسلامي لاسيما في المشرق منذ منتصف القرن التاسع عشر نهضة فكرية شاملة استهدفت تحديث المجتمعات، والتصدي للجمود الفكري، حيث شكلت مشروعا متكاملا للتنوير و الحداثة ، فكانت هناك حملة إصلاحية قادها ثلة من المفكرين و الإصلاحيين على غرار جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و الكواكبي و من جاء بعدهم ، حيث شكلت العقلانية هاجسا لدى بعض المفكرين الرافضين للفكر العقلاني على أساس ان هذا الفكر سبب انحطاط الأمة الإسلامية لأنه يدعو إلى التحرر المطلق و يقف ندا للند أمام الدين، فكان من الضروري محاربة الاتجاه الحداثي و العودة إلى التراث الإسلامي و تقديسه

ما تزال قضايا العصر نثير الجدل بين المفكرين و أصحاب الرأي لاسيما القضايا التي تتعلق بالحداثة و التنوير بهدف تبصير القارئ العربي، وفي مقدمة هذه القضايا "التجربة الإصلاحية في المشرق الإسلامي" في زمن تتكاثر فيه الأسئلة حول واقع الأمة ومستقبلها، في مجالس الفكر كانت هناك تأملات قدمها أكاديميون في مجالس الفكر عبر قناة الأنيس أطرها الدكتور عبد الملك بومنجل و كان ضيف اللقاء الدكتور علي حليتيم و الدكتور عمار جيدل و لو أننا نطرح سؤال لماذا المشرق الإسلامي بالذات و للمغرب العربي تجربة إصلاحية رفيعة المستوى و ذلك لاعتبارات عديدة داخلية و خارجية جعلتها تفرض نفسها كقوة، ففي المغرب العربي كانت هناك يقظة فكرية نثل التي حدثت في المشرق العربي، فقد شهد كل من المشرق و المغرب الإسلامي نهضة فكرية و ثقافية خلال القرن التاسع عشر، استهدفت الخروج من التخلف نحو التقدم و الحداثة، و قد تمثلت هذه المرحلة في الإصلاحات قام بها مفكرون و إصلاحيون.

يتحدث الدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية و رئيس مركز الشهاب للبحوث و الدراسات التابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن "راهنية الفكر الإصلاحي" في معالجة أزمات الواقع المعاصر والذي استدعى العودة إلى الرمزيات الفكرية ، فأهمية هذا الفكر تكمن في كونه نقدًا للذات ومشروعا حضاريًّا يسعى للنهوض بالمجتمعات، ومواكبة العصر مع الحفاظ على الأصالة، إذ يرى أن الشخص الذي لا يبقى محلا للنقاش هو ميتٌ فكريا، فاستحضار الأفغاني مثلا و محمد عبده و الكواكبي في النقاشات يضيف الدكتور علي حليتيم دليل على أن تلك الدفعة الإصلاحية لا زالت تمارس تأثيرها و لازالت القضايا التي تطرحها قضايا راهنة، و هذا جانب إيجابي كما يقول، و هي تدل على التأثير الكبير لهؤلاء المصلحين و مثل هذه الشخصيات التي تثير النقاشات هي شخصيات قلقة يصعب تصنيفها، لكن هذا القلق يدل على أنهم كانوا يتفاعلون مع الأحداث، خاصة ما تعلق بقضايا الدين ( الإلحاد) و الإسلام و العلمانية و الحداثة العربية، و يدل على أنهم يحملون الهمّ الإصلاحي و يرفضون طرح الفكر التوافقي أو ( التوفيقي) باعتباره نهج عقلي منفتح يتميز بالمرونة وتقبل وجهات النظر المختلفة و يتجنب المواقف الصفرية (إما كل شيء أو لا شيء) ومحاولة إرضاء الأطراف المختلفة، يضيف علي حليتيم أن هؤلاء المصلحين كانوا يمارسون كثير من الواقعية السياسية، باستثناء محمد عبده، و المسلمون لم يكونوا يعلمون بما يحصل في اوروبا و لم يكونوا يدركون ما يفعله الغرب.

يقدم علي حليتيم "حركة الطورانيين" (نسبة إلى مدينة طوران ، منطقة تاريخية ممتدة بين هضبة إيران و بحر قزوين ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر) بين الأتراك العثمانيين و مساعيها في توحيد جميع الشعوب المنتمية إلى العرق التركي تحت راية واحدة، و هي كما يضيف حركة علمانية نشأت داخل الخلافة العثمانية و استولت على مقاليد الحكم، كانت هناك نقاشات بين علماء اللغة في ذلك الوقت خاصة ما تعلق بالترجمة - من و إلى- ، مما عرّض الخلافة العثمانية إلى الانحطاط و الفشل، من وجهة نظر علي حليتيم ، المسلمون لا يلامون في حالة معارضتهم الخلافة العثمانية و الطورانية و تركيا الفتاة، لأن حركة التتريك التي هي مشروع قومي سياسي شوفيني لإنقاذ الرجل المريض ظل إلى أجل غير مسمى، أفكار علي حليتيم أثرت القضية أكثر و من كل جوانبها فكان على الدكتور عبد الملك بومنجل باعتباره منشط الجلسة الحوارية إلى أن يفتح نافذة أخرى للحديث عن الإتجاهات الفكرية حول التيارات التحررية التي سعت إلى تخليص الشعوب من الاستعمار بكل اشكاله و ألوانه و تناقض التيارات الحالية ( الإسلام و العلمانية) و مظاهر الاستبداد و اثره على المجتمع و دفعه الأمة إلى التأخر و التخلف.

فعلي حليتيم يرى أن مستويات الفضيلة في أوروبا كانت أفضل من مستويات العالم الإسلامي اليوم ، ضاربا فيذلك مثالا بالمنظومة الأخلاقية كالحشمة و المروءة و الأخلاق في جانبها التطبيقي ، موضحا أن هذه المنظومة الأخلاقية لم تكن تُطْرَحُ في العالم الإسلامي، و بلغة الجمع يقول : فنحن نمارس إعادة القراءة لهؤلاء حتى لو كانت قراءة مؤدلجة، و هذه الظاهرة ( اي ظاهرة الأدلجة) تظهر خصوصا في قراءة النصوص الدينية ، يوضح علي حليتيم فكرته بأن النقطة المحورية هي أن الغرب وصل إلى ما وصل إليه بعد سجلات فكرية و عقائدية و حرب 30 سنة ، و هذا المسار على حد قوله لم يكن سهلا ، ما نلاحظه على الدكتور علي حليتيم هو أنه يتميز بالجرأة في الطرح، لدرجة أنه يقول أن فلاسفة الأنوار كديكارت و روسو و فولتير لم يكونوا عظماء و لم يقدموا شيئا لكنهم أثّروا بما كانوا يطرحونه ماعدا أينشتاين الذي اكتشف ما لم يكتشفه الناس و قدّم من العلم ما لم يقدمه غيره، و كانت آخر جملة قالها علي حليتيم : نحن لم نعش الحرية التي عاشها الغرب طيلة ثلاثة قرون عندما نقرأ لنقاشاتهم البرلمانية، كانوا يُسْقِطون حكومات و يُقِيمونها لم تصل إلينا نحن المسلمين، ولا شك أننا نقف مع فكرته، أما الدكتور عمار جيدل فكان له رأيه حول هذه القضية.

فهو تحدث عن الاختيارات الجزئية و التجزيئية و هذه الإختيارات هيأت لهؤلاء الذي يتكلمون باسم المعتزلة إمكانية توظيف السياقات التي يريدونها هم، فيما يسمى بالتحليل الرغائبي، اختاروا ما شاءوا إما لتمرير مشروع سياسي غربي أو مشروع إيديولوجي في البلاد الشرقية وإما نمذجة المجتمعات بالمعايير ( معايير التحضر) ، إذ يرى أن من أراد التحضر عليه باستهلاك ما سمّاه بالمُصَبِّرَات سواء كانت معنوية أو مادية، الحقيقة و بكل موضوعية أفكار الدكتور عمار جيدل كانت متقطعة و غير متسلسلة يتعذر على المتابِعمتابعة ما يقول عكس ما جاء به الدكتور علي حليتيم ، إلا أن عمار جيدل طرح سؤالا مهما جدا وهو: كيف السبيل لجعلنا في مستوى التطلعات العلمية عالميا؟ و هذا سؤال لا يسقط بالتقادم كما أن سؤال الحرية ( التغيير السياسي و الاجتماعي) و سؤال معرفة التداول الفلسفي وما كان صحيحا منه و ما ليس صحيح، كل هذه الأسئلة تبقى مستمرة لأنها ليست زمانية و لن ينتهي أوانها، ثم كيف السبيل للسير في اتجاه ديمقراطية حضارية و حتى لا نقتبس من الغربيين لأن ضرورات المشهد أكثر من ضرورات لواقع، كما أن مواكبة العلم عند الشرق مع مواكبة العلم عند الغرب تبقى دائما مطلوبة و هذا بإيجاد حركية على مستوى الأمة الإسلامية لأن التداولات الفلسفية ( البراغماتية) تأتي بمصطلحات تدفقها عالي و نحن مطالبون بفهمها و تفكيكها لمعرفة إذا كانت موضوعية أم لا، يبقى السؤال الذي يُطرحُ على الدكتور علي حليتيم و عمار جيدل و ثالثهما الدكتور عبد الملك بومنجل هو: كيف يمكن تجاوز الجمود الفكري الفلسفي الراهن و إعطائه صبغة حضارية لا هي حداثية و لا هي تقليدية؟.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...